أخبار مسرحية
المونودراما اللبنانية “الحبل” : ذاكرة الخوف…. وسؤال التمرد والانعتاق

ضمن عروض مهرجان المسرح الحر الدولي، عُرضت على المسرح الرئيسي في المركز الثقافي الملكي المونودراما اللبنانية «الحَبْل»، من إخراج د. هشام زين الدين، وكتابة وتمثيل الفنانة آن ماري سلامة.
اسم العرض «الحَبْل»- بفتح او تسكين الباء -، بما يحمله من تلاعب في تشكيل الكلمة، والستارة التي تُفتح على حبالٍ ذات دلالات مختلفة، من حبل المرجوحة المرتبط باللعب واللهو، إلى حبل المشنقة، يضع المتلقّي منذ البداية في حالة ترقّب، ويشدّ حواسّه لمتابعة ما يجري على المسرح. لتبدأ رحلة الكشف التي يورّطنا بها العرض عبر أسئلة إنسانية ونفسية، تجسّدها بوعي واقتدار الممثلة آن ماري سلامة، في رحلة قاسية داخل أعماق ذاكرة مثقلة بالخوف والاختناق والنزوع نحو الانعتاق.
للأم دور أساسي في الحالة التي وصلت إليها ابنتها؛ فباسم الأمومة ظهرت كل تلك التأثيرات السلبية، ما بين الخوف والسيطرة، لتدفعها خارج مساحة الأمان، فتعيش متوالية من الضرب والقسوة وانعدام الثقة. ورغم كل التشوّهات التي تركتها الأم في حياة ابنتها، سواء عبر سلوكها القاسي، أو من خلال نقل انكساراتها وهشاشتها إليها، فإن العرض لا يقدّم إدانة مباشرة لها، باعتبارها هي الأخرى نتاج منظومة اجتماعية، وضحية لها في الوقت نفسه.

«الحَبْل» ليس حكاية تقليدية متواترة، بل حالة شعورية متوتّرة، تتحرّك ما بين الراهن «الآن» ورواسب متجذّرة في أعماق الذاكرة. تأخذ الممثلة المتلقّي إلى ذلك الفراغ المرعب، في محاولة للبحث عن خلاص محكوم بعدم اليقين. وهنا تكمن قوة الحوار المحمّل بالتأويل، والذي يحاول الاقتراب من ذلك التاريخ الطويل من الإقصاء والقمع والتهميش والمساءلات الجارحة.
تعامل المخرج مع النص عبر مقترحات فنية تعزّز هذا الإحساس وتلك الحالة الشعورية، متجنبًا التفسير المباشر، ومفضّلًا خلق أجواء خانقة وروح محاصرة داخل جسد مثقل بالخوف والذكريات الموحشة والقلق الوجودي. فجاء مقترح الأداء للممثلة مختنقًا داخل دائرة ضيقة ومشحونًا بالانفعال، ليكتمل بذلك معنى الحبل، الذي يبدو في بعض دلالاته وكأنه يسحب الشخصية إلى الداخل، في لعبة أقرب إلى سيزيف، لتبقى سجينة بلا أي خيار للتمرّد أو الخروج.
هذه الرؤية قدّمتها آن ماري سلامة بفهم عميق لنوازع الشخصية، بوصفها كاتبة النص أيضًا، فجاء الأداء متكئًا على الانفعال والتوتر الداخلي. وقد ذهبت إلى تلك المساحة الهشّة داخل الشخصية، وعبّرت عنها بالصوت والجسد، متنقلة بين حالات متنوعة بسلاسة ووعي بما تقدّمه وما تريد الوصول إليه، من دون مبالغة أو افتعال. فكان الأداء كاشفًا عمّا تعيشه الشخصية من اضطراب وقلق واختناق، وما تعانيه من ذاكرة مثقلة بالخوف والهذيان، ومن ذلك الكبت الذي جعل حياتها مرهونة بالتشظّي.

وبذكاء، يوظّف المخرج د. زين الدين استحضارصور الطفولة،وصور شخصيات معروفة، بدءًا من أمّ نيرون، وصولًا إلى الأمير الصغير، وآلان ديلون، ومارلين مونرو. هذا الاستحضار المدروس يسير بشكل متوازٍ بين حالة الشخصية وهذه النماذج المختلفة، إذ يجري الكشف عمّا هو مخبوء تحت وهم النجومية والسلطة والبراءة. ويوظّف العرض هذه الإحالات لتعميق دلالات أزمة الإنسان المعاصر، التي تطحن ما هو إنساني، وتجعل الإنسان مختبرًا وضحية للصورة المصدَّرة إليه بخبث، أكثر من كونه كائنًا يبني ذاته بوعي وحرية.
جاءت السينوغرافيا مقتصدة عن قصد، إذ يعزّز هذا الفراغ وعمق المسرح الإحساس بالعزلة. وما بين الضوء والعتمة، تُحاصَر الشخصية، سواء عبر تأكيد الجانب المظلم في دواخل النفس، أو عبر الكشف المؤلم عن بعض جوانبها.
أما الموسيقى والمؤثرات الصوتية، فقد أسهمت في تعميق التوتر والقلق، وبين الموسيقى والصمت كانت تتصاعد حدّة التشظّي وعدم الاستقرار.
ويتوقّف العرض عند تناسل أجيال النساء المقهورات، وفي لحظة تنوير عالية تتعالى فيها الشخصية على خوفها وضعفها وانكساراتها، تقرّر قطع الحبل السرّي لوليدتها الجديدة، حتى لا تكون نسخةً عنها وعن جدّاتها.

لقد أخذ د. هشام زين الدين، وآّن ماري سلامة، والمتلقّي إلى تلك المنطقة المائعة والعاجزة عن الفعل داخل النفس البشرية، واضعين إيّاه أمام مرايا الذاكرة المثقلة بالعجز والتردّد، عبر أدوات فنية تحمل دلالاتها الخاصة، وتؤكّد أن المسرح ليس مجرّد متعة آنية، بل فعلٌ يكشف الصراعات الداخلية للإنسان المعاصر، ويحوّل مشاعر القلق والهواجس والهشاشة إلى فعل درامي، ويعيد للمسرح دوره في مساءلة الواقع وتحريض الوعي والعقل.
رسمي محاسنة – صوت العرب



