أخبار مسرحية

سهى نعيمه تعيد اكتشاف الأرقش: مسرحية شعرية بين الماضي والحاضر

في عالم الأدب، حيث تتقاطع الطرق بين الزمن والحكاية، وتتشابك خيوط الذاكرة مع نبض الحياة، تبرز مسرحية سهى نعيمه بعنوان “روح الأرقش” (The Pitted Face, Memoirs of a Vagrant Soul)  كإعادة اكتشاف لموروث جدّها الكبير ميخائيل نعيمه، وجسر يربط بين روح الماضي وإحساس الحاضر. هذا العمل ليس مجرد إعادة سرد لرواية مذكّرات الأرقش، بل هو تحويل شعري ومسرحي يعيد صياغة النص النثري القديم بلغة جديدة، تحمل عبق التراث مع أنسنة المعاصرة.

صدرت المسرحية عن دار نلسن في بيروت، وتم توقيعها في جامعة هايغازيان في 23 كانون الثاني 2025، في احتفال أدبي حضره محبّو الأدب وعشّاق الشعر والمسرح. وتعكس المسرحية في شكلها الجديد رحلة فكرية وروحية في عمق الإنسان، حيث تصبح شخصية الأرقش مرآةً للصراع الداخلي، ونافذةً لفهم التجربة الإنسانية في أبعادها الوجودية والرمزية.

تستند المسرحية إلى رواية مذكّرات الأرقش، التي كتبها ميخائيل نعيمه عام 1949، والتي تُعدّ من أبرز أعماله الأدبية، إذ تحكي قصة رجل غريب الأطوار يعمل صامتًا في مقهى عربي في نيويورك، ليكون صوته وحده لغةً للوجود، ووسيلةً لفهم معنى الحياة. هنا، قامت سهى نعيمه بتحويل النص إلى شعر مقفّى، فتحوّلت الأحداث الروائية إلى إيقاعات موسيقية، وصار النص لوحةً شعريةً تتنفس حضور الشخصيات ومعانيها الروحية والفلسفية.

اللغة في المسرحية تتدفق كسيلٍ رقراق، تحمل عبق الماضي وأمل المستقبل، وتمتزج الرمزية العميقة مع الإيقاع الشعري، فتجعل من الأرقش شخصيةً حيّةً، ليس بطلًا للحدث فحسب، بل مرآةً للإنسان الباحث عن ذاته. الصمت هنا ليس غيابًا، بل حضورٌ مفعم بالمعاني، يدعونا إلى التأمل في الحياة والموت، الحب والكراهية، والوجود والعدم. إنه صمتٌ حقيقي يتيح للروح أن تتحدث بلغتها الخاصة، ويقود القارئ إلى فهمٍ أعمق للوجود.

من خلال هذه المسرحية، تبرز سهى نعيمه قدراتها على مزج الإرث الأدبي بالحداثة، لتجعل من النص نافذةً على التجربة الإنسانية في عمقها الوجودي. فـ”روح الأرقش” ليست مجرد مسرحية شعرية، بل هي رحلة في الذات والكون معًا، إذ تتكشف أمام القارئ (المشاهد) طبقاتُ الشخصيات وتتصاعد معانيها لتغوص في صميم الوجود. فالأرقش، بصفته رمزًا للبحث عن المعنى، يعكس رغبة الإنسان في الانعتاق من قيود العالم الخارجي والانغماس في عالم داخلي غني بالمعاني.

وبعيدًا عن النص نفسه، فإن هذه المسرحية تُعدّ إضافة حيوية للمشهد الثقافي العربي، إذ تبرز قدرة الكاتبة على التفاعل مع تراث جدها الأدبي، مع الحفاظ على خصوصية أسلوبها الشخصي. فهي تنقل الروح الأدبية لميخائيل نعيمه إلى القرن الحادي والعشرين، مع معالجة موضوعات إنسانية صالحة لكل زمان ومكان، مثل البحث عن المعنى، الصمت والتأمل، والقيمة الحقيقية للوجود.

في النهاية، تتيح مسرحية سهى نعيمه للقارئ فرصة استكشاف الأرقش من زاوية جديدة، بلغة شعرية تأخذنا بعيدًا في رحلة ممتدة بين الماضي والحاضر، بين صمت الأرقش وصرخة الروح. إنها دعوة للتأمل في الذات، والبحث عن الحقيقة الإنسانية في عالمٍ مليء بالضوضاء والانشغالات اليومية، لتظل تجربة القراءة رحلة متجددة، تثير في القلوب والوجدان ما هو خالد ومؤثر.

 

 

 

 

 

فاروق غانم خداج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!