رحلوا وبقي الأثر.. الطيب الصديقي الذي جعل من خشبة المسرح مرآة للهوية المغربية

ليست كل الأسماء التي تغادر الحياة تطوي معها حكاياتها، فبعض المبدعين يتركون وراءهم ما يجعل حضورهم ممتداً عبر الزمن، وتظل أعمالهم شاهدة على قيمة ما قدموه للأجيال التي عاصرتهم وتلك التي لم تتح لها فرصة لقائهم. ومن بين الأسماء التي تحتفظ بمكانة خاصة في الذاكرة الثقافية المغربية، يبرز الطيب الصديقي، الفنان الذي لم يكتف باعتلاء خشبة المسرح، بل جعل منها فضاءً لإعادة اكتشاف التراث المغربي وتقديمه برؤية فنية متجددة، حتى أصبح اسمه مرتبطاً بمرحلة مفصلية من تاريخ المسرح الوطني، وبمسار إبداعي جمع بين التمثيل والتأليف والإخراج والتجريب الفني.
ولد الطيب الصديقي بمدينة الصويرة في 5 يناير 1939، ونشأ في محيط عائلي وثقافي كان له أثر في تشكيل اهتماماته الأولى، قبل أن تنتقل به ظروف الدراسة إلى مدينة الدار البيضاء، ومنها إلى فرنسا، حيث خاض تجربة التكوين والاحتكاك بمدارس مسرحية مختلفة. وهناك أتيحت له فرصة الاشتغال والتعلم في بيئة فنية مغايرة، والتعرف على تجارب مسرحية أوروبية، من بينها تجربة المسرح الوطني الشعبي بباريس تحت إشراف جان فيلار. غير أن ارتباطه بالمغرب ظل حاضراً في اختياراته، ليعود إلى بلاده حاملاً تصوراً فنياً يتجاوز حدود الاقتباس والتقليد، ويتجه نحو تأسيس تجربة مسرحية تستلهم خصوصية المجتمع المغربي وتستفيد من تقنيات المسرح الحديث. وكانت سنة 1957 محطة بارزة في بداياته، حين أسس فرقة المسرح العمالي بالدار البيضاء، فاتحاً بذلك صفحة جديدة في مساره المهني.
ومع توالي التجارب، لم يعد الصديقي مجرد ممثل ومخرج مسرحي، بل تحول إلى صاحب مشروع فني يقوم على إعادة قراءة الموروث الثقافي وتوظيفه فوق الخشبة بأساليب إبداعية غير مألوفة. فقد اشتغل على التراث الشعبي والحكاية والأمثال والسير والمقامات، واستطاع أن يمنح هذه العناصر حياة جديدة داخل عروض مسرحية جمعت بين الكلمة والموسيقى والحركة والتعبير البصري. ومن أبرز الأعمال التي ارتبطت باسمه «ديوان سيدي عبد الرحمان المجذوب» و«مقامات بديع الزمان الهمداني» و«سلطان الطلبة»، وهي أعمال عكست انشغاله بالذاكرة المغربية والعربية، وسعيه إلى تقديم مسرح ينطلق من البيئة المحلية دون أن ينغلق داخلها. كما ترجم واقتبس وكتب نصوصاً مسرحية متعددة، وأسهم في تطوير لغة مسرحية لها ملامحها الخاصة، الأمر الذي جعل تجربته موضوع اهتمام لدى المهتمين بتاريخ المسرح العربي.
ولم تتوقف اهتمامات الطيب الصديقي عند حدود الخشبة المسرحية، إذ امتد حضوره إلى السينما والكتابة والفنون التشكيلية والخط، كما خاض تجارب في التسيير الثقافي والفني، وتولى مسؤوليات مرتبطة بإدارة المسرح البلدي بالدار البيضاء، حيث ارتبط اسمه بمرحلة مهمة من الحياة المسرحية بالمدينة. وعلى المستوى السينمائي، شارك في أعمال مغربية وأجنبية، من بينها الفيلم العالمي «الرسالة» للمخرج مصطفى العقاد، وهو حضور أتاح له الانفتاح على جمهور أوسع خارج المجال المسرحي. كما حملت مسيرته اعترافاً بمكانته الفنية من خلال تكريمات وأوسمة، من بينها وسام العرش الذي حصل عليه سنة 2008، ليظل واحداً من الفنانين الذين لم يحصروا إبداعهم في مجال واحد، بل تنقلوا بين أشكال فنية متعددة دون التخلي عن ارتباطهم بالهوية الثقافية المغربية.
وفي الخامس من فبراير سنة 2016، أسدل الموت الستار على حياة الطيب الصديقي بمدينة الدار البيضاء، بعد مسيرة حافلة بالعطاء امتدت لعقود، تاركاً خلفه إرثاً فنياً يصعب اختزاله في مجموعة من المسرحيات أو الأدوار السينمائية. فقد كان من أولئك الذين ساهموا في نقل المسرح المغربي من حدود التجارب الأولى إلى فضاء أوسع من البحث والتجديد، وجعلوا من التراث مادة حية قابلة لإعادة التشكيل والتقديم أمام الجمهور. وبعد سنوات من رحيله، لا يزال استحضار اسمه مناسبة للعودة إلى مرحلة مهمة من تاريخ الإبداع الوطني، والتذكير بفنان آمن بأن للمسرح دوراً يتجاوز الترفيه، وأن الفن يستطيع أن يكون جسراً بين الماضي والحاضر، وبين الذاكرة المحلية والإنسانية. رحل الطيب الصديقي، لكن الستار لم يسدل على أثره، لأن ما تركه فوق الخشبة سيظل جزءاً من الحكاية الطويلة للمسرح المغربي.
عصام سبادي – nichanealane



