أزمة فهم قرارات الترشيد.. جامعات تبدع وأخرى تلغى مهرجاناتها

لأول مرة منذ عقود طويلة تُغلق مسارح الجامعات المصرية أبوابها فى وجه طلابها الممارسين للنشاط المسرحى.
قرأت قيادات جامعات القاهرة وحلوان والإسكندرية القرارات بصورة أكثر وعيًا، خاصة أن رسوم النشاط التى يدفعها الطالب مع المصروفات السنوية لا تعود لميزانية الدولة فى حالة الترشيد، فأدركت أن النشاط الطلابى لا يتعارض مطلقًا مع الترشيد، وأنه يمثل جزءًا أصيلًا من الدور التربوى والثقافى للجامعة باعتباره وسيلة فعالة لتكوين الوعى واكتشاف الموهبة وصناعة شخصية طلابية أكثر انفتاحًا ومرونة، وحمايتها من براثن الفكر المتطرف الذى يتحين الفرص فى مجتمع يموج بالحيوية وعنفوان الشباب، لاستغلال عقول أبنائنا واستقطابها.
وإذا كان المسرح الجامعى يمثل رافدًا مهمًا من روافد الحركة المسرحية المصرية، بل والعربية، فإن مثل هذا التوقف المفاجئ قد يحرم الوسط الفنى من أجيال واعدة كانت ستشكل قوتنا الناعمة استكمالاً لما قدمته أجيال عظيمة أنجبها المسرح الجامعى على مر السنين، ومنهم عادل إمام، ومحمود عبدالعزيز، وصلاح السعدني، وعزت العلايلي، وصلاح عبدالله، وهانى رمزي، وشريف منير، وماجد الكدواني، ومحمد هنيدي، وخالد صالح، وخالد الصاوي، وخالد جلال، وسلوى محمد علي، وإبراهيم، وسمير غانم، ومحمد فراج، ومحمد ممدوح، ومحمد شاهين، وغيرهم الكثيرون.
وظل المسرح الجامعى على مدى سنوات عديدة مصنعًا حقيقيًا لإنتاج المواهب، وفى الألفية الثالثة أنتج جيلاً واعدًا ومتميزًا من الممثلين والمخرجين، وأسماء لا حصر لها تضخ دماءً جديدة باستمرار فى جسد الوجدان المصرى الذى عاش وتربى وتحصن بأعمال لا تُنسى، وبالتالى فإن مثل هذا التوقف يقطع الطريق أمام مشروعات لفنانين بدأوا رحلتهم من خشبة الجامعة، وخاضوا مهرجاناتهم باعتبارها مساحة للتجريب واكتشاف الذات بعيدًا عن حسابات السوق.
الأخطر من ذلك أن تراجع المسرح الجامعى ينعكس سلبيا على مستقبل المؤسسات المسرحية نفسها، فجميع مسارح الدولة والفرق الحرة والمستقلة اعتمدت، ومازالت، على عناصر تخرجت فى هذا المختبر الحقيقي، وإضعاف المختبر يعنى فجوة مستقبلية فى الكوادر المسرحية، بل تتضرر تبعات هذا التوقف بشكل مباشر من جودة المهرجانات المسرحية هذا العام،
فقد كانت الجامعات تتقدم للمشاركة فى مهرجانى القومى والتجريبى بعروض الترم الثانى باعتبارها هى العروض التى يُسمح فيها بالاستعانة بمخرجين محترفين ينقلون خبراتهم لطلاب الجامعة، ومع توقف النشاط تتضاءل فرص العروض الجيدة المقدمة لتلك المهرجانات، وبالتالى يضعف التنافس بين الهواة والمحترفين، وتضعف فرص التقاط المواهب من بينها،
وإذا استمر هذا التوقف للعام المقبل فإن واحدًا من أكبر مهرجانات المسرح فى مصر وهو مهرجان إبداع المسرحى الذى تنظمه وزارة الشباب والرياضة على مستوى جامعات مصر، سيكون مهددًا بالتوقف أيضًا، وهو ما لا نتمناه، خاصة وأن بريق المسرح الجامعى قد وصل فى أكثر من مرة إلى المسرح العربى والعالمى حين مثل عرض «ماكبث المصنع» إنتاج طب أسنان القاهرة،

مصر فى مهرجان المسرح العربى بسلطنة عمان، لذلك فالأمر برمته يحتاج إلى الانتباه لضرورة إقامة جميع المهرجانات الجامعية فور انتهاء امتحانات نهاية العام إنقاذا لمستقبل جيل كامل من المبدعين.
باسم صادق – الأهرام



