الدراما الرمضانية التونسية تحت مجهر النقد
حلقة نقاش تبحث حدود الرسالة الفنية في رمضان مع دعوات لأنسنة القضايا وتجنب الطرح المباشرة

أجمع عدد من الفاعلين في مجالات الفن والإعلام وحقوق الإنسان على أن الدراما التلفزيونية، ولاسيما في شهر رمضان، تحوّلت إلى قوة ناعمة مؤثرة في تشكيل الوعي المجتمعي، بعد أن تجاوزت دورها الترفيهي لتصبح فضاءً لطرح القضايا الاجتماعية والحقوقية بعمق وتفاعل.
وأكد المتدخلون أن هذا التأثير المتنامي يفرض على صُنّاع المحتوى تحقيق معادلة دقيقة بين حرية الإبداع الفني ومسؤولية تقديم مضامين ذات جودة، قادرة على الإسهام في الارتقاء بالوعي دون الوقوع في المباشرة أو الخطاب الوعظي الفج. كما شددوا على أن تناول الظواهر لا ينبغي أن يقتصر على عرضها أو تضخيمها، بل يستوجب الغوص في أبعادها الإنسانية والقانونية بما يفتح أفق الفهم والنقاش.
وجاءت هذه المواقف خلال حلقة نقاش فكرية ونقدية بعنوان “قراءة حقوقية في الإنتاج التلفزي الرمضاني”، نظّمت الأربعاء بفضاء قمرة الثقافي بمنطقة لافايات بالعاصمة، ضمن أنشطة الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان في إطار مشروع “المنتدى المدني”.
وشارك في تأثيث هذا اللقاء كلّ من المخرج والممثل عبدالحميد بوشناق، والصحفية اعتدال المجبري، والخبير في حقوق الإنسان عماد الزواري، والناقد السينمائي والتلفزيوني الناصر الصردي، فيما تولّى الصحفي محمد اليوسفي إدارة الجلسة.
وفي كلمته الافتتاحية، أبرز رئيس الرابطة بسام الطريفي أن الأعمال الدرامية الرمضانية لهذا الموسم طرحت طيفاً واسعاً من القضايا، من بينها العنف المسلّط على النساء والأطفال، إلى جانب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، معتبراً أن الدراما باتت أقدر من البيانات والندوات التقليدية على بلوغ الجمهور داخل الفضاء العائلي، خاصة في أوقات الذروة، وهو ما يضاعف من مسؤولية المبدعين في ترسيخ قيم الوعي المجتمعي.
ومن جهته، قدّم عبدالحميد بوشناق مقاربة مغايرة، مؤكداً أن وظيفة الفن لا تكمن في تقديم إجابات جاهزة أو دروس مباشرة، بل في تحفيز التفكير وإثارة الأسئلة. واعتبر أن جوهر الدراما يتمثل في قدرتها على كشف تناقضات الواقع وتسليط الضوء عليها دون إصدار أحكام قطعية، مشدداً على أن الرسائل الأكثر تأثيراً هي تلك التي تمرّ بذكاء ومن غير مباشرة، وتدفع المشاهد إلى التفاعل وإعادة النظر. كما دافع عن فكرة أن الدراما مرآة للمجتمع، وأن عرض مشاهد العنف لا يعني تبريرها، بل يفتح باب النقاش حول جذورها وتداعياتها.
وبدورها، شددت الصحفية اعتدال المجبري على أهمية التمييز بين الخطاب الإعلامي المباشر واللغة الفنية، معتبرة أن الجمهور اليوم أصبح أكثر وعياً ونفوراً من التلقين، ويميل إلى الأعمال التي تراهن على الذكاء في الطرح. ودعت إلى تجاوز منطق “تضخيم الظواهر” نحو “أنسنة القضايا”، عبر إبراز الخلفيات الإنسانية للانتهاكات، خاصة ما يتعلق بحقوق المرأة والطفل، وتقديم الضحايا بوصفهم أصحاب حقوق لا مجرد حالات درامية. كما حذرت من تكريس صورة “البطل العنيف” الخارج عن القانون، لما لذلك من انعكاسات سلبية على فئة الشباب، داعية إلى تقديم نماذج درامية تعكس قيم سيادة القانون دون التفريط في عنصر التشويق.
وفي السياق ذاته، تناول الخبير في حقوق الإنسان عماد الزواري المسألة من زاوية دولة القانون، مشيراً إلى أن صورة العلاقة بين المواطن والمؤسسات، مثل الأمن والقضاء والإدارة، كما تقدمها الدراما، تلعب دوراً حاسماً في بناء أو تقويض الثقة العامة.
ووفق ما نشرته وكالة تونس أفريقيا للأنباء (وات)، فإن الزواري اعتبر أن معالجة الانتهاكات، سواء تعلّقت بالعنف المجتمعي أو بالتجاوزات، ينبغي أن تترافق مع إبراز الإطار القانوني الذي يجرّمها وآليات الانتصاف المتاحة، حتى لا يُختزل الواقع في صورة قاتمة قد تعزز الإحساس بالعجز. كما دعا إلى استثمار الدراما كأداة لنشر الثقافة القانونية وتعريف المواطن بحقوقه وواجباته.
أما الناقد الناصر الصردي، فقد ركّز على البعد الجمالي للعمل الدرامي، معتبراً أن الإشكال لا يكمن في غياب الرسائل الحقوقية، بل في الكيفية الفنية لصياغتها. وحذّر من أن السعي لإرضاء الخطاب الحقوقي بشكل مباشر قد يُفقد العمل روحه الإبداعية ويحوله إلى مادة توعوية جامدة، مؤكداً أن “الصدق الفني” يظلّ العامل الأهم في تحقيق التأثير. كما أشار إلى أن تضخيم بعض الظواهر قد يكون، في سياق البناء الدرامي، خياراً مشروعاً لخلخلة وعي اعتاد على التطبيع مع مشاهد العنف أو التمييز، شريطة أن يخدم ذلك رؤية فنية متماسكة.
middle east online



