‘قصيرة ولذيذة’ تُعيد تعريف الممكن على الخشبة
التظاهرة في فضاء 'التياترو' تختزل جوهر الإبداع المسرحي عبر عروض مكثفة لا تتجاوز 15 دقيقة، مراهنة على فلسفة 'الزبدة' والتطوعية لصناعة جيل فني جديد يتحدى الضحالة والاستهلاك

بين زوايا فضاء “التياترو” بالعاصمة التونسية، تآلفت الرؤى والمواهب لتصيغ فصلا جديدا من فصول تظاهرة “قصيرة ولذيذة”، التي التأمت حلقاتها من 29 أبريل/نيسان إلى 2 مايو/أيار 2026.
طيلة أربعة أيام، غصّت المدارج بمرتادي الفن حتى أُغلقت الأبواب بشبابيك موصدة أمام فيض الجماهير، في مشهد يُترجم حالة من الشغف الجماعي بتلك اللحظات الفنية التي تُختزل فيها دهور من المشاعر والأفكار والعوالم، في دقائق معدودات. تجاوز الحاضرون دور المتفرّج السلبي ليغدوا شركاء في طقس مسرحي يرتكز على الاختزال ويصيب جوهر الفكرة بدقة متناهية، حيث انصهرت الموسيقى مع الكوريغرافيا، وتعانق الشعر مع المونولوغ، لترسم لوحات إبداعية عابرة للتصنيفات التقليدية.
حين يكون الزمن مادة للإبداع
يرى المسرحي القدير توفيق الجبالي في تصريح خصّ به ”ميدل ايست”، أن فكرة التظاهرة التي نشأت بإيعاز من الراحلة زينب فرحات، قد تجاوزت كونها مجرد حدث فني عابر، إذ انقطعت خلال فترة الكوفيد لكنها استأنفت نشاطها لتأخذ منعرجاً حاسماً وتطوراً لافتاً منذ العام الماضي. ويؤكد الجبالي أن “القصر” في هذه التظاهرة هو جزء أصيل من “الكونسابت” الفني، حيث تصبح المدة الزمنية مادة للموضوع بحد ذاته، إذ يكمن المعيار الذهبي في الكفاءة التي تمكّن المبدع من تقديم “زبدة” فكره في حيز ضيق.
ويستطرد الجبالي في المفاضلة بين الأشكال المسرحية، معلناً انحيازه لهذا القالب المكثف على حساب المسرحيات الطويلة المُسهبة التي قد تتردى في فخاخ الثرثرة والحشو. فالتكثيف الزمني، في نظره، يستوجب كتابة وتفكيراً من نوع خاص، وهو ضرورة قصوى تتيح للفكرة البروز بوضوح صارخ يمنحها قوة درامية لا تُضاهى، وبذلك يتحوّل هذا القيد الزمني من مجرد عقبة تقنية إلى “تكثيف إبداعي” ومساحة لاختبار دقة التوقيت.
مختبر التجريب وميلاد “جيل التياترو”
تعتبر “قصيرة ولذيذة” مجموعة من المسرحيات المرتبطة بقيد زمني يدفع المشاركين للوصول إلى الجوهر، مع تقديم باقة متنوعة من الأساليب والعوالم في أمسية واحدة. وقد مزجت التظاهرة في دورتها هذه بين مشاركات تُخاض لأول مرة، سواء في الإخراج أو التمثيل، وبين محترفين وأساتذة مسرح من داخل “التياترو” وخارجه، مما أشعل فتيل الحماسة وضمن تنوعاً ثرياً في الرؤى.
ويصف الجبالي هذا الفضاء بأنه “مختبر للتجريب”، حيث ألقى الكثيرون بأنفسهم في أتون التجربة رغم حداثة عهدهم بالإخراج، ليكتشفوا ملكاتهم في الكتابة والأداء. ويرى أن هذا الضغط الزمني، رغم صعوبة نتائجه، يسهّل الاقتراب من جوهر الفن، مؤكداً بكل فخر ولادة ما يسمى بـ “جيل التياترو”؛ ذاك الجيل الذي يتبنى ذهنية تقطع مع النمطي والاستهلاكي، وتقترب من المسرح والتجريب والجمهور بوعي مغاير.
الاستقلالية والرهان على “التطوعية”
في مواجهة تحديات التمويل والإنتاج، يرفع فضاء “التياترو” شعار الاستقلالية والتعويل على الذات. يوضّح الجبالي أن استمرار هذه التجربة يرتكز أساساً على “التطوعية”، حيث لا توجد تكاليف إنتاج ضخمة تحكمها التمويلات الخارجية، بل تكاتف طوعي يشمل الملابس والإكسسوارات والجهد الفردي والجماعي. واعتبر الجبالي هذا النهج تحدياً لكل “العاطلين والمتواكلين” الذين يربطون عطالتهم بغياب الدعم المادي، مؤكداً أن الرهان الأول للفضاء هو فك الارتباط بين “الممكن” و”المادة”، وتحقيق التكافؤ بين احتياجات الفضاء ليبقى نابضاً واحتياجات المشاركين للإبداع.
أما عن آفاق المستقبل وتصدير التجربة، فيبدو الجبالي متمسكاً بخصوصية المكان؛ إذ لا يرى إمكانية لتصدير التجربة كقالب جاهز كونها نتاج محيطها وخبرتها الخاصة، لكنه يرحب باستلهام الآخرين منها. ويختتم الجبالي برؤية مستقبلية تتلخص في انتقاء أهم الأعمال التي عُرضت وتوليفها في عمل متجانس يُعاد تقديمه للجمهور، لضمان استمرارية المشاهدة المكثفة لتلك الإشراقات الإبداعية التي وُلدت “قصيرة ولذيذة”.
انتهت ليالي التظاهرة المكثّفة لترسم مفارقة صارخة في عصرنا الراهن؛ فبينما تحاصرنا الشاشات بفيضٍ من المحتويات القصيرة التي تُغرق الوعي في “ضحالة رقمية” وتستنزف خلايا الانتباه حتى الوهن، جاء قِصرُ المسرحيات في “التياترو” ليقلب موازين التكثيف. إنها ليست سرعة تتوخّى التسلية العابرة، بل هندسة للوجيز تحوّل الزمن الضيق إلى رحيق إبداعي يُحيي العقل ولا يُفسده، مبرهنة أن القِصر حين يرتكز على الجوهر، يصبح مختبرا لتوليد الأفكار البديلة وصياغة ذهنية تقاوم الاستهلاك والتبلّد.
أمل الهذيلي – MEO



