دراما وفنون

سوريا تعيد رسم مستقبل الدراما بين الفن والاستثمار

الدراما السورية تراهن على استعادة بريقها عبر إحياء الحكايات الأسرية وتوسيع الاستثمارات، في محاولة لإعادة تنشيط الإنتاج المحلي

تسعى صناعة الدراما السورية إلى استعادة حضورها في المشهد الفني العربي، مستندة إلى إرث طويل من الأعمال الاجتماعية والكوميدية التي رسخت مكانتها لدى الجمهور، بالتوازي مع تحركات لزيادة الاستثمارات وتوسيع قاعدة الإنتاج المحلي.

وبين الرهان على استعادة الدراما الأسرية وجذب رؤوس الأموال، تتطلع الصناعة إلى مرحلة جديدة تعيد تنشيط مواقع التصوير وتفتح فرصاً أوسع أمام الفنانين والفنيين وشركات الإنتاج.

ويبرز إحياء الدراما الأسرية ضمن التوجهات المطروحة لتطوير المحتوى السوري، بعدما شكلت الأعمال التي تتناول العلاقات العائلية وتفاصيل الحياة اليومية إحدى أبرز نقاط قوة الإنتاج السوري. وتستحضر هذه الرؤية تجارب تلفزيونية تركت أثراً لدى المشاهدين، من بينها مسلسلا “الفصول الأربعة”و”أحلام كبيرة”، اللذان قدما حكايات قريبة من المجتمع، واعتمدا على بناء الشخصيات والتفاصيل الإنسانية بدلاً من الاكتفاء بالأحداث المتسارعة.

ويعكس هذا التوجه رغبة في تقديم أعمال تتفاعل مع التحولات التي شهدها المجتمع السوري، وتقترب من اهتمامات الأجيال الجديدة من دون التخلي عن الخصوصية المحلية. فالدراما الأسرية لا تقتصر على العلاقات بين الآباء والأبناء أو الخلافات الزوجية، بل تمتد إلى قضايا العمل والتعليم والهجرة والتغيرات الاقتصادية والاجتماعية، وهي موضوعات تمنح الكتاب مساحة لتقديم قصص ترتبط بالحياة اليومية للجمهور العربي.

ولا ينفصل هذا المسار عن النقاش الدائر حول جودة النصوص وآليات تقييم الأعمال قبل وصولها إلى الشاشة. فاستعادة ثقة الجمهور تتطلب، إلى جانب زيادة عدد المسلسلات، تطوير الكتابة والإخراج والأداء التمثيلي، وتحقيق توازن بين متطلبات السوق التجارية والقدرة على تقديم مضمون فني متماسك. كما أن الاهتمام بالمحتوى الأسري يطرح تحدياً يتمثل في الابتعاد عن المعالجة الوعظية المباشرة، وتقديم شخصيات واقعية تعكس تنوع المجتمع وتعقيداته.


◄ “الفصول الأربعة”و”أحلام كبيرة” قدما حكايات قريبة من المجتمع، واعتمدا على بناء الشخصيات والتفاصيل الإنسانية بدلاً من الاكتفاء بالأحداث المتسارعة

وعلى الصعيد الاقتصادي، تتجه الطموحات إلى رفع الاستثمارات في قطاع الدراما والسينما إلى ما يتراوح بين 100 و200 مليون دولار، مقارنة بنحو 25 إلى 30 مليون دولار خلال العام الماضي، وفق تقديرات أعلنتها الجهات المعنية بالصناعة. ويمثل هذا الرقم هدفاً استثمارياً تسعى الصناعة إلى بلوغه، وليس حجم استثمارات متحققاً بالفعل، ما يجعل الوصول إليه مرتبطاً بقدرة القطاع على توفير بيئة إنتاج أكثر استقراراً وجذب شركاء جدد.

وتكشف هذه الطموحات عن تحول في النظر إلى الدراما، من نشاط فني يرتبط بمواسم العرض إلى صناعة يمكن أن تساهم في تحريك قطاعات اقتصادية متعددة. فإنتاج المسلسل يحتاج إلى ممثلين وكتاب ومخرجين ومصورين وفنيين، فضلاً عن خدمات النقل والإقامة والإطعام وتصميم الأزياء والديكور واستئجار المعدات. وكلما اتسعت قاعدة الإنتاج، زادت فرص العمل أمام المهن المرتبطة بالتصوير وما بعد الإنتاج والتوزيع والتسويق.

وتشير تقديرات القطاع إلى أن الإنتاج الفني يوفر سبل العيش لنحو 40 ألف أسرة سورية، ما يسلط الضوء على امتداد أثره الاجتماعي والاقتصادي خارج حدود الاستديوهات. وتزداد أهمية هذا الدور في ظل الحاجة إلى تنشيط سوق العمل والاستفادة من الكفاءات المحلية، خصوصاً أن صناعة الدراما تعتمد على الخبرات المتراكمة والعلاقات المهنية التي يصعب تعويضها بسرعة بعد فترات التراجع.

وتحاول الجهات المعنية تعزيز جاذبية الاستثمار من خلال معالجة العقبات التشغيلية وتوضيح الصلاحيات التنظيمية وتقديم تسهيلات للمنتجين. كما تبرز أهمية الحوافز المالية والضريبية في تشجيع الشركات على تنفيذ مشاريعها داخل سوريا بدلاً من نقل عمليات التصوير إلى دول أخرى، إلى جانب ضرورة توفير آليات واضحة لحماية الاستثمارات وتسهيل الإجراءات المرتبطة بالإنتاج.

وتملك سوريا مقومات يمكن أن تدعم هذا المسار، بينها خبرات فنية متراكمة، ووجود كوادر في التمثيل والكتابة والإخراج والتقنيات، فضلاً عن تنوع المواقع التي يمكن توظيفها في الأعمال الاجتماعية والتاريخية والبيئية. كما أن البيوت الدمشقية القديمة والأحياء التقليدية والمدن والمناطق الطبيعية توفر خيارات تصوير متنوعة، يمكن أن تجعل البلاد وجهة للإنتاجات العربية المشتركة إذا توافرت التسهيلات اللازمة.

غير أن زيادة حجم التمويل لا تضمن وحدها استعادة المكانة السابقة للدراما السورية، إذ يحتاج القطاع إلى سوق قادرة على استيعاب الأعمال الجديدة، واتفاقات توزيع واضحة، وعوائد تسمح بتمويل مشاريع لاحقة. ومن هنا تبرز أهمية إيجاد منافذ عرض محلية مستقرة، بما فيها القنوات التلفزيونية والمنصات الرقمية، لتقليل الاعتماد على قرارات المحطات الخارجية وتغير سياساتها الإنتاجية.

كما يمثل الإنتاج المشترك مع شركات عربية فرصة لتوسيع نطاق التسويق والاستفادة من الخبرات والموارد المتاحة في الأسواق المختلفة. ويمكن لهذا التعاون أن يفتح المجال أمام مشاركة فنانين من جنسيات متعددة، ويوفر تمويلاً أكبر لبعض المشاريع، ويتيح للأعمال السورية الوصول إلى جمهور أوسع. لكن استدامة هذه الشراكات تتطلب الحفاظ على هوية العمل وتوزيع الأدوار والعوائد بطريقة واضحة بين الأطراف المشاركة.

وفي موازاة الاستثمار والإنتاج، يبرز ملف تأهيل المواهب الشابة بوصفه عنصراً أساسياً في بناء صناعة مستدامة. فالمعاهد الفنية والمؤسسات الأكاديمية تستطيع رفد السوق بكتّاب وممثلين وتقنيين جدد، لكن الاستفادة من هذه الكفاءات ترتبط بوجود فرص فعلية للتدريب والعمل والمشاركة في المشاريع الكبرى. كما أن توسيع النشاط الفني خارج دمشق يتيح إشراك مواهب من المحافظات المختلفة ويمنح الإنتاج السوري تنوعاً أكبر في الحكايات والبيئات.

وتتجاوز فرص الدراما السورية حدود الشاشة، إذ يمكن للأعمال التي تصور المدن والمواقع التاريخية والأنماط الاجتماعية أن تساهم في التعريف بالموروث الثقافي والسياحي للبلاد. كذلك يمكن للمهرجانات والفعاليات المسرحية والفنية أن تعيد تنشيط الحياة الثقافية وتوفر مساحات للتواصل بين الفنانين والجمهور، شريطة أن تكون جزءاً من خطة مستمرة لا تقتصر على مناسبات متفرقة.

وتتجه الرهانات المقبلة إلى تحويل مؤشرات عودة الإنتاج إلى نشاط منتظم، بحيث لا يبقى نمو عدد الشركات أو ارتفاع الموازنات أهدافاً منفصلة عن جودة الأعمال ونجاحها في الوصول إلى الجمهور. فاستعادة الثقة تحتاج إلى استمرارية في الإنتاج، وتنوع في الموضوعات، ووضوح في حقوق الملكية والتوزيع، وقدرة على المنافسة في سوق عربية تتسع فيها الخيارات وتتغير فيها أنماط المشاهدة بسرعة.

فالمطلوب ليس استعادة صورة الماضي فحسب، بل بناء نموذج إنتاج قادر على تمويل الحكايات الجديدة، وتشغيل الكفاءات المحلية، وجذب الشركات العربية، وتقديم أعمال تستجيب لتحولات المجتمع وتحتفظ في الوقت نفسه بالملامح التي منحت الدراما السورية مكانتها لدى المشاهدين.

 

 

صحيفة العرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!