بنات عبد الرحمن: رحلة بحث في الهوية النسوية

تعد العناوين بمثابة عتبات الأعمال الدرامية، تلك التي نخط بأقدامنا عليها للدخول إلى عالم الحكاية، والتلصص على شخوصها.
وبالتوقف عند عنوان الفيلم “بنات عبد الرحمن”، نجد أنه دلالة سيميولوجية واضحة لتجاهل هؤلاء البنات؛ سواء ذكر أسمائهن، أو التعرف على أي شيء يخص هويتهن، إذ يقتصر العنوان على ذكر اسم الأب فقط. وكأن لا وجود لهؤلاء الفتيات منفصل عن ذلك الأب.
بينما المفارقة الدرامية هنا هو عدم ظهور الأب سوى لقطات قصيرة خلال المشاهد الأولية من الفيلم. وعودته للظهور مرة أخرى في مشهد النهاية، عقب مرور بناته بمجموعة من الأحداث والتحديات اللاتي يتخطونها وحدهن.
إذ في كل مرة يسألن فيها بنات عبد الرحمن؛ أين أبي؟ لمساندتهم في إحدى المشكلات اللاتي يمرّن بها؛ يجيبهم فراغ مكان الأب، ويتفاجئن بأنفسهن وهن يقمن بتخطي تلك التحديات وحدهن دون وجود لرجل.
وعليه، يمكننا القول إن الفيلم هو رحلة هؤلاء البنات لاكتشاف أنفسهن، للبحث عن هوية منفصلة عن ذلك الأب، وعن الهوية المجتمعية التي حددها وفرضها ذلك المجتمع الأبوي.
وإذا توقفنا عند بنات عبد الرحمن الأربع، نجد أن الكبيرة زينب تعمل خيّاطة؛ حيث تقوم بصنع الملابس النسائية، من ملابس داخلية وفساتين أفراح.
يجد المتلقي نفسه وهو يتلصص عليها حين تقوم، خفية، بارتداء تلك الملابس التي تصنعها، قبل تسليمها للعميلة. تقف أمام المرآة في حالة من النشوى والقلق والخزي! تتأمل ملامحها وجسدها الذي بَهَت من الانتظار.
كما تقوم زينب بجمع قصاصات مربعة صغيرة؛ تلك القصاصات المتبقية من الملابس التي تصنعها. تخبئها في درج مكتبها، وتجمعهن كما تجمع أحلامها؛ حلمًا فوق حلم، أحلام مبتورة لا تكتمل.
تخبئهن داخل درج لا يطّلع عليه أحد. درج يمتلئ بالأحلام المؤجلة، وقصاصات الأماني التي لن تكتمل أبدًا.
لتجسد زينب سردية الآمال الدفينة، والآلام التي تئن داخل أدراج مكتبها، والمجتمع الذي حرمها كل شيء.
وفي نفس السياق نجد ظهور زينب في المشهد الافتتاحي للفيلم وهي تسير منحنية الكتفين، تبتاع حفاضات نسائية وتقوم بتخبئتها في كيس أسود، لتكون تلك الصورة المشهدية مع أداء آمال الجسدي الخاضع بمثابة دلالة سيميولوجية إلى حالة من الخوف والخزي والاختباء.
أما الابنة الثانية آمال فهي امرأة متزوجة، منتقبة، متشددة في آرائها ولها ردود فعل عصبية واندفاعية، يعاملها زوجها كشيء يجب عليه الاختباء، ويعطي لنفسه الحق في ضربها بغرض تأديبها. إذ تظهر على وجهها آثار الضرب والتعنيف كلما رفعت النقاب عن وجهها.
لنكتشف أن ذلك دافعًا نفسيًا قويًا لتصرفاتها العنيفة مع إخوتها وإلحاق الغضب بهن، إذ تغضب من أختها الصغرى لأنها قامت بخلع الحجاب وتعيش مع رجل دون زواج، أما الأخرى فتنهال عليها باللوم لأنها تشرب السجائر، بينما هي، آمال، تعاني من حساسية صدر.
لنعرف في النهاية أن آمال لا تعاني من أية حساسية وأنها طوال الفيلم كانت تشتهي شرب السجائر وتشتاق لرائحة التبغ المحترق، مما يجعلها في حالة هياج كلما نفثت أختها دخان السجائر بجانبها.
أما الأخت الأصغر سماح فمنذ ظهورها في بداية الفيلم وهي ترفض أن تكون جزءا من ذلك المجتمع الأبوي أو أن تخضع لقيمه وتلتفت لقيوده، فتعلن احتجاجها كلما سنحت لها الفرصة لذلك، تشرب السجائر علنًا، وتتلفظ بألفاظ خارجة في وسط زحام الشارع وترتدي ملابسًا يعدها المجتمع غير مقبولة. وكأنها تُشهر سلاح تمردها على كل القيم المجتمعية التي وضعت المرأة في وضع نمذجة ثقافية واحد لا يتغير.
بينما الأخت الصغرى ختام؛ هي الأكثر تمردًا رغم هدوئها البادي، تلك التي خلعت الحجاب وسافرت إلى دبي وتعيش مع رجل دون الزواج منه. تلك التي يرفضها المجتمع وينظر لها نظرة ساخطة. كونها كسرت تابوهاته المحرمة.
لتشكل أحداث الفيلم رحلة تكشف فيها كل واحدة منهن عن خباياها، يتعاركن، ويصرخن، بل ويضربن بعضهن، ثم يجتمعن سويا لقمع الظلم المجتمعي والقيم الذكورية التي يتعرضن لها.
فالأخت الكبيرة بدلًا من الاختباء في ثوب الزاهدة لمباهج الحياة والزواج والحب، تعلن صراحة في نهاية الفيلم حبها للموسيقى، وترمي بكل الأعراف والتقاليد عرض البحر وتعلن صارخة أمام الجيران تقبيلها للرجل الذي أحبته سابقًا والذي حرمت الزواج منه بسبب العادات والأقاويل.
كما تعلن آمال المنتقبة، لأول مرة، تمردها على زوجها، وتقوم بإهانته، وتوجيه الاتهامات له، ورفع راية العصيان في إشارة إلى أنها لن تتقبل ذلك القهر مرة أخرى.
أما شخصية سماح فتقوم بمحاولة التصالح مع ذاتها مع صراعاتها، ومع إخوتها، وتحاول تضميد جراحها، والاعتراف بهشاشتها.
بينما الأخت الصغرى ختام فقد نالت رضا أبيها أخيرًا، حصلت منه على نظرة حنون وراضية، وألقت بنفسها في عناق مطول معه. لتظهر للمرة الأولى وهي تبتسم ابتسامة لا يشوبها القلق والحزن.
وينتهي الفيلم كما بدأ بشخصية الأخت الكبيرة المنهزمة التي تمتطيها التقاليد والعرف والمجتمع، لتظهر وهي مستقيمة الظهر، ترمي بكل القصاصات التي كانت مختبئة داخل الدرج، تجلس فوق سطح بيتهم وتعزف ألحانها بصوت عالي. يستمع إليه كل الجيران، دون خوف أو خزي.
ليغدو الفيلم بمثابة لوحة إنسانية تتقاطع فيها أربعة نماذج نسائية، لا بوصفها شخصيات منفصلة، بل بوصفها تجليات مختلفة للمرأة في مواجهة السلطة الأبوية والمجتمع. فزينب، الأخت الكبرى، تجسد المرأة الخاضعة التي أفنت عمرها في رعاية والدها، حتى دفنت أحلامها الشخصية تحت ركام الواجب، لتخفي خلف هدوئها بركانًا من الرغبات المؤجلة والحياة التي لم تُعش.
أما آمال، المنتقبة والمتشددة في أحكامها على أخواتها، فتبدو في ظاهرها أكثر الشخصيات تمسكًا بالقيم المحافظة، غير أن الفيلم يكشف تدريجيًا أن نقابها لا يحجب وجهها فحسب، بل يحجب أيضًا جراحها ورغباتها المكبوتة. فهي لا تخفي جسدها فقط، وإنما تخفي امرأة أنهكها القهر، تتوق إلى البوح بما حُرِّم عليها أن تشعر به أو تعترف به.
وفي المقابل، تقدم سماح نموذج المرأة التي تبدو مكتملة من الخارج؛ حياة مرفهة، وأناقة لافتة، وثقة بالنفس تجعلها موضع حسد الآخرين. إلا أن هذا المظهر ليس سوى قناع هش يخفي خوفًا عميقًا من الفقد، وغيرة على زوجٍ لا يمنحها الأمان العاطفي. ومع تطور الأحداث، تتكشف قوتها بوصفها آلية دفاع نفسية أكثر منها حقيقة، إذ تعجز عن مواجهة هشاشتها الداخلية بقدر ما تجيد إخفاءها.
أما ختام، الأصغر بين الأخوات، فتمثل الوجه الأكثر صراحة للتمرد على الأعراف والتقاليد؛ امرأة اختارت أن تعيش وفق قناعاتها، غير عابئة بأحكام المجتمع. لكن الفيلم لا يختزلها في صورة المتمردة، بل يكشف أن وراء هذا العصيان رغبة دفينة إلى القبول، إلى رضا أبيها واستعادة اعترافه بها، وكأن حريتها تظل منقوصة ما لم تتحرر أيضًا من حاجتها إلى هذا الاعتراف.
وبذلك لا يكتفي بنات عبد الرحمن بتقديم أربع شخصيات نسائية مختلفة، بل يجعل من كل واحدة منهن وجهًا مختلفًا للمرأة العربية في صراعها مع السلطة المجتمعية والثقافية. فالخضوع، والتدين، والرفاهية، والتمرد، ليست هويات ثابتة، بل أقنعة تخفي تحتها احتياجات إنسانية واحدة: الحاجة إلى الحب، والقبول، والحرية، والاعتراف بالذات.
وقد تم عرض الفيلم الأردني بنات عبد الرحمن عام 2021، من تأليف وإخراج زيد أبو حمدان وبطولة فرح بسيسو، صبا مبارك، حنان الحلو، مريم باشا، خالد الطريفي.
د.رانيا عبدالرؤوف



