أخبار مسرحية

عبدالحق الزروالي يواجه تناقضات المجتمع المغربي بالسخرية السوداء

«شرمولة» تجربة فنية تراهن على السخرية والفكاهة والنقد الاجتماعي

تستقبل خشبة مسرح رياض السلطان بمدينة طنجة، مساء الجمعة 6 نوفمبر 2026، العرض المسرحي «شرمولة» للفنان عبدالحق الزروالي، أحد أبرز رواد المسرح الفردي في المغرب، ضمن افتتاح البرنامج الثقافي للمسرح خلال الشهر الجاري.

ويقدم العمل تجربة فنية تراهن على السخرية والفكاهة والنقد الاجتماعي، من خلال مقاربة تناقضات المجتمع المغربي المعاصر، ودعوة الجمهور إلى الضحك والتأمل وإعادة النظر في عدد من مظاهر الواقع اليومي.

ويعود الزروالي في هذا العمل إلى مساحة مسرحية راكم فيها تجربة طويلة، مستنداً إلى رصيده الأدبي والمسرحي وانشغاله بتفاصيل الحياة الاجتماعية المغربية، التي تشكل مادة أساسية في بناء رؤيته الفنية. وتتناول «شرمولة» مفارقات الواقع الراهن في أبعاده الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، عبر لغة مسرحية تمزج بين العربية الفصحى بما تحمله من طاقة بلاغية وشاعرية، والدارجة المغربية بما تختزنه من تعبيرات وإيحاءات متصلة بالحياة اليومية والوجدان الشعبي.

ويبدو هذا التداخل اللغوي أحد المداخل الأساسية إلى عالم العرض، إذ يتيح الانتقال بين مستويات مختلفة من التعبير، من الخطاب الأدبي والتأمل الفكري إلى المفردة الشعبية والموقف الساخر. ولا يقتصر الأمر على تنويع اللغة، بل يفتح المجال أمام مقاربة الواقع من زوايا متعددة، حيث تتجاور المفارقة مع النقد، ويتحول الضحك إلى وسيلة لكشف التناقضات الاجتماعية وإبراز ما قد تخفيه التفاصيل المألوفة من أسئلة ومواقف.

ويستثمر العمل السخرية السوداء بوصفها أداة فنية لمواجهة القضايا التي تشغل المجتمع، بعيداً عن المعالجة المباشرة أو الوعظية. فالسخرية في المسرح لا تكتفي بإثارة الضحك، وإنما تستطيع أن تضع المتفرج أمام صور من حياته اليومية، وتدفعه إلى اكتشاف ما تنطوي عليه من مفارقات. ومن هذا المنظور، تكتسب الكوميديا في «شرمولة» بعداً نقدياً، يجعل الضحك مدخلاً إلى التفكير في التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي.

وتستند هذه التجربة إلى خصوصية المسرح الفردي، الذي يشكل أحد المسارات التعبيرية الصعبة في الفنون الركحية؛ إذ يتحمل الممثل بمفرده مسؤولية استقطاب انتباه الجمهور، وبناء الإيقاع الدرامي، والتنقل بين المواقف والشخصيات والأصوات، مستعيناً بأدواته الجسدية والصوتية واللغوية. وفي هذا الشكل المسرحي، لا يكون غياب الممثلين الآخرين مجرد اختيار إنتاجي، بل يتحول إلى تحدٍّ فني يفرض على المؤدي امتلاك قدرة عالية على تنويع الأداء وإدارة العلاقة المباشرة مع المتفرجين.

وقد ارتبط المسرح الفردي في تجارب متعددة بإمكانية الاقتراب من القضايا الاجتماعية والإنسانية من خلال صوت واحد يتعدد داخله الرواة والمواقف، ويصبح فيه جسد الممثل وذاكرته وخبرته أدوات لبناء عالم مسرحي كامل. وتزداد أهمية هذا الشكل حين يتكئ على نص غني باللغة والإيحاء، ويمنح الأداء مجالاً للمزج بين الحكي والتشخيص والسخرية والتأمل.

ومن هنا تندرج «شرمولة» ضمن مسار الزروالي المرتبط بالمسرح الفردي، مع رهان على استثمار مخزون الثقافة المغربية وتفاصيل الحياة اليومية في صياغة خطاب مسرحي يتفاعل مع أسئلة الحاضر.

ولا ينفصل هذا الاختيار عن تقليد مسرحي مغربي جعل من الخشبة فضاءً لمساءلة المجتمع وتحولاته، ومن الكوميديا أداة للتعبير عن القضايا العامة. فالمسرح، إلى جانب وظيفته الترفيهية، ظل مجالاً لطرح الأسئلة المتعلقة بالسلطة والعلاقات الاجتماعية والتحولات الثقافية، كما أتاح للمبدعين اختبار أشكال لغوية وأدائية تستمد عناصرها من الثقافة الشعبية والذاكرة الجماعية.

ويحمل عنوان «شرمولة» بدوره إحالة إلى مفردة مألوفة في الثقافة المغربية، بما تستدعيه من حضور في الحياة اليومية والمطبخ الشعبي، وهو ما ينسجم مع توجه العمل نحو استلهام مفردات البيئة المحلية وتوظيفها في بناء تعبير فني قريب من الجمهور. غير أن دلالة العنوان المسرحية تظل مفتوحة على ما يقدمه العرض من مواقف وصور ومفارقات، وعلى الطريقة التي يوظف بها الفنان هذا الاسم داخل سياق العمل.

وتأتي استضافة مسرح رياض السلطان لهذا العرض في سياق برمجة ثقافية تسعى إلى الجمع بين التعبيرات الفنية المختلفة، وإتاحة المجال أمام تجارب مسرحية وموسيقية متنوعة. ويمنح افتتاح برنامج نوفمبر بعمل للزروالي مساحة للحضور المسرحي الفردي، بما يحمله من خصوصية في العلاقة بين الممثل والمتفرج، ومن قدرة على تحويل الخشبة إلى فضاء للحوار مع قضايا المجتمع.

صحيفة العرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!