هل انتهى زمن النقد في المسرح العربي؟
مراجعة النقد المسرحي العربي أصبحت أمرا ملحا، وبغير هذه المراجعة سنجد مسرحنا العربي خارج الوجود والأثر والتأثير

ينطوي خطاب الناقد المسرحي على فعل حيوي وجوهري، فعل متدفق ومتوهج، وهو فعل كشف وتعرف، أو حفر ونبش، وفعل تجديد وتأكيد القيم، وهو فعل الارتحال عبر الأزمنة وتقصي الأمكنة وحفريات الذاكرة، وذلك لأن جوهر خطاب النقد المسرحي لا يمكن أن يتشكل بمنأى عن ذائقة وظرفية التلقي من جهة، وعن وعي الناقد ورؤيته النقدية بكل ما تنطوي عليه من اشتراطات وممكنات وتجليات من جهة ثانية.
والنقد المسرحي لا يقوم على أساس عملية رصف للعناصر الدرامية أو سرد للعناصر الحكائية، ولا يقوم على وصف عناصر السينوغرافيا وبناء المشهد، ولا يقوم على تحديد أفعال الشخوص والظواهر والصراعات والأزمات، وإنما هو محاكاة جوهرية لفلسفة الرؤية التي قام على أساسها العرض المسرحي، وهو محاكاة لأفعال آنية حاضرة متوقدة ما زالت تفعل فعلها في المتلقي الذي تفاعل مع خطاب العرض، الآن وهنا، وما زالت جمرة اشتعالها تضطرم وتتوقد، فهو تجسيد حي وتمثُّل وافتراض وتخيُّل لأشياء حية ممكنة، حدثت أو يحتمل حدوثها، وهو تقصٍّ وبحث فيما وراء الدراما والمسرح والعرض والمشهد والأداء والسينوغرافيا، بحثٌ متخفٍ يجعل معنى خطاب العرض المسرحي ينفتح ليعانق الكائن والممكن، الوجود والمفترض، التاريخ والراهن، الحقيقة والوهم، المتخيل والواقع.
النقد المسرحي هو نتاج فكري متجدد ومستمر، وهو فعل على فعل، وقراءة على قراءة، وتفاعل مختبري حثيث ومتواصل، يحيل رؤية العرض الى خطاب فكري فاعل
النقد المسرحي هو سعي حثيث وحفر متواصل لتقصي وكشف واكتشاف الأبجدية الأولى للكتابة عن تلك الرؤى والتجارب والمشاهد والصور والمنجزات الماثلة في ذاكرة التلقي، فهو تجلٍ على تجل، وضوء على ضوء، وأبجدية على أبجدية، تصاحبها محاولات اختلاس النظر باستمرار نحو تلك الأسئلة الفطرية الأولى والاستفهامات العذرية والدهشة البكر، تلك الدهشة التي تهيئ للمتلقي فرصة الوقوف قليلا عند محطات الأسئلة الأساسية والجوهرية والحيوية التي قدحت الرؤية وفكرتها وموضوعاتها.
هذا الأمر يستدعي بالضرورة تعديل وتغيير وتحديث وتعميق نمط أسئلتنا القديمة، وتجديدها، وتحيينها، وملاءمتها للسياق التاريخي الجديد، وجعلها تستجيب لروح العصر ومستجداته المعرفية وخضّاته المتنوعة والمتباينة، وتأطير الأسس التي ينهض على أساسها كيان الرؤية وأسسها وثوابتها وجماليتها وتوافقاتها واستجاباتها وتفاعلاتها مع روح العصر وإيقاعه.
وهذا الأمر يتطلب رؤية صافية، نقية، مجردة عن الانحياز والتخندق والاندفاع والشللية المقيتة التي ضاق بها صدر مسرحنا العربي اليوم، عبر كتابات لم تتخط المراحل البدائية الأولى لتهجي أبجديات النقد المسرحي، كتابات نقدية سطحية وأطروحات تلفيقية مدبّجة بمقولات مكررة ومفهومات هامشية ومضامين فارغة وادعاءات فظة تقدم على منصة الندوات الرئيسية في مهرجانات وملتقيات تحمل عناوين ومسميات كبرى، مدعومة من قبل مؤسسات وهيئات وجهات رسمية حكومية ونقابية ومهرجانية، لا يعنيها سوى التكسّب وتبادل دعوات المشاركة، والبقاء أطول وقت ممكن في مواقعها الإدارية والقيادية، إذ تعد هذه الجهات سببا أساسيا في تكريس هذا الواقع المتردي.
كل هذا يجعل المراجعة أمرا حاسما وضرورة قصوى وملحّةً، وبغير هذه المكاشفة وهذا الوعي بضرورة المراجعة والتفحص، وبوعي نقدي عميق، لا يمكن أن يحقق مسرحنا العربي وجوده وجدواه، معناه ومغزاه.
النقد المسرحي هو سعي حثيث وحفر متواصل لتقصي وكشف واكتشاف الأبجدية الأولى للكتابة عن تلك الرؤى والتجارب والمشاهد والصور والمنجزات الماثلة في ذاكرة التلقي
ولأن النقد المسرحي هو فضاء فكري مفتوح قبل كل شيء، فضاء غير محدد الأبعاد والمستويات والآفاق، يسع جميع العلوم والفنون، الأمكنة والأزمنة، الجغرافيا والتاريخ، ويسع الأحياء والحياة، الكائن والممكن، المعنى والمبنى، الظاهر والمضمر، الراهن والماضي، الراحل والآتي، المحسوس والمتخيل، الغياب والحضور، التجربة والتجريب، القبح والجمال، الممكن والمحال، الفعل والانفعال، السبب والنتيجة، الموت والحياة، فإن النقد المسرحي وفق هذه الثنائيات المتعاضدة سيلفظ كل التلفيق الشكلي والإدعاءات الفارغة والمحتوى الهابط والمعنى السطحي، فخطاب الناقد المسرحي يعني الامتلاء والغنى في أصله ومعناه ومغزاه، فهو مثيل لغنى الوجود والحياة ذاتها، ومثيل لغنى الروح والوجدان، فالنقد المسرحي هو الامتداد الفكري المفتوح على الوجود والجمال والإنسان والحياة.
إن خطاب النقد المسرحي الذي ينتجه مسرحنا العربي اليوم، هو بكل تأكيد خطابنا وليس خطاب غيرنا، وعليه فهو بالنتيجة يحمل شيئا من ملامحنا، يشبهنا، وهو يشبه مبدعه الذي أبدعه، ويعكس الثقافة والتجربة والبيئة التي أوجدته، فالمسرح مغامرة وجودية قبل كل شيء، مغامرة فوق مغامرة، كتابة فوق كتابة، ولأن المسرح يقترح ويفترض حياة جديدة، وكما ينبغي أن تكون، في تعدد أبعادها ومستوياتها، فإنه اليوم يستوجب أن يكون حفرا في طبقات العرض المسرحي، عبر تدرجات الأزمنة وبوصلة الأمكنة، وعبر تعدد المحطات والأشكال، ليغوص في أعماق الذات الإنسانية، من خلال تجاربها الوجودية والاجتماعية والفكرية، ليكون بحثا عن الإنسان المختبئ في ذات الإنسان.
النقد المسرحي هو نتاج فكري متجدد ومستمر، وهو فعل على فعل، وقراءة على قراءة، وتفاعل مختبري حثيث ومتواصل، يحيل رؤية العرض الى خطاب فكري فاعل قادر على إعادة إنتاج الوجود والحياة، وهذا الأمر يستوجب التخلص من الكليشيهات والتلفيقات والمجاملات والمصالح الفردية الضيقة التي ضاق بها صدر مسرحنا العربي اليوم، وأتخم بخطابات مستنسخة ومقولات مكررة ومضامين مجوّفة، مما يؤكد على إن المراجعة أصبحت أمرا ملحا، وبغير هذه المراجعة والتأكيد على الفعل الجوهري الذي ينطوي على “وعي نقدي/ منهجي/ فاعل” سنجد مسرحنا العربي عاجلا أم آجلا خارج الوجود والأثر والتأثير، ويبقى في هذه الحلقة المفرغة التي تتكرر فيها البدايات التي تصل إلى النهايات ذاتها، ولن يتمكن أن يلتقط أنفاسه التي تؤهله للبقاء على قيد الحياة والقبول في المشهد القادم.
د. رياض موسى السكران – صحيفة العرب



