بنات الشمس.. البصيرة نور لا يغيب

بدعوة كريمة من مها هيكل رئيسة مجلس إدارة جمعية النور والأمل لرعاية الكفيفات، وبحضور سلوى السيوفى رئيسة مجلس إدارة الجمعية الحالية، شاهدت على خشبة مسرح مكتبة مصر الجديدة، العرض المسرحى «بنات الشمس» تأليف وإخراج جورج أنور وبطولة الفتيات والسيدات من ذوات الإعاقة البصرية..
العرض مستوحى من التاريخ والتراث المصرى القديم، ويتناول الصراع بين الخير والشر ومحاولات السيطرة على المملكة، حتى تنتصر الملكة بفضل العمل الجاد ومواجهة المكائد لاستعادة الاستقرار، والحقيقة أن فرحتنا بهذا العرض لا تضاهيها فرحة، فهؤلاء الفتيات والسيدات المقاتلات وقفن على المسرح بكل شجاعة وحضور ليعبرن عن قدراتهن الإبداعية وليؤكدن أن ممارسة الفن متاحة للجميع وتحت أى ظروف، فها هن يحفظن أدوارهن الموزعة بين البلاط الملكى والحاشية فى البلاط الملكى وعامة الشعب، ويشعرن بكل كلمة فى الحوار المسرحى المكتوب ليؤكدن قيمة التعلق بالوطن وأهمية استقراره ونبذ كل خائن، والأصعب أنهن نجحن فى تنفيذ ما رسمه المخرج من حركة مسرحية تتناسب مع طبيعة الدراما ومع دوافع الشخصيات، بل استطعن أن ينلن احترام الجمهور ويفجرن الضحكات بخفة ظلهن وإلقاء الإفيهات المضحكة من صلب الدراما ودون أى ابتذال، وهى ممارسة تعزز مهارات التركيز والحفظ والاستماع والتفاعل، واكتساب القدرة على العمل الجماعى وتحمل المسئولية، وفى كل مشهد، ومع كل جملة حوارية، وفى كل حركة محسوبة، تتجلى ثمار جهد طويل وإرادة صادقة وإيمان بقدرة الإنسان على تجاوز ما قد يفرضه الواقع من تحديات.
ولعل أكثر ما يستحق التأمل فى تجربة «بنات الشمس» أنها لا تمنح المشاركات سعادة الوقوف تحت الأضواء فقط، بل تترك أثرها فى تفاصيل حياتهن، بما يعززه من استقلالية وثقة بالنفس، وشعور بالانتماء والقدرة على الإنجاز، كما يمنحهن مساحة آمنة للتعبير عن مشاعرهن، واكتشاف إمكانات جديدة فى شخصياتهن، ويؤكد أن الإبداع حق إنسانى أصيل، متى توافرت له الرعاية والتدريب والإيمان الحقيقى بالقدرات.
وتبقى جمعية النور والأمل لرعاية الكفيفات نموذجا يستحق التقدير فى إتاحة هذه الفرصة لبناتها، وفتح أبواب الفن أمامهن، بما يجعل الرعاية أبعد من مفهومها التقليدى، لتصبح تمكينا حقيقيا يتيح للموهبة أن تنمو، وللشخصية أن تتشكل، وللإنسان أن يشارك فى الحياة الثقافية والمجتمعية مشاركة فاعلة.
تحية لكل فتاة وشاب وقفوا على خشبة المسرح فى «بنات الشمس»، ولكل من آمن بموهبتهم، ولكل يد امتدت لتمنحهم فرصة الحلم والعمل والإنجاز، لقد أثبتوا أن الشمس حقيقة تتجلى فى إرادتهم، وفى قدرتهم على إضاءة الخشبة بموهبتهم، وإضاءة قلوبنا جميعا برسالة أعمق؛ أن الإعاقة ينبغى ألا تكون حاجزا أمام الإبداع، وأن المسرح حين يفتح أبوابه للجميع، يصبح أكثر إنسانية، وصدقا، وقدرة على تغيير الحياة.
باسم صادق – الأهرام



