دراما وفنون

منى زكي تعيد اكتشاف الدراما النفسية في ‘طالع نازل’

نجح مسلسل “طالع نازل” المعروض حاليا على منصة “شاهد” السعودية في جذب انتباه شريحة كبيرة من الجمهور المصري إليه. فقد تمكنت الفنانة منى زكي من إعادة اكتشاف الدراما النفسية في هذا العمل البديع، عندما جسدت دور “نورا” سيدة الأعمال، والزوجة المخدوعة باقتدار، وأخرجت جزءا مهما من طاقتها الفنية في عمل يلعب البعد النفسي فيه دور البطولة الرئيسية فيه، وبدت نموذجا لمتواليات: القوة والصلابة، والشر والضعف أحيانا.

يستحق مسلسل “طالع نازل” لقب العمل الأكثر تعقيدا والأشد غموضا وغوصا في النفس البشرية. وتستحق منى زكي لقب ملكة التحولات الدرامية. تجيد اتقانها من خلال أداء يوصف بـ”السهل الممتنع”، ظهر في أدوار فنية سابقة، في السينما والدراما، لكن يمكن القول إنها في هذا العمل قفزت خطوات للأمام وعززت موهبتها التي لا خلاف عنها، حيث تخلص في اختيار أدوارها وتقمص شخصياتها.

عادت منى زكي بقوة في هذا المسلسل، واستطاعت تجاوز الانتقادات الحادة التي تعرضت لها عقب عرض فيلم “أم كلثوم” منذ حوالي عام. بدت في “طالع نازل” كأنها ترد على من نالوا منها بعد هذا الفيلم الضخم إنتاجيا، وشككوا في موهبتها وعدم قدرتها على التنوع، لأن شخصية “نورا” المغرورة والشرسة والساعية للانتقام في المسلسل، تحوي بداخلها قدرا كبيرا من الانكسار والهروب والقلق الإنساني.

تدور قصة المسلسل حول “نورا” التي اكتشفت بعد عامين أن زوجها الملحن المشهور “علي داود” وقام بدوره محمد شاهين، تزوج عليها في السر وينتظر طفلا بينما حرمها هي من ذلك. تريد تكبيده خسائر مادية معنوية فادحة، حيث تعتقد أنه أصبح نجما بفضل دعمها، بالتالي عليها أن تعيده إلى سيرته الأولى. الفقيرة أو الرمادية فنيا، ودبرت له الكثير من المكائد لتؤكد أنها هي التي صنعته ولا شيء يستمر من دونها.

يعتمد العمل على التحولات الدرامية، والمعروف أن منى زكي لها باع طويل فيها، وعدد كبير من مسلسلاتها، وأبرزها “تحت الوصاية”، من إخراج هاني خليفة الذي أخرج “طالع نازل” أيضا، بدا فيها البعد النفسي جليا، والذي توظف فيه زكي قدراتها الفنية المتنوعة وبمجهود ذهني يقظ. يشعر الجمهور معها بالسلاسة وعدم الافتعال أو التشنج العاطفي، وهو ما ظهر بوضوح في شخصية “نورا” التي دبرت الحيل للانتقام من “علي” عقابا على زواجه من “مي وجسدتها الفنانة مريم الخشت.

يشعر كل من شاهد الحلقات الثمانية التي عرضت على منصة “شاهد” من المسلسل أنه حافل بالشخصيات المركبة، المليئة بالتعقيدات النفسية والاجتماعية. الزوجة الأولى “نورا” خدعت في زوجها “علي” وتعتقد أنه صنيعتها فنيا، لا تنكر أنها لا تزال تحبه. حاولت أن تسلك اتجاها في الزواج على عكس والدتها التي تسببت في كسر أبيها وحالت دون نجاحه، ثم تجد نفسها تكسر زوجها التي ساعدته على النجاح، بطريقة عكسية. “علي” الموسيقي الموهوب ومرهف الحس يتزوج مرة ثانية سرا، ويدمن المخدرات، وتنقلب حياته رأسا على عقب، عندما تتمكن “نورا” من هدم الصرح الفني الذي أقامه، ويجد نفسه متهما بسرقة لحن موسيقي عالمي دون أن يشعر.

 

 

هناك خيطان مهمان في مسلسل “طالع نازل” أثارا جدلا كبيرا في مصر، ولا يزال الموقف من تفسيرهما مبهما، جراء الخطورة الاجتماعية والنفسية الكامنة في كليهما، وأصبحت منى زكي متهمة بتحريض الزوجات على الأزواج. 

الأول: يتعلق ببرامج التجسس على الهواتف المحمولة. تمكنت “نورا” من مراقبة كل صغيرة وكبيرة يقوم بها “علي” عن طريق مراقبة هاتفه من خلال وضع برنامج يمكنها من متابعته بمشاهدته والاستماع لمكالماته ورؤية مخاطباته. تساءلت فئة من الجمهور عن إمكانية ذلك في الواقع، وتبين أنها عملية ممكنة عبر تقنيات معينة. وبدأ بعض الأزواج في مصر يتحسسون هواتفهم خوفا من فخاخ قد يتعرضون لها عن طريق تجسس زوجاتهن. فلدى كثير من الرجال عوالم خفية يخشون انكشافها.

الثاني: يتعلق بالعقل الباطن وما يحتفظ به من أفكار ومعلومات لا إرادية، وحتى الألحان الفنية. فقد عرفت “نورا” من طبيبتها النفسية أن الإنسان وهو نائم يشعر بما يدور حوله، يظل عقله يعمل نحو 20 في المئة خلال فترة النوم، بما يساعده على استيعاب جزء مما يجري حوله أثناء النوم. ما جعلها تلجأ إلى تشغيل لحن موسيقي معين لزوجها وهو نائم كي يختزله عقله الباطن، ثم يخرج في شكل عمل من ابداعه لاحقا. عندما يقدمه للجمهور على المسرح تبدأ موجة من الانتقادات تقف “نورا” وراء إنطلاقها وتحريكها بشكل غير مباشر ضده. ثم يصبح “علي” متهما بسرقة لحن موسيقي، وتتوالى الأزمات الفنية والنفسية والاجتماعية.

يصعب أن يتمكن أي فنان تقمص الشخصيات المركبة: نورا وعلي ومي. فكل منهم، نجح في أداء دوره بإمتياز. إذا كانت منى زكي أدت أدوارا شبيهة أو قريبة من شخصية “نورا” فإن محمد شاهين عزز اكتشافه في الأدوار الصعبة بعد أداء رائع في مسلسل “لام شمسية” وعرض دراما رمضان المنصرم. الموسيقي الكبير “علي داود” هو في الأصل شخص هش. سقط في بئر المخدرات، وإنهار عقب إنقلاب “نورا” عليه. كما أن مريم الخشت في دور “مي” قدمت أفضل أدوارها، وأجادت التحولات بين المطلقة ولديها طفلة من زوجها الأول، وبين زوجها الثاني الذي يواجه تحديات.

أظهر مشهد العشاء الذي أقامته “نورا” لكل من “علي” و”مي” في منزل الأولى براعتهم جميعا. المكونات النفسية في هذا المشهد عميقة، وحافلة بالتناقضات، التي حاول كل شخص تجاوزها دون أن يكشف عن توتره، الذي ينفجر عقب انتهاء العشاء عندما تجلس “نورا” مع نفسها، ويذهب “علي” و”مي” إلى منزلهما. يستحق هذا المشهد جائزة أوسكار لأحسن أداء. حيث نشبت مباراة سرا بين ثلاثتهم. ربحوا فيها جميعا. هذه من المرات النادرة التي يتبارى فيها ثلاثة لاعبين ولا يخرج أحد منهم خاسرا. 

ربما يعود السبب الرئيسي للمكسب إلى قدرة المؤلفتين سماء أحمد عبدالخالق وإنجي القاسم على انتقاء العبارات المناسبة في السيناريو والحوار، وترك مساحة للانفعالات الداخلية وفقا لمهارة كل ممثل/ ممثلة. ضاعفت الموسيقى التصويرية التي أعدها أمين بوحافة من الشعور بأن الموسيقى تلعب دورا في الدراما النفسية، لأن توظيفها كان موفقا في المشاهد التي يعكف “علي” لوضع لحن معين. 

على الرغم من شحنة الفانتازيا النفسية التي انتابت فئة من الجمهور خلال الثمانية حلقات التي أذيعت حتى مساء الجمعة 30 أكتوبر/تشرين الأول، إلا أن مسلسل “طالع نازل” من الأعمال المتكاملة فنيا، ولن تغير الحلقتان الأخيرتان يوم الجمعة المقبل كثيرا في الشحنة النفسية، لكن من المتوقع أن يعرف “علي” طبيعة المؤامرة التي حاكتها “نورا”.      

محمد أبو الفضل – MEO

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!