الملك لير يتحدى الزمن

على الرغم من مرور أكثر من 400 عام على وفاة الكاتب البريطانى الأشهر ويليام شكسبير، فإن أعماله لاتزال مشوقة مثيرة للدهشة والتأمل نابضة بالحكمة والحياة.
وعلى المسرح القومى العريق يستمر عرض الملك لير، بعد أن تخطى الأرقام القياسية فى عدد أيام العرض وتحقيق الإيرادات والنجاح الهائل الذى لم يأت من فراغ.
فالدكتور يحيى الفخرانى قدم الملك لير من قبل مرتين، الأولى على المسرح القومى، من إخراج المبدع الراحل د. أحمد عبد الحليم ثم عاد إلى تقديمها للقطاع الخاص مع المخرج الشاب تامر كرم.
ثم تشكك الكثيرون فى نجاح التجربة عند إعادتها بالنجم نفسه للمرة الثالثة، ولكنه يقدم فى هذه النسخة من إخراج المبدع شادى سرور تألقا ونضجا فنيا يفوق كل التوقعات. والحقيقة أن سن الدكتور يحيى الحالى هو الأقرب لسن الملك لير الذى أراد التفرغ من أعباء الملك وتقسيم ثروته بين بناته من أجل الهدوء والتمتع بالحياة، ولكنه ينخدع بالتملق والنفاق فيظلم ابنته الصغرى كورديليا الصادقة الوحيدة لحساب أختيها جونريل وريجان، ثم يندم على فعلته بعد أن عانى الجحود والعقوق.
ويمر بأحداث عجيبة تتعدد فيها المؤامرات والأطماع، فيصبح حكيما مخرفا وتظهر له حقيقة الأشياء بعد فوات الأوان.
وساعد نجاح الفخرانى فى تقديم أداء مبهر ورائع وجود مجموعة ممثلين كبار حتى فى الأدوار الأقل حجما، يعملون جميعا بروح الفريق تحت قيادة شادى سرور، الذى أجاد فى الحفاظ على الإيقاع اللاهث للمشاهد القصيرة المتعددة مع استغلال شاشات العرض، الى جانب ديكور حمدى عطية للإيحاء بمختلف الأجواء من قصور وساحات حروب وعواصف رعدية فى غابات مهجورة، كما استفاد من موسيقى أحمد الناصر المعبرة واستعراضات ضياء شفيق المبهرة واضاءة محمود الحسينى التى جسدت حالات نفسية للملك لير وعالمه المليء بالأبطال، إلى جانب مكياج إسلام عباس الذى عبر بدقة عن مشاهد مؤثرة، خاصة مشهد تعذيب جلوستر وإفقاده البصر.
لعب الفنان القدير طارق الدسوقى دور جولستر بمهارة فائقة وصدق شديد، وكان الوجه الآخر لعقوق الأبناء والندم على التصرفات المتعجلة، بينما تألق باقى فريق العمل: الفنانة الموهوبة أمل عبدالله فى شخصية الابنة الكبرى جونريل القاسية فى تصرفاتها والخائنة لزوجها دوق ألبانيا الشهم الذى لعب دوره بنفس البراعة والتمكن طارق شرف، بينما لعبت ريهام طارق دور الابنة الوسطى ريجان المتوحشة فى قسوتها وانتقامها رغم ملامحها البريئة، وجسدت بسمة دويدار شخصية الابنة المخلصة لأبيها والتى ترفض النفاق والتملق وتبقى فى النهاية داعمة له فى أزمته مع أختيها.
قدم أحمد عثمان دور إدموند الخبيث الذى يجسد مختلف ألوان الشرور والأطماع بذكاء وحضور مسرحى كبير، وعلى الجانب الآخر لعب تامر الكاشف دور «إدجار» الابن المخلص الوفى الذى يدفعه ظلم أبيه جلوستر للهروب من الحياة والتنكر فى هيئة شحاذ مختل عقليا.
ولعب المبدع الكبير حسن يوسف دور «كِنت» الصديق الوفى للملك لير، بينما أجاد عادل خلف كعادته فى شخصية مهرج الملك الذى يصدقه الحديث ويسخر من تصرفاته على طريقة المهرجين فى البلاط الملكى.
والحقيقة أن استمرار الملك لير بهذا الألق يؤكد أن شكسبير والفخرانى كلاهما يتحدى الزمن وينتصر عليه.
محمد بهجت – الأهرام



