“الساعة الثانية عشر”.. حين يصبح الانتظار سجناً وتغدو الهوية سؤالاً مفتوحاً

في فضاءٍ مغلق، لا نوافذ له ولا أبواب تقود إلى النجاة، وضع مسرح الصواري جمهوره أمام سؤال يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه يتشعب كلما حاول الإنسان الإجابة عنه: من أنت؟ سؤال يتردد بين شخصيتين، شاب وكهل، في مسرحية “الساعة الثانية عشر”، التي قُدّمت ضمن عروض مهرجان البحرين المسرحي الخامس على خشبة الصالة الثقافية، من تأليف عبدالله السعداوي، وإخراج إبراهيم خلفان، وبتمثيل عمر السعيدي وعلي أبو ديب.
لا تنشغل المسرحية بحكاية الوصول إلى مكان بقدر انشغالها بمعضلة الخروج منه؛ فالشخصيتان عالقتان في عزلة لا يعرفان بدايتها ولا يملكان يقيناً بنهايتها، تنتظران شخصاً متخيلاً أو غائباً، يفترض أن يأتي فيمنحهما الإذن بالمغادرة. وبين انتظارٍ يراه أحدهما ضرورة، ورغبة يراها الآخر حقاً في الاستقلال والتحرر، يتشكل الصراع الأساسي للعمل؛ أحدهما يريد أن يظل رهين الموعد الموعود، والآخر يحاول كسر دائرة الانتظار والخروج دون استئذان.
ومن هذه المفارقة، يفتح النص أبوابه على أسئلة أكثر اتساعاً من حدود المكان المغلق؛ أسئلة الهوية والكينونة والانتماء، وعلاقة الفرد بالجماعة، ومدى قدرة الإنسان على امتلاك قراره بعيداً عن سلطة الأنماط الفكرية التي اعتاد الخضوع لها. فالعالم الخارجي، الذي يفترض أن يكون فضاءً للحرية، يتحول في مخيلة الشخصيتين إلى مصدر للخطر والذعر، وكأن العزلة التي تحاصرهما أصبحت أكثر ألفة من الحرية التي يخشيان مواجهتها. وهنا تكمن المفارقة التي يشتغل عليها العرض: قد لا يكون السجن دائماً جدراناً تحيط بالإنسان، بل أفكاراً يستعصي عليه مغادرتها.
وعلى مستوى السينوغرافيا، اختار مسرح الصواري الارتهان إلى جماليات المسرح الفقير، متخففاً من التشكيلات البصرية والعناصر المشهدية الزائدة، ليمنح الأداء التمثيلي والصوت المساحة الأكبر في بناء العالم المسرحي. فالمكان، ببساطته وتجرده، لا يقدم إجابات بصرية جاهزة، بل يترك للممثلين مهمة تشكيله ومنحه دلالاته، فيما تتحول الكلمة والحركة والصوت إلى أدوات أساسية في صناعة التوتر وإبقاء المتلقي داخل دائرة الأسئلة التي لا تنتهي.
أما إخراجياً، فقد مضى إبراهيم خلفان في اتجاه تجريبي ينسجم مع طبيعة النص وأسئلته، مبتعداً عن القوالب الإخراجية التقليدية، ومراهناً على كسر المألوف وتجاوز التوقعات البصرية المعتادة. وهو اختيار يضع المتلقي أمام تجربة لا تقوم على تتبع أحداث متصاعدة بالمعنى الحكائي المباشر، بقدر ما تدعوه إلى قراءة ما وراء الحركة والحوار، وتأمل العلاقة المتوترة بين الشخصيتين وما تمثله كل منهما من موقف تجاه الحرية والانتظار.
وفي النهاية، لا تمنح “الساعة الثانية عشر” جمهورها إجابة نهائية عن سؤال الهوية، ولا تكشف له طريقاً واضحاً للخروج؛ بل تتركه أمام السؤال ذاته الذي ظل يطارد شخصيتيها: من أنت؟ ولعل أكثر ما يثير القلق في هذا السؤالان الإنسان قد يقضي عمره منتظراً من يمنحه الإذن ليكون نفسه، بينما يظل باب الخروج مفتوحاً في داخله، لكنه لا يجرؤ على دفعه.
رضا الستراوي – اليمامة الجديدة



