ندى العبدالله: الصوت روح الممثل وطاقته على الخشبة
الصوت لا يمكن أن يكون حرًا ونظيفًا إذا كان الجسد متشنجًا.. والفصحى تحتاج إلى أن يعيشها الممثل لا أن يترجمها

تمارس الدكتورة ندى العبد الله مهنتها أستاذة لمادة الصوت والإلقاء المسرحي في المعهد العالي للفنون المسرحية منذ سنوات، نسألها بداية عن أهمية تلك المادة على الممثل ومتى بدأ الاهتمام بها.
تقول “تعتبر مادة الصوت والإلقاء المسرحي أساسية في إعداد الممثل، تساهم في تطوير مهاراته الصوتية، وهي مادة تُدّرس منذ تأسيس المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق، مثلها مثل مادة الليونة والحركة والقتال والمبارزة التي تعمل على جسد الممثل وتطوير مهاراته الحركية والجسدية، وهذا المنهاج تم وضعه وتحديد مقرراته اعتمادا على المدارس الروسية التي تُعتبر من أهم مدارس تأسيس الفن المسرحي، والتي كان الأستاذ فواز الساجر، مؤسس المعهد العالي للفنون المسرحية، قد تعلم فيها المسرح وحصل على شهادة الدكتوراه”.
وتتابع العبدالله “هو منهاج دراسي يشبه بطبيعة الحال مناهج المعاهد المسرحية العالمية المعتمدة على المنهج الروسي في إعداد الممثل، وبالنسبة إلى معهدنا في دمشق فإن مادة الصوت والإلقاء المسرحي بداية لم يكن لها اختصاصي يُدّرسها، بل فقط خبير روسي يعطي الشق التقني منها (تقنيات الصوت) وهو شق يهتم بالتنفس ورنين وإصدار الصوت، أما الشق الثاني من المادة (الإلقاء) الذي يعتمد على اللغة والنص، وبما أنه خبير روسي لا يتقن اللغة العربية كان من الطبيعي أن يدرّسها أستاذ آخر، وكان الأستاذ فرحان بلبل في مرحلة ما أحد الأساتذة الذين درّسوا المادة، وهو أستاذ متعمق بالإلقاء المسرحي ولديه كتاب حوله”.
وتلفت إلى أنّ الإشكالية الأساسية بقيت في مادة “الصوت والإلقاء المسرحي” تدور حول عدم وجود أكاديمي مختص يُدّرس المادة ككتلة واحدة غير منفصلة، وحين حصلت بدورها على شهادة الدكتوراه برسالة بحث متعلقة بمنهاج الإلقاء المسرحي لدى الممثلين السوريين عادت لتدريسها في المعهد، وهي تطبق حاليا منهجا تعتمد فيه أساسا على المدرسة الروسية في الإلقاء المسرحي والذي يطلق عليه “فن الكلام” أو “فن الإلقاء المسرحي”، وتحاول تكييفه ليتناسب ولغتنا العربية.
الصوت والإلقاء المسرحي
وعن اختيارها لـ”الإلقاء المسرحي لدى الممثلين السوريين” كرسالة بحثية، فتجيبنا “كانت رسالة بحثي في الدكتوراه بعنوان ‘خصوصية الازدواجية اللغوية وانعكاسها على الإلقاء المسرحي بالمسرح العربي، تحديدا السوري‘، وعمليا في الرسالة أرصد هذه الإشكالية اللغوية ما بين الفصحى والعامية، وأقدم تكييفا للمنهج الروسي بما يتناسب مع اللغة العربية العامية والفصحى، والمعروف أن كتّابا مسرحيين عدة انقسموا ما بين الكتابة بالفصحى والكتابة بالعامية، بعضهم أصر على أن لغة المسرح يجب أن تكون فصحى، وبعضهم الآخر أصر على أن تكون لغة المسرح العامية.”
وتؤكد أنه كان هناك إشكالية في كتابة المسرحية كأدب وليس فقط كعرض مسرحي، وبالتالي حصل جدل كبير ما بين الكّتاب والنقاد المسرحيين لعقود من الزمن وهو مستمر إلى غاية اليوم، ولأن المعهد في دمشق كان يفتقد لوجود مختصين بالإلقاء المسرحي ويفتقد لوجود متخصصين بالليونة، كان الاعتماد كليا على الخبراء الروس، لذلك كانت البعثات الدراسية تأتي باختصاصات منها الإلقاء المسرحي.
تتابع العبدالله “الحقيقة عندما سافرت كنت مؤمنة بحاجتنا لهذا الاختصاص، ولم أندم يوما على اختياره لأنني عندما تعمقت فيه ضمن دراستي في أكاديمية جيتيس (Gitis) وجدت أن قسم الإلقاء المسرحي ليس حكرا على هذه الأكاديمية، وإنما في روسيا عموما هو قسم عريق جدا وكبير إلى جانب الإخراج المسرحي والاستعراضي والتمثيل والسينوغرافيا وغيره من الأقسام، ويجمع قسم الإلقاء المسرحي بين تلك الكليات المختلفة وبالتالي أساتذته يدّرسون الإخراج والتمثيل والمسرح الغنائي الأوبرالي”.
وتواصل “كنت على سبيل المثال أحضر مع مشرفتي محاضرات في كلية الإخراج لطلاب التمثيل، ومحاضرات بكلية المسرح الاستعراضي، وأيضا بكلية المسرح الغنائي مع مُغني الأوبرا الذي يأخذون دروسا في الإلقاء المسرحي ويتعلمون كيف يكون الحكي المختلف بطبيعة الحال عن الغناء نفسه، وبذلك شعرت أن فن الإلقاء بحر واختصاص له تقاليده، وهذا القسم سواء في Gitis أو أي جامعة أخرى في روسيا لديه مناهج ومؤتمرات علمية لتطويره من خلال التمارين الجديدة، لذلك اعتبرت دراستي لهذا الفن فتحا جديدا، تعلمت منه الكثير وأعطاني خبرة على عدة مستويات، سواء على مستوى التدريس أو على مستوى العمل على صوت الممثل والقراءة وطريقة الكلام وحتى على مستوى فهم الشكل الفني لعمل الممثل بطريقة تختلف عن فكرتنا حول الجدار الرابع.”
أما عن تجربتها الشخصية في تدريس المادة ضمن المعهد، تبيّن الأكاديمية السورية أنها تعمل على مجموعة من القضايا المتعلقة بالمهارات الصوتية والكلامية عند الممثل، وتقوم بتدريب طلاب السنة الأولى تحديدا، بشكل مكثف،على تكنيك الصوت الذي يتضمن التنفس، ومخارج الحروف، رنين الصوت، والسلاسل الصوتية، كل ذلك من خلال نصوص بسيطة.
وتقرّ بأنّ الامتحان الفصلي ليس عرضا تقليديا وإنما نتائج تلك التدريبات التي يقومون بها خلال الفصل الدراسي، وفي كل فصل دراسي هناك مهام مختلفة على عاتق الطلبة تعلمها وكلها تصب في تطوير مهاراتهم الصوتية والكلامية.
تضيف “باختصار في السنة الأولى امتحانات الطلبة تكون ذات طابع تقني أكثر، بمعنى مجرد مادة تمرينية دون وجود نص، أحيانا مجرد نص بسيط أو سلاسل صوتية، أما في السنة الثانية فيبدأ العمل على الطبقات الصوتية للطالب ونستعين حينها بنصوص شعرية، بالإضافة لتركيزنا على موضوع اللهجات السورية على اعتبارها تشكل تحديا على الممثل أن يشتغل عليه لاحقا، لأن الممثل يحتاج لتكسير لهجته المحلية والحكي باللهجة البيضاء، ونخصص فصلا كاملا لذلك قبل أن ننتقل للعمل بشكل أكبر على اللغة العربية الفصحى مع طلاب السنة الثالثة، ودائما ما نختار مواد أدبية مثل قصة قصيرة أو رواية أو شعر”.
وترى العبدالله أن التركيز على الفصحى أمر هام، خصوصا مع وجود إشكالية بين الطالب واللغة الفصحى، مؤكدة “نحن عادة لا نفكر أو حتى نتواصل من خلالها مع بعضنا البعض، ونحتاج إلى آليات لكسر الحاجز معها، ومحاولة تقريبها من أحساس الممثل، حتى لا يبدو وكأنه يترجم أو يقع في لغة خطابية سبق وحفظها كما في نشرات الأخبار الإذاعية أو بعض المواقع، فالممثل عادة ما يفقد إحساسه الحقيقي والطازج والعفوي حين يستخدم اللغة الفصحى، وفي استخدامنا للغة العربية يمكننا أن نربط بين الفعل النفسي والفعل الكلامي، وأنا حين أركز على اللغة العربية الفصحى أستعين بشكل أساسي بمنهج ستانسلافسكي الذي يعتمد على الفِعل النفسي.”
الصوت فكرة وطاقة
على ضوء تجربتها عن التحديات التي تواجه الطلبة في أدائهم باللغة العربية الفصحى، فتجيبنا “الحقيقة لدينا إشكالية وأزمة كبيرة اليوم مع هذا الجيل من الطلبة، الذي لا تربطه علاقة جيدة مع اللغة العربية الفصحى، بسبب سوء الأوضاع السابقة في سوريا والأزمات والحرب وسوء التعليم، بالإضافة لسنوات الكورونا، فالطلبة غالبا لديهم شبه أميّة باللغة العربية الفصحى التي لا يتعاملون معها، لدرجة يتخرج الطالبة من المدرسة وهو لا يعرف أبسط قواعد اللغة العربية من صرف ونحو، فهو لا يفرق على سبيل المثال بين الفاعل والمفعول ولا يعرف إعراب الجار والمجرور، كل ما سبق شكل أزمة حقيقية نواجها بشكل مستمر.”
تعقيبا على كلامها حول قدرة الممثل على رواية نصه، أردنا أن نعرف أكثر حول علاقة الصوت بالحركة أو الجسد، إذ ترى العبدالله أن علاقة الصوت بالحركة والجسد هي علاقة جدلية ديكالتيكية، ومدارس الصوت الحديثة المتبعة اليوم في روسيا أخذت الكثير من المدرسة الإنجليزية وهناك تواصل مستمر، فالأساتذة الروس كانوا يذهبون لإجراء ورشات عمل في إنجلترا لدى مختصة اسمها Kristin Linklater وهي أستاذة إسكوتلندية مختصة في الإلقاء والصوت معروفة في كل العالم، كانت تعمل لدى المسرح الملكي في بريطانيا، وبعد تجربة طويلة أصبح لديها مختبر للورش يُدرب المدربين من كل أنحاء العالم حول تحرير الصوت والعمل على النص الشكسبيري، وكانت قد أقامت ورشات في موسكو رفقة تلامذتها ومساعديها.
وتقرّ أن الأساتذة الروس قد تعرفوا عليها من خلال تلك الورشات، وباتوا يحرصون وخاصة صغار السن منهم لحضورها في انجلترا بما فيهم أستاذتها هي، مضيفة “ولو كانت ظروفي حينها تسمح بالحصول على تأشيرة للسفر إلى إنجلترا لسافرت وشاركت في تلك الورشات، كانوا حريصين على معرفة كل ما هو جديد، لذلك بدأوا كغيرهم من مدارس الصوت في العالم يهتمون بالصوت كفكرة وكطاقة، وبالمدارس المسرحية المختلفة وأيضا باليوغا ومفاهيمها، مثل غروتوفسكيGrotowski وستانسلافسكي نفسه، وهذا التأثير نلاحظه بقوة في مناهج الإلقاء المسرحي في المدرسة المسرحية الروسية، ونحن اليوم بالمعهد على سبيل المثال لا نقوم بتمارين الصوت وقوفا، أي أننا لا نكتفي بما تقوم به الحنجرة فقط، وإنما هناك تمارين جسدية نقوم من خلالها بتحرير الصوت، ونعمل كثيرا على فكرة استرخاء الجسد لكي نحرر الصوت”.
وتشد على أن علاقة الصوت بالجسد علاقة جدا وطيدة، ولا يمكن للصوت أن يكون حرا ونظيفا ورنانا في حال كان الجسد متوترا ومتشنجا، لذلك تركز على استرخاء الرقبة والأكتاف، بينما تحرص على أن تكون المشاريع التي تشرف عليها مشاريع تتضمن الحركة وليس فقط الصوت، وتستشهد هنا بعرضهم الأخير، حيث كان الممثل يتحرك وهذا أمر مقصود ومطلوب منهجيا، بمعنى الطالب طول الوقت لديه حركة وفعل حركي، وهذا الفعل الحركي المفروض أن يساعده على تحرير جسده وصوته وبالتالي صوته سيكون مسموعا أكثر، وبنفس الوقت هذه الحركة الجسدية تعمل لتكون عائقا تعقد وتصعب المهمة ليظهر الصوت ضمن الحركة بشكل صحيح، وهي إحدى المهام المناطة بالطلاب.
وتشير إلى أن هذا التحدي يظهر التفاوت فيما بين الطلاب في تنفيذ هذه المهمة بهذه الطريقة، فبعضهم ينجح وبعضهم تظهر لديه إشكالية، لان فكرة التناسق الحركي العصبي هي واحدة من التمارين التي تكون بمستويات مختلفة لدى الطلاب، فرنين الصوت لا يظهر فقط من الفم والرأس وإنما أيضا من الصدر والظهر والورك وبناء عليه نعمل مع الطلاب على هذا الأساس.
لمى طيارة – صحيفة العرب



