العرض الفلسطيني “غضب الجدات”:حين تضيع الهوية في درج القرنفل

الظلام يسقط. الستارة لا تُسدل. لكن الضوء يموت فجأة كما يموت يقين مفاجئ، ويعود بعد ثوانٍ معدودة وكأن شيئاً لم يكن. في المقاعد، يتحرك بعض المتفرجين ليلملموا اغراضهم، أحدهم يقول: لعل هناك عطل فني أو تقني! وينظرون نحو الباب، ثم تعود الإضاءة وتعود معها لقاء شرف على الخشبة، وكأن المسرحية تقول لهم: لم تنتهِ بعد. لن تنتهي. لا تستطيع أن تنتهي.
هذا التكرار الذي يوهم بالنهاية ثم يسحبها منك كما تُسحب وثيقة من يد ممدودة، هو أذكى ما في عرض “غضب الجدّات” ،الذي عرض ضمن مهرجان المسرح الحر الدولي 21،لكاتبتيه لقاء شرف وماشا سمعان.
ليس تلاعباً بالشكل المسرحي من باب الترف التجريبي، بل هو اللغة الأنسب لقضية تأبى أن تُطوى، لأرض تأبى أن تُنسى، ولجيل عالق في لحظة تاريخية لا تجد نهايتها.
قبل أن تبدأ أي كلمة، يبدأ العرض. تجلس لقاء شرف على كرسي انتظار وأمامها بضعة حقائب سفر، وفي الفضاء أصوات مطار: إعلانات، خطوات، ضجيج هادئ ومتواصل كضجيج الحياة حين لا تعرف إلى أين تذهب.
الخشبة مصمّمة بوضوح كصالة انتظار: كرسي وحيد، حقائب على الأرض، وإضاءة تلك الإضاءة الباردة البيضاء التي لا تشبه ضوء البيت ولا ضوء الشارع، بل ضوء اللامكان، ضوء المطارات في ساعاتها الميتة حين يجلس فيها الناس وكلٌّ منهم في عالم مختلف ينتظر شيئاً مختلفاً.
الانتظار في المطار له زمن محدد: رقم رحلة، بوابة، موعد. أما الانتظار الذي تجسّده هذه الخشبة فلا رقم له ولا بوابة. هو انتظار وجودي، انتظار من لا يعرف إن كانت الرحلة ستُعلن أصلاً.
والشخصية تجلس داخل هذه المنطقة الترانزيت النفسية لا الجغرافية، عالقة بين مغادرة لم تكتمل وعودة لم تُسمح.
هذا المشهد الافتتاحي الصامت يضع الجمهور في الحالة النفسية الصحيحة قبل أن يسمع كلمة واحدة: حالة من يعرف أنه في مكان مؤقت لكنه لا يعرف متى سيصبح مكاناً دائماً.
عندما تدخل إلى المسرح وقبل أن يبدأ أي شيء، يقع بصرك على الحقائب. حقائب بأحجام مختلفة وألوان متباينة، مكدّسة فوق بعضها بعناية مثيرة للريبة، كأنها لم تُرتَّب بل رُتِّبت لتبقى.
في البداية ظننت أن استخدامها سيبقى رمزياً و مباشراً أكثر من اللازم,هذا الجمود البصري الأول يحمل في طياته طبقات لا تنكشف دفعة واحدة: هل هي حقائب من يرحل؟ أم حقائب من لا يجد جهة يرحل إليها؟ أم هي تراكم ذاكرة أجيال لم تُحمل يوماً بكامل حمولتها؟
المونودراما التي تقدمها لقاء شرف لا تسرد حكايتها بالترتيب الخطي المعهود.
هي أقرب إلى الشهادة منها إلى الحكاية، وأقرب إلى الاعتراف منها إلى العرض. وهذا بالضبط ما يجعلها مؤلمة بعمق خاص: أن الممثلة لا تقف أمامك وهي تؤدي دوراً، وفي لحظات كثيرة كانت تبدو كأنها تنسى أنها داخل عرض أصلًا, بل وهي تفتح قلبها على المسرح بكل ما فيه من تناقض وارتباك وحنين وخوف ورغبة في الفرار ورغبة في البقاء في الآن نفسه.
“جعانة”، تقول لقاء. والجوع هنا ليس جوعاً للطعام وحسب، فهذه الجملة تعود وتتكرر في سياقات مختلفة طوال العرض حتى تصبح شيفرة للحالة كلها: جوع لإجابة، جوع لهوية لا تحتاج إلى شرح، جوع لأن تكون في مكان ما دون أن يسألك أحد “من أين أنت؟” ثم يتبع السؤال صمتٌ أو ارتباك أو ضحكة باردة.
في قلب العرض سؤال لا يُصاغ مباشرة لكنه حاضر في كل جملة: ما الذي يحدث لجيل وُلد داخل احتلال لم يختره، وبات يحمل هوية لا توصّفه بدقة؟ لا سوري بالكامل، لأن حدود الشريط تفصله جغرافياً وكثير منهم لم يذهبوا إلى الشام قط. ولا إسرائيلي، لأن رفض الجنسية كان حدثاً تأسيسياً في وعي الجولان. ولا فلسطيني وإن كانت اللحظات السياسية تتداخل. إذن من هم؟
والإجابة التي يحملها العرض ليست في الحوار بل في بطاقة الهوية التي تظهر في لحظة من لحظاته: مكتوب عليها “غير معرّف”. ليس سورياً.
ليس إسرائيلياً. غير معرّف. وطوال المسرحية تحمل البطلة هذا التعريف الناقص وترفض استبداله بكلمة “إسرائيل” رغم كل الضغوط وكل الإغراءات وكل منطق المصلحة الذي تمثّله الشيطانة. البقاء “غير معرّف” في عالم يطلب منك تعريفاً هو في حد ذاته موقف. إنه الرفض الذي لا يحتاج إلى خطاب.
العرض لا يجيب. والإخراج يفهم لماذا لا يجيب. النهايات المتعددة التي تنتهي فيها المسرحية ثم تعود هي الإجابة الجمالية الصادقة الوحيدة عن هذا السؤال: لا نهاية حقيقية لأن السؤال نفسه لا نهاية له.
كل إظلام هو نقطة النهاية التي لا تصمد، وكل عودة للضوء هي تذكير بأن القضية لا تزال حية، تتنفس، تنتظر.
وما لا يُقال في تحليل هذه التقنية كثيراً هو ما تفعله بالجمهور من الداخل. في الإظلام الأول تسترخي العضلة النفسية، تبدأ بترتيب ما شاهدت، تفكر في جاكيتك.
ثم يعود الضوء فتجد نفسك قد سُحبت مجدداً دون أن تتمكن من المقاومة، لأن جسمك كان قد قرر أن العرض انتهى لكن العرض لم يوافق.
يتكرر هذا مرتين أو ثلاثاً فيبدأ الجمهور باللعبة النفسية دون أن يُدعى إليها: يتوقف عن الاسترخاء لأنه لم يعد يثق بالظلام. وفي الإظلام الثالث تقريبًا، لم أعد أسمع حركة المقاعد نفسها التي حدثت في البداية.
وهذا بالضبط هو الشعور الذي يعيشه من يكبر في منطقة لا تُحسم: لا يثق بأي هدوء لأن الهدوء في التاريخ لم يكن يعني السلام بل كان يعني أن الشيء التالي لم يصل بعد. وقد أربك هذا التكرار جزءاً من الجمهور فعلاً، وشعر بعضهم بعدم الفهم أو الملل.
لكن هذا الارتباك بالذات هو الخبرة التي أراد العرض تسليمها: أن تعيش لدقائق معدودة ما يُعاش على مدى عقود.
الجدّات الأربع — فاطمة وزهية وهنا وحفيظة — لا يظهرن على الخشبة بأجساد أخرى، بل يسكنّ في صوت لقاء ونبرتها وطريقة تبدّل إيقاع الكلام حين تنقل حواراتهن.
وهذا يخلق تجربة مسرحية نادرة: أن تسمع جيلاً في صوت جيل، أن تشعر بكيف أن الأجساد المسنّة الحاملة لكل تلك الذاكرة موجودة على الخشبة حتى وهي غائبة.
الجدات لسن شخصيات ثانوية بل هن الأرض نفسها تتكلم. وحين تتكلمن عن حرب الثلاثة والسبعين، عن الموتى والبيوت المهدومة والرصاصات التي اخترقت البرندات، تصمت القاعة بصمت مختلف عن صمت المتلقي المحايد. صمت من يسمع شيئاً يخصه حتى لو لم يكن هناك يوم ذاك.
التسجيلات الصوتية للجدات لم تكن خطابات للاستهلاك المسرحي. كانت شرحاً لطبيعة حياة وأحوال مرّت عليهن بكل ثقلها اليومي: كيف تحمي طفلاً خلف جدار، وكيف تُخفي مقاومتك تحت مظلة، وكيف تقول “لا” لضابط يطلب منك ورقة.
وهذا ما يجعل تسجيلات الجدات مختلفة عن الأرشيف الموثَّق البارد: هي ذاكرة دافئة ومُعاشة، تنضح بتفاصيل لا يختارها من يريد أن يُبهر، بل من يريد أن يُخبر. وفي بعض لحظات هذه التسجيلات أحسّ جزء من الجمهور بثقل يقترب من الملل. شخص أمامي أخرج هاتفه للحظة ثم أعاده سريعًا حين عاد صوت الجدة.
لكن هذا الإنهاك الإيقاعي ليس سقطة بل هو جزء من التصميم نفسه: حين يطول الصمت أو يتباطأ الإيقاع يبدأ الجمهور بالشعور بالزمن كشيء ملموس وثقيل، وهذا هو الزمن الحقيقي لحياة الاحتلال، ليس الزمن الدرامي المكثّف بل زمن الانتظار اليومي الذي لا يُعلن عن نفسه كل صباح ومع ذلك يضغط.
غير أن ما يستوقفك في أصوات الجدات ليس مضمون ما تقلنه فقط، بل كيف يُقال.
اللهجة الجولانية في هذا العرض ليست توابل فولكلورية تُضاف لإضفاء الأصالة، بل هي الذاكرة نفسها في شكلها الصوتي.
حين تقول ستي فاطمة “تصفطنا بهالأوضة هي مثل اليبرق” فإن كلمة “يبرق” وحدها تحمل مطبخاً وجيراناً وزمناً محدداً لا تستطيع أي ترجمة فصحى أن تستعيده.
الكلمة الدارجة هنا ليست اختياراً أسلوبياً بل هي وثيقة. وهي الدليل الصوتي على أن ما يُروى حدث فعلاً، في غرفة حقيقية، لنساء يتكلمن هكذا بالضبط. وحين يختلط هذا الصوت الموثَّق بأداء لقاء الحي، يصبح العرض أشبه بأرشيف شفوي يتنفس، لا بحكاية تُؤدَّى.
جملة مثل “ليش كلمة لا تبع جدودنا كانت تقطع، بس كلمتنا لا” ليست حواراً درامياً عادياً.
هي شظية وعي جماعي، سؤال عن التآكل، عن كيف أن وضوح المواجهة عند جيل كان يرى الأرض بعينيه ويمسك المعول بيديه قد تحوّل عند الجيل التالي إلى ضباب يصعب فيه معرفة أين بالضبط تقف. هذه الجملة تعلق في الرأس بعد الخروج من المسرح أكثر مما تعلق خلاله، لأنها تنضج في الذاكرة لا في لحظة سماعها.
هي ليست سؤالاً عن الضعف بل عن تآكل اليقين حين تتعقد الحياة وتتشعب وتُفقد الحدة التي تمنح “اللا” ثقلها.
اليقين يحتاج وضوحاً، والوضوح يحتاج عدواً يمكن تسميته. والجيل الجديد يعيش في عالم يصعب فيه التسمية.
وعلى الطرف الآخر من هذه المعادلة تقف الجدة بكل ثقل قناعتها حين تقول ما معناه: لو بدي أموت ما بخلي حدا يحط إشي بأرضي. لو قشّة صغيرة. حتى لو بيعبي البيت صفّات دولارات.
لأن المصاري ما بتشتري الكرامة. هذه الجملة ليست خطاباً وطنياً مُعلَّباً.
هي جملة امرأة تعرف أن الأرض التي تطأها ليست رمزاً بل هي جسدها الممتد، وأن بيعها ليس صفقة بل بتراً.
وبين هذه الجدة التي لا تتردد وبين الحفيدة التي تخاف وتتساءل تقع كل المسافة العاطفية والتاريخية التي يقطعها العرض.
وكذلك “ستي ما بتخاف… أنا بخاف وبعرفش شو بدي أقول.” هذا الاعتراف المضيء كالبرق هو ربما أكثر الجمل شجاعةً في العرض بأكمله.
ليس لأنه يُعلن الضعف، بل لأنه يُسمّي النوع الأكثر شيوعاً وأقله اعترافاً به: خوف من لا يعرف من أي اتجاه يأتيه الخطر. الجدة لم تخف لأنها رأت العدو وعرفته.
الحفيدة تخاف لأن العالم الذي تعيش فيه تشوّشت فيه الملامح. وما يجعل الجملة تخترق هو النصف الثاني منها: “وبعرفش شو بدي أقول”.
ليس فقط لا تعرف ماذا تفعل، بل لا تعرف حتى كيف تُعبّر عمّا تشعر به. الكلمات نفسها صارت عاجزة. وهذا العجز اللغوي هو أخطر ما في الأمر، لأن الاحتلال حين يُفقد الإنسان لغته الداخلية لا لغته الأم فحسب يكون قد وصل إلى مكان أعمق بكثير من الجغرافيا.
ما يميّز أداء لقاء شرف ليس ما تفعله بل ما تمتنع عن فعله. المسرح العربي الذي اعتدنا عليه كثيراً ما يؤثر الانفعال الظاهر، الصوت المرتفع، الدموع المرئية، الإيماءة الكبيرة التي تُخبر الجمهور كيف يشعر.
لقاء شرف تفعل عكس ذلك: هي تتذكر ولا تمثّل التذكر. تقول الجملة المؤلمة بنبرة من يقولها للمرة الثانية لا للمرة الأولى، وهذا الاقتصاد في الانفعال هو ما يجعل الجمهور ينتج مشاعره بنفسه بدل أن يُطعَم بها.
وقد ظهر هذا بوضوح في تفاعل القاعة خلال العرض. حين ضحك جزء من الجمهور في مشهد الفيزا والمطار لم يكن الضحك راحةً بل كان نوعاً من التعرف المؤلم: ضحكة من شخص شاهد نفسه في مرآة لم يتوقعها.
وحين خيّم الصمت في مشهد حرب الثلاثة والسبعين كان صمت من وصله شيء مباشرة إلى مكان لا حراسة عليه.
وكانت هناك دموع، لكنها لم تكن دموع مشهد مصمَّم للبكاء، بل دموع المفاجأة حين يجد المتفرج نفسه مكشوفاً أمام شيء لم يكن يعرف أنه يحمله.
بل إن بعض من حضر العرض أحسّ بقرب الممثلة منه إلى حد أن الحواجز الاعتيادية بين الخشبة والمقعد ذابت كلياً، وصارت الشخصية واحدة من الجالسين في القاعة تحكي عن نفسها وعنهم في آن.
ويُفسِّر هذا القرب جزئياً كيف جرت الحركة الجسدية على الخشبة. لقاء شرف لم تكتفِ بالكلام بل كانت تبني وتهدم وتعيد البناء طوال العرض.
الحقيبة تصبح بيتاً، ثم نفقاً، ثم منبراً، ثم غرفتها الصغيرة، ثم كراسي انتظار، ثم تعود حقيبة.
هذا التشكيل المتواصل للفضاء ليس حيلة إخراجية لملء الخشبة، بل هو تجسيد لشيء أعمق: الإنسان الذي لا يملك ثوابت ثابتة يصنع ثباته من الأشياء المتحركة.
يبني بيته كل يوم من الأدوات التي يستطيع حملها، لأن ما بُني مرة وكان كبيراً وثابتاً جاء يوم ووجد أن الثبات لا يحمي.
الحقيبة تبقى لأنها محمولة. والبيت المحمول هو الشكل الوحيد للوطن الذي لا يُصادَر.
والموسيقى والأصوات في هذا العرض لم تكن مصاحبة بل كانت فضاء موازياً.
حين تدخل أصوات الطبيعة أو الإيقاع المبني على أصوات المراوح في المشاهد الأخيرة، لا تشرح ما يحدث على الخشبة بل تُضيف إليه طبقة حسية لا يستطيع الكلام وحده بلوغها. الصوت في هذا العرض يعمل كما تعمل الذاكرة: يدخل من الجانب، لا من الأمام.
ثم يأتي المشهد الأخير، حتى هنا، كان العرض يتحرك بين الحكاية الشخصية والذاكرة الجماعية دون أن يحسم أيهما يغلب. وهو ما يجعل العرض لا يُنسى.
حين ترتدي لقاء اللباس الإسرائيلي، يسري في القاعة شيء يشبه البرودة. وقد أربك هذا المشهد كثيرين من الجمهور حتى ذهب بعضهم إلى التأويل الأسهل: أن البطلة رضيت وأخذت الجنسية.
لكن الصورة المسرحية تقول عكس ذلك تماماً، ولمن يقرأ ما تقوله العين لا ما تقوله الأيديولوجيا.
قبل هذا المشهد مباشرة، كانت الشخصية قد رتّبت حقائبها بعناية وأعادت ترتيب عالمها وأغلقت ما فُتح. كل ما أخرجته طوال العرض من ذاكرة وخوف وحنين وأسئلة عاد إلى داخل الحقائب. الحقائب أُغلقت. العالم الداخلي رُتِّب.
ثم بقي الجاكيت واللفحة خارجاً، على السطح، لا ينتميان إلى ما بُني بداخل تلك المتعلقات المكتظة بالحياة الحقيقية. الصورة وحدها تقول ما لا تقوله أي جملة حوارية: هذان الشيئان طارئان. لا جذر لهما في هذا الفضاء المرتَّب.
يمكن ارتداؤهما في لحظة ونزعهما في اللحظة التالية، ولن يتغير ما بداخل الحقائب. الاحتلال يستطيع أن يُلبسك طبقة خارجية، لكنه لا يستطيع إعادة ترتيب ما بداخل الحقيبة ما لم تفتحها أنت بيدك وتُخرج منها ما فيها. والبطلة لم تفعل.
الشيطانة في العرض ليست كياناً مجازياً فضفاضاً. هي صوت الإغراء العملي، صوت المصلحة الآنية، صوت الملل من المقاومة اليومية الصغيرة.
“اعملي جنسية إسرائيلية، بتطلعي عشر درجات بسلم الامتيازات”، تقول، وفي كلمة “سلم الامتيازات” يكمن تشخيص دقيق لآلية عمل الاحتلال في مرحلته الأكثر خطورة: لا حين يدمّر، بل حين يُغري.
ما يجعل هذا المشهد بالغ الرعب النفسي هو أنه لا يُصوَّر كخيانة بل كاحتمال. البطلة لا تُدان، والجمهور لا يُدعى إلى النفور بل إلى الفهم، وهذا أصعب بكثير.
الهوية الإسرائيلية لا تدخل بالدبابة هنا، بل تدخل من تعب التفاصيل الصغيرة المتراكمة. بالإجهاد، بالسفر المستحيل، بالحواجز والفيزات والأسئلة الاستهزائية في المطارات.
وحين تعود الخشبة إلى الضوء بعد هذا المشهد، تشعر أن شيئاً قد تغير في هواء المكان.
ثمة أعمال لا تُفهم في اللحظة الأولى، وهذا ليس ضعفاً فيها بل بنية. “غضب الجدّات” واحد من هذه الأعمال.
هي لا تعتمد على القصة المنسابة التي تأخذ بيدك من البداية إلى الخاتمة، بل على التراكم: تراكم اللحظات والجمل والحكايات والصور، حتى يصبح الجمهور في نهاية العرض ثقيل الخطى بكل ذلك الوزن، وهذا الثقل هو العرض حقاً.
ما يجعل “غضب الجدّات” نادراً في مشهد المسرح العربي الراهن هو أنه لا يحمل السياسة كعبء أيديولوجي ولا كشعار يُرفع.
السياسة هنا تنبع من تفاصيل الحياة اليومية: من عروس البلبني التي لا تريد أكلها بعد أن باتت تُباع تحت اسم آخر، من الجنسية التي يقترحها الحبيب بحجة مستقبل الأولاد، من الفيزا التي تحتاج إليها لتسافر من أرضك.
هذه التفاصيل هي ما يجعل العرض يدخل إلى الجمهور من الباب الخلفي، باب الحياة الصغيرة، بدل الباب الأمامي الرسمي للخطاب الوطني. والجروح التي تُفتح من الباب الخلفي أعمق وأبطأ في الالتئام.
لحظات الصمت في العرض ثقيلة بطريقة نادرة. حين تقف لقاء شرف صامتة، لا تملأ القاعة فراغاً بل تتركه. وهذا الفراغ هو ما يتحدث. يقول ما لا تجد له الكلمات، ما لا تجد له الجدة كلمات، ما لا يجد له الجيل الجديد كلمات. الصمت هنا ليس غياب الكلام، بل وجود ما هو أكبر من الكلام.
وحين يتبدل إيقاع الكلام، حين تنتقل لقاء من الثرثرة المتسارعة إلى الجملة الواحدة الثقيلة، يشعر الجمهور بتحوّل المناخ في القاعة كما يشعر بتحوّل هواء الغرفة حين تُفتح نافذة على الليل. لا تخبره الإضاءة بهذا التحوّل، بل ينزلق إليه بلا تحذير.
وحين ينطفئ الضوء في نهاية هذا العرض الذي لا نعرف أي نهاياته هي الأخيرة، يبقى في القاعة سؤال لا يُقال بصوت عالٍ. ليس سؤالاً عن الأرض أو الجنسية أو الحدود، بل سؤال أكثر حميمية وأكثر رعباً: كيف يعرف الإنسان أنه لا يزال يتكلم بصوته هو؟
الاحتلال في أشد أشكاله خطورة لا يأتي بالضجيج. يأتي بالاعتياد. بالكلمة التي تتغير ببطء حتى لا تلاحظ متى بدأت تنطقها بطريقة مختلفة. بالاسم الذي يُضاف إلى طعامك حتى يصبح طعامهم. بالهوية التي تُقدَّم لك كخدمة حتى تنسى أنها قيد. نجحت المسرحية في تحويل هذا الخوف من تحليل سياسي بارد إلى شعور جسدي داخل القاعة، وهذا هو الفرق بين عمل يُعلّمك وعمل يُصيبك. غضب الجدّات لا يُعلّم. يُصيب. ويترك أثره يعمل في صمت بعد أن يُغلق باب المسرح، كما يعمل كل احتلال: بهدوء وبلا إعلان.
وربما لهذا ظل الناس يناقشون النهاية حتى خارج القاعة، كأن العرض لم ينتهِ فعلًا عند إطفاء الضوء الأخير.فبعد انتهاء العرض، بقي بعض الجمهور واقفًا قرب باب المسرح يناقش النهاية أكثر مما يناقش الأداء نفسه.
وهذا بحد ذاته يقول شيئًا عن طبيعة العمل؛ فالمسرحية لا تتركك مع مشهد أخير واضح بقدر ما تتركك داخل سؤال مفتوح.
دعاء مأمون – صوت العرب



