مختبر النجوم

لعل أبرز التجليات في مسيرة الحراك المسرحي الإماراتي تكمن في الاهتمام المتنامي بإعداد صناع المستقبل من الكوادر الشابة، والسعي لمد جسور وثيقة مع «أبو الفنون»، لا سيما في عصر يهرع فيه الناشئة نحو العوالم الافتراضية ومنصات التواصل الاجتماعي.
ولا ريب في أن جذب هذه الأجيال الواعدة لأروقة المسرح، وتشييد قاعدة جماهيرية راسخة للمستقبل، لن يكتب له النجاح إلا بتحويل هذه التجربة إلى حالة جاذبة تتقاطع بذكاء مع شـــغف الجيل الجديد بالصورة البصرية والتقنيات الحديثة.
والواقع أن هذه الطموحات تتجسد جلياً وبكفاءة عالية في «مهرجان كلباء للمسرحيات القصيرة»؛ هذه المنصة الملهمة التي انبثقت من رؤية عميقة تلخص علاقة الإنسان بالمسرح والفنون عموماً، رؤية تحولت إلى واقع ملموس عبر هذا المختبر الإبداعي الذي يرفد الساحة بتباشير النجوم في شتى التخصصات سنوياً؛ إذ يمثل هذا الحدث النوعي شرياناً متجدداً يضخ دماءً شابة في جسد الدراما والمسرح بالإمارات والوطن العربي، مدفوعاً بالمشاركات الثرية للمقيمين في هذا المحفل الاستثنائي شكلاً ومضموناً.
دأبت هذه المنصة، منذ فجر تأسيسها، على صقل مواهب المسرحيين بأساليب متطورة، مستندة إلى خبرات قامات مسرحية محلية وعربية، في بيئة تفاعلية تتيح تبادل المعارف ومراكمة الخبرات؛ لينصهر التكوين المعرفي الأكاديمي مع الممارسة التطبيقية في فضاء مفعم بالمتعة والتجريب.
وما يمنح هذه المنصة ريادتها وتفردها هو أن مرحلة العروض تسبقها ورش تدريبية مكثفة تمتد لقرابة ثلاثة أشهر؛ الأمر الذي يرسخ البعد التعليمي الأكاديمي، ويعمق هوية المهرجان بوصفه مختبراً حقيقياً لصناعة المبدعين في شتى عناصر العرض المسرحي كالإخراج، والتمثيل، والكتابة، والسينوغرافيا، وسائر الفنون البصرية؛ ولذا نادراً ما نجد في الساحة العربية حاضنة مماثلة تقدم هذه الحزمة المتكاملة من المعارف.
وتتجلى القيمة المضافة لهذا المهرجان المتميز في إسهامه المحوري في الارتقاء بالوعي الفني والذائقة الجمالية لدى مجتمع مدينة كلباء والمنطقة الشرقية قاطبة؛ إذ بات من المألوف أن يشد عشاق الفن الرحال من مختلف إمارات الدولة لمواكبة عروض مسرحية تتبنى رؤى طليعية وأفكاراً مغايرة، تمتزج فيها التكنولوجيا بالسينوغرافيا ببراعة، ومن ثمَّ لم يكن غريباً أن يغدو هذا المحفل رصيداً ثرياً للمسرح العربي المعاصر.
واليوم، نرقب هؤلاء الشباب والشابات من خريجي الحاضنة المتألقة نجوماً تتلألأ في سماء الفن الإماراتي؛ حيث يسجلون حضوراً لافتاً في أكبر المهرجانات كمخرجين، وممثلين، وفنيين، وكتاب، سواء في «أيام الشارقة المسرحية»، أو «مهرجان الشارقة للمسرح الصحراوي». ولم يقف طموحهم عند هذا الحد، بل غدوا علامات فارقة في المحافل الخارجية الكبرى، وفي مقدمتها «مهرجان المسرح العربي»، ومختلف التظاهرات الفنية الإقليمية والدولية.
علاء الدين محمود – الخليج



