أنا وأسئلتي والمونودراما وكل يوم في شأن.. ( 3 )

أحاول أن أبحث عن شفاعة له، ولكني قطعًا غير مقتنع بها، أرى أن بعض الممثلين ضجروا من أسلوب أو أساليب مخرجيهم ومن سطوتهم عليهم فوجدوا ضالتهم في فن المونودراما، وبعضهم لم ينل فرصة كافية للتعبير عن طاقته الفنية فلجأ إلى فن المونودراما، وبعضهم توفر على تجربة وخبرة كافيتين في الأداء المسرحي فرأى أنه قادر على تحقيق ذاته عبر هذا الفن، ولكن هل يشفع لهؤلاء وقوفهم عند هذه الأسباب وان حاولت البحث لهم عن شفاعة؟
هل يمكن لمن قضى ردحًا طويلاً من الزمن مؤديًا في حيز فرقة مسرحية أن يكون بين ليلة وضحاها ممثلاً مونودراميًا؟ وهل تأسس في مسرحنا العربي مخرجون في فن المونودراما أم أن أغلب من خرجوا على فرقتهم المسرحية أو حاولوا من خلالها تجريب واختبار فن المونودراما هم من أخرج أعمالهم المونودرامية؟ ولعلني لاحظت تجارب في هذا الفن لم تنخلع من ثوب أدائها السابق مع فرقتها ولم تتمكن من تجاوز أداء ممثلها الأول وأعني به المخرج بل أن أداءها حين كانت تعمل مع فرقتها أكثر تميزًا وتألقًا وحضورًا، وقد بهت أداؤها حين خرجت من حيز هذه الفرقة.. هل السبب يكمن في غياب الحوار الخلاق الذي تتوفر عليه الفرقة؟ هل السبب يكمن في التعاطي الواحدي للتجربة، نصًا وإخراجًا وتمثيلاً وسينوغرافيًا؟ هل السبب يكمن في الانغماس الفاقع في الثرثرة الأدائية لفظاً وإيماءات وجسد؟ أم أنها المكابرة المجانية في محاولة البعض استنطاق لغة الحياة في زمن معين خاصة ما إذا استبطن النص شخصيات مركبة وإشكالية تعوزها طاقة أدائية غير عادية ومتمرسة في مجال فن المونودراما ومتأملة لأبعادها وتضاعيفها؟ هل السبب يكمن في سطوة الواقعي على المتخيل الذي يفسح مجالاً جماليًا فسيحًا للمؤدي وللعرض وللمتلقي؟ إذ أن تولي مهمة أداء عرض بأكمله وعلى كاهل ممثل واحد ليست كالمهمة التي تقتضي أداء دور واحد في العرض فالمهمة الأولى تتطلب جهدًا مضاعفًا ويصبح فيها المؤدي موزعًا بين المؤدي والمخرج والمؤلف والسينوغرافي أحيانًا، خاصة وأن وضع المونودراما في مسرحنا العربي الفني والموضوعي ليس كما هو في أوروبا التي تضاءل فيها دور المونودراما، حيث العمل موزع بين المؤلف والمخرج والممثل والسينوغرافي وكل يدرك المهمة المناطة إليه وبالتالي يكون المؤدي مفرغًا لدوره فحسب لا شيء يشغله غير دوره، والحال هذه تتبلور وتتأسس الرؤية الفلسفية والفكرية الفنية للعمل، للفرقة، وتصبح ذا تأثير مهم في حيزها وفي الحيز المجتمعي أيضًا، أما وحالنا هذه فكيف نخال الرؤية التي تتأسس على ضوئها تجاربنا المونودرامية؟ وإن نجت إحداها فهي بالتأكيد قد خضعت لمختبر فكري وفني غير عاديين والله اعلم بالتجربة التي سوف تليها، وهنا حين نود أن نتحدث عن المرجعيات الفكرية لهذه التجارب نلحظ أن أغلبها انبثق من فرق مسرحية ذات نهج فكري منفتح رصين ومؤسس ومؤثر واشتغل مع مخرجين مسرحيين مبدعين، ولكن حين يجري الحديث عن هذه التجارب بعد اشتغالها في فن المونودراما يصعب الحديث عن تحقق وهج فكري يتجلى من خلالها، ولعلي أسلفت بعض الأسباب، بل أن أغلبها تحول إلى فن رسائلي مناسباتي مباشر، لا نشهده إلا في المهرجانات وبعدها يخبو لا يراكم ولا يطور ولا يتأمل التجربة أو يعيد النظر في معطياتها أو في مفرداتها، وتكاد تكون هذه الخطابية الرسائلية المباشرة ملمحًا من ملامح الظاهرة المونودرامية في مسرحنا العربي – إذا جاز الإقرار بها كظاهرة – ولذا نلحظ أن فن المونودراما في مسرحنا العربي لم يشكل له جمهور حقيقي يتابعه ويحاوره، لأنه – كما أسلفت – لم ينمٍ تجاربه ولم يتحول إلى تظاهرة مسرحية لها ملامحها الفنية الخاصة بها ولها مرجعياتها العميقة والذاهبة بها نحو آفاق أكثر قدرة على التخلق والتأثير والامتداد، كما نلحظ أنه إذا أخلص إلى هذه الرسائلية تجاهل التقنيات الأدائية التي تعبر برؤيته الفكرية إلى فضاء الأداء المسرحي المتميز والمبدع، فنشهد مثلاً المساحة الارتجالية التي يتعاطاها مؤدي المونودراما في أدائه أو في فضاء عرضه – وهي ملمح مونودرامي في مسرحنا العربي – أشبه ما تكون عامية عفوية التجسد، لا صادرة عن اتجاه أو مختبر مسرحي يعنى بفن الارتجال، وغالبًا ما يكون هذا الملمح مربكًا للتجربة بوجه عام، تارة يميل نحو الفارس أو الفودفيل وتارة يقترب نحو (الأوفيه) التجاري وتارة يربك الأداء الحركي للممثل وعلائقه بحيوات عرضه، وتارة يتماهى مع اللغة اليومية للحياة بمختلف مفرداتها اللفظية والإيمائية، وهنا يكون الارتجال معيقًا للجسد الأدائي في المسرح، فبدلاً من أن ينميه ويجليه ويضيئه يخمده ويقصيه، بل ويصبح اللغة الموازية للحكي المسرف في سرده للأحداث، وغالبًا ما يستوعب الارتجال على انه جنس من أجناس الضحك والتهريج لا فن يستجلي إمكانيات الخلق والإبداع في جسد الممثل وهنا نلحظ أن مؤدي المونودراما إما يقتربون كثيرًا في أدائهم من منطقة مهرج السيرك، لا مهرج المسرح، وهي إشكالية في الرؤية الفنية لدى المتصدين لفن المونودراما في المسرح العربي.
ومن الإشكاليات الملامحية لفن المونودراما في مسرحنا العربي، الفوتوغرافيا الفاقعة في بعض العروض والشروحية المستفيضة لها، فإذا دلف بعضهم إلى حديث عن مدينة أو قرية أو واقعة، أطنب في كل تفاصيلها وراح يشرح ويفسر ويزيد دون أن يتيح ولو بعض مجال لإمكاناته التخيلية أو لإمكانياته الصورية أو البصرية أو الإيمائية.
وفي الوقت الذي تطور فيه فن الفوتوغرافيا لا يزال البعض مصرًّا على تجسيده في إطاره التقليدي التسجيلي السائد، ونلحظ أن هذه الحالة الفوتوغرافية تباعد بين المؤدي ومادته الأدائية، ونكون أمام عارض للمادة لا مؤدي لها، أمام مادةٍ تكتسب حيويتها في صورتها الجامدة لا من أداء مصورها وروحه وطاقته، فإذا كان الفن عاكسًا للحياة فما أهميته إذًا؟ ما أهمية ذات المؤدي إذا كانت مغيبة عن فنه؟ فإذا كان يشفع للمؤدي هذا أنه خرج على مخرجه لأنه وأد ذاته وراح يبحث عن ذاته من خلال ذاته وحده فحسب، فما أهمية هذه الذات إذا كانت روحها جامدة في الصورة الفوتوغرافية التي صورتها؟ لا أخال ممثلاً حلم ذات يوم بأنه يؤدي المونولوج الكوني الرائع لهاملت شكسبير «أكون أو لا أكون ذلك هو السؤال» أو خطاب انطونيو المدهش والمؤثر في يوليوس قيصر لشكسبير أيضا أن يرتكن لهكذا موات وهو الذي أخذ بهكذا حلم وقرر مصيره الفني من خلاله، لا أخال من تسنى له تجسيد ذلك الحلم أن يؤول إلى ما آل إليه من موات.
وإذا كانت الفوتوغرافيا ملمحًا من ملامح فن المونودراما لمسرحنا العربي – كما أسلفنا – فانه أيضًا فن استعادي، وهو ملمح آخر يطغى على أغلب عروض فن المونودراما في مسرحنا العربي، يذهب لما حدث لا لما يحدث أو يحاور ما حدث في راهنه، أسير ماضٍ أو عزلة أو سجن أو وحدة، وهذا الملمح نلحظه في أغلب عروض المونودراما في مسرحنا العربي، فن لا يدع مجالاً للذاكرة أن تتنفس في راهنها أو تتمكن من قراءة مستقبلها، وكما لو أن فن المونودراما تشكل بهذا الشكل والخارج على هذا الشكل خائن لفن المونودراما، ولعل هذه الإشكالية – في أساسها – فكري وهنا ينبغي بالضرورة وبصرامة مراجعة مرجعياتنا الفكرية وخلق وهج فكري قادر على استيعاب ما يحدث في الحياة وفي الفكر وفي المسرح وهذا لن يتحقق إلا بإمطار الأسئلة الشاخصة على تجربتنا المسرحية في فن المونودراما وتظل هناك بعض الأسئلة لا زالت عالقة في رأسي، هل فن المونودراما يعني بالضرورة فن الممثل الواحد؟ وماذا يعني الممثل الواحد في المسرح؟ وماذا يضير لو تعضد الممثل الواحد بممثلين آخرين بتجربته؟ ألا نستطيع أن نطلق عليه فن الممثل الواحد إذا كان هو صاحب الدور والحضور الأساسيين بين من يصاحبه دوره في التجربة؟ ولماذا يظل فن المونودراما في مسرحنا العربي رهين السرد والكلمة؟ لماذا لا يذهب للبحث عن لغة أخرى معضدة للكلمة أو مستقلة عنها؟ لماذا لا يكون فن الكيروغرافيا حاضرًا في تجاربنا المونودراميا؟ لماذا لا ينعكس مسرح الصورة بتجلياته الجمالية عليها؟ ألم نسأل أنفسنا بعد لماذا يكاد يكون فن المونودراما مهمشًا وغريبًا عن وعلى الجمهور؟ لماذا لا تتأسس مراكز وورش مسرحية عربية تعنى بفن المونودراما في مسرحنا؟ لماذا لم يتخلق حتى الآن اتجاهًا واضحًا وفاعلاً في فن المونودراما في مسرحنا العربي؟
إن العنصر الأساسي في المسرح هو الممثل، الذي ظل مصدر النزاعات حتى صار كاهن المسرح بمختلف أفضيته الداخلية والخارجية، ارتدى هذا الممثل وخلع، ولكنه العنصر الأساسي في المسرح منذ بداياته وحتى القرون الألفية الراهنة والقادمة.
وُجد هذا الممثل في ظروف صعبة لم تساعده على التجلي والإبداع، فصارت كل الأشياء المصطنعة تحول الطاقة الفاعلة لديه إلى مادة ميتة.
إن الممثل مثل السوبر ماريونيت، مادة بيضاء لا تطفئ ما يوجد فيها، وقد ساهم مخرجون مبدعون مثل فاختنجوف وتادوش كانتور، بإزالة الزيف عن الممثل، وقام ليستراسبورج وغروتوفسكي باكتشافات مهمة طورت من أداء الممثل، ومن المعروف أن جوهر الممثل الطبيعي والواقعي هو المعايشة والذوبان في الدور حتى النهاية، ولقد وقف مايرخولد وتايروف ضد هذا النهج باعتبار أن هذا الذوبان عملية ليس فيها إبداع؛ لأن العلاقة الحية والفعَّالة هي المهمة بين الممثل وجمهوره، وهذا أدى بنا ـ بطبيعة الحال ـ إلى أن التمثيل عبارة عن خلاصة الانفعالات الإنسانية وهي التي تؤدي إلى الإبداع وإلى الوصول بنا إلى شكل أشبه بالمعزوفة الموسيقية الرفيعة منه إلى فوتوغرافية الواقع والحياة.
إن تجسيد الممثل لدوره يعتبر رؤية إبداعية تصل بنا إلى الفن المبدع في المسرح، فكل المسرحيين الذين أضاءوا لنا المسرح إضاءة غير تقليدية لم يتخلف عنهم الممثل ولم يستطيعوا أن يتخلوا عنه، ولأن التجريب تطور، كان على الممثل أن يطور من أدوات لغته.
إن قضية الإيهام والتصوير الفوتوغرافي لم تعد مهمة لدى الممثل، إن المهم لدى الممثل هو في أن يؤدي دوره ضمن مسافة دقيقة حتى لا يتعايش مع دوره إلى النهاية، لم يعد هذا الممثل ممثلاً للطبيعة، وإنما للعمل الفني، ولم يعد المسرح مسرحًا للنجوم، المسرح فن جماعي متجدد وإن اختزلت الجماعة في فرد واحد، أصبح المسرح يتعامل مع فنانين غير محترفين، هواة وعاشقين للمسرح، ويؤكد هذا التعامل المغاير غروتوفسكي وتادوش كانتور ووجوزيف تشاينا، إنهم يتعاملون مع ممثلين هواة ولكنهم قدموا أعمالاً مهمة للمسرح.
إن الممثل ونفسه، الممثل ودوره، لم يسخر منهما غروتوفسكي، إنه أعاد تشكيلهما واستلهم منهما وطورهما، فالممثلون عند غروتوفسكي لا يعايشون الدور والشخصية، ولكنهم أيضًا لا يعايشون ذواتهم، إنهم يبحثون عن شيء غير مباشر، إنهم يبحثون عن الألم الإنساني الذي تعيشه هذه الشخصية الممثل، ولأن الثراء اللامحدود في أداء ومهنة الممثل لدى مسرح غروتوفسكي وصل إلى أقصى الحدود، وصل معه غروتوفسكي إلى حيرة، لقد تجاوز وتخطى بهذا الثراء حدود المسرح، فكانت الورشة المسرحية لديه تخطيًا لما كان يسمى أو يعرف بالمسرح، لقد وصل غروتوفسكي إلى الحد الأقصى في التجريب، وصل إلى المسرح الذي يؤدى خارج أطر المبنى، واستطاع أن ينظم لقاءات حية بين ممثليه والمتلقين من الجمهور، إن هذه اللقاءات جعلت معمل غروتوفسكي المسرحي موجودا حيث يوجد هو.
يوسف الحمدان – الأيام البحرينية



