خشبة المسرح وطن لرفيق علي أحمد ولبنان
"على خشبة الحياة" يوثق الذاكرة محولا السيرة الذاتية إلى مقاومة جمالية

لا يقدم الفنان رفيق علي أحمد في كتابه “على خشبة الحياة” مجرد سيرة ذاتية أو تأملات مسرحية أكاديمية، بل يفتح نوافذ حميمة على دروب لبنان النابضة بالذاكرة. إنه نص دافئ يمزج بعفوية نادرة بين رائحة التراب الجنوبي وصخب بيروت، ليتحول القارئ من متلق صامت إلى شريك حقيقي في ولادة الحكاية.
ليست بعض الكتب أوراقًا تُقرأ فحسب، بل نوافذ تُفتح فجأة على أمكنة كانت نائمة في الذاكرة، ومنذ الصفحات الأولى من كتاب “على خشبة الحياة” لرفيق علي أحمد الصادر عن منشورات دار أنطوان هاشيت في 356 صفحة مقسمة على ست عشرة حكاية، شعرت أنني لا أقرأ سيرة أو تأملات مسرحية بقدر ما عبرت دروبا لبنانية ساكنة في ذاكرتي الطفلة وذاكرتي الزائرة للبنان الذي سافرته بالخيال والفن والأخبار والكتب مرات، ولبنان الذي عرفني بين دروبه متجوّلة صامتة شغوفة.
سيرة رفيق علي أحمد تفوح منها رائحة التراب المبلل بالمطر، وصخب الحارات الدافئة، وأصوات الناس البسطاء الذين ما زالوا يصنعون الحياة من تفاصيلها الصغيرة كما دخان القصف وأصوات المهجّرين وصراخهم.
يكتب رفيق علي أحمد أو يروي كما يتنفس، بعفويةٍ نادرة لا تتكلف البلاغة لكنها تخلقها، وبصدقٍ إنساني يجعل القارئ شريكا في التجربة لا مجرد متلقٍ لها، لذلك بدا الكتاب منذ بدايته نصا حميما مألوفا، يقترب من الروح بخفة، ويوقظ الذاكرة الجماعية والفردية معا، إنه استحضار لزمن لبناني جميل، لا بوصفه فردوسا مفقودا، بل بوصفه خزّان مشاعر وصور وعلاقات إنسانية لا تزال قادرة على مقاومة النسيان ومعاناة لا تفارق الواقع اليومي.
ومن هذه الحميمية تحديدا تنبع قيمة الكتاب، فهو لا يقدم المسرح باعتباره خشبة منفصلة عن الواقع، بل يكشف كيف تتحول الحياة نفسها إلى مسرح كبير لا يقدّم تجربته برؤية نقدية أكاديمية وتجربة وتيار ولكن يعطي مساحة السرد لذاته لتمشي بنا نحو تساؤلاتنا الساذجة فكيف يصبح الإنسان ممثلا وساردا وشاهدا على حكايته ليكون الحكاية والحكواتي وهو ما يبعث الفضول للقراءة لا لمجرد الاطلاع ولكن للسفر لرؤية لبنان لاستكمال الجزء الآخر المفقود في الذاكرة، ذلك الذي يزاوج بين دفء السيرة وعمق التأمل وجمالية الحكي، ليقدم تجربة أدبية وإنسانية تتجاوز حدود الكتابة المسرحية التقليدية.
“اشتقت لأختي الزيتونة”

للحياة في القرية روح وصوت ورؤية وروائح استطاع رفيق علي أحمد أن يضعنا فيها، حيث الموسيقى ليست ترفا بل امتداد لصوت الأرض، وحيث العتابا والزجل ليسا فنا منفصلا بل نبض يومي يرافق الناس كما يرافقهم الهواء وأنت تقرأ تلك التفاصيل تصغي لصوت النوري والبزق تلك السذاجة الطفولية الكثيفة بفضول الطفل رفيق وهو يتبعه من بيت إلى بيت حتى أنك ترى البيوت وتفاصيلها.
لم أقرأ الكتاب كصفحاتٍ تُتلى، بل تخيلتُه صوتًا حيًا، كأن رفيق علي أحمد يجلس قبالتي على خشبةٍ غير مرئية، يروي، يحكي، يسرد، ويمنح الكلمات جسدا مسرحيا يخلّصك من صفة القارئ ويمنحك دورا معه على “خشبة الحياة”، لغته تتحول في مخيلتي إلى أداء كامل، إلى حضورٍ لا يُقرأ بل يُسمع، وكأن الخبرة المسرحية التي يحملها تنبع من كل جملة لتجعلها مشهدا قائما بذاته.
ومع كل صفحة حكاية أعود إلى لبنان الذي أحبه، إلى جباله التي تشبه ذاكرةً واقفة على الجمال لم تتغيّر ولم تشوّهها الحروب، أرضه هي أرض لبنان تحفظ في شقوقها حكايات الناس البسطاء.
الحنين المتسرّب في الصفحات لا يأتي كوجعٍ بل كفرحٍ دافئ يتلون بكل ما في هذا البلد من تناقضات حتى بدا لي النص كأنه موالٌ طويل، تتداخل فيه نبرة العتابا مع صدى الزجل، ويعلو فيه الصوت الإنساني فوق كل شيء، ليصير الكتاب تجربة حسية كاملة، لا تُقرأ فقط بل تُعاش وتُسمع وتُستعاد.
الكتاب لا يتوقف عند حدود السرد، بل ينفتح على لحظةٍ وجودية عميقة تجعل القارئ شريكا في الولادة ذاتها، كأننا لا نقرأ سيرة رفيق علي أحمد، بل نولد معه في تلك اللحظة الهشّة من شهرٍ سابع، حين كانت الحياة نفسها تقف على حافة الاحتمال، وحين خرج إلى العالم مثقلاً بقلق البدايات الأولى، في زمنٍ لم تكن فيه الحياة وعودًا مكتملة، بل اختبارا دقيقًا للبقاء.
هناك، في ذلك التوتر الأول بين الحياة والعدم، تتشكل العلاقة بين القارئ والنص كنوع من المشاركة الوجدانية في المخاض، في عدم اليقين الذي نحمل معه هشاشة البداية، ونلمس معه ارتجاف الممكن، ونتقاسم معه صمت الأم التي لم تكتمل فرحتها بولاداتٍ سابقة، وقلق الأب الذي لم يسجّله حتى يتأكد أو كان ينتظر أن تتأكد الحياة من قرارها بالبقاء قبل أن تمنحه اسمًا واعترافًا.
ومن هذه العتبة الدقيقة يبدأ القارئ بالنمو مع رفيق، لا كمتلقٍ لسيرةٍ مكتملة، بل ككائنٍ يرافق تشكّلها لحظةً بلحظة، لتصبح “الزيتونة” شقيقة الذاكرة ويقين الأرض والوجود والنفاذ من احتمالية النجاة إلى يقين الحياة، ومن ارتباك البداية إلى اتساع التجربة.

كأن النص يزرع فينا إحساسا بأننا لم نأتِ متأخرين إلى الحكاية، بل كنا جزءا من ولادتها الأولى، ننمو في إيقاعها، ونكبر معها في صمتٍ حميميّ، يجعل من القراءة فعلا يشبه الحياة نفسها ولادةً مستمرة داخل ذاكرةٍ لا تنطفئ.
“لا غبار على لبنانيتي”
يأتي أسلوب الكتابة في هذا العمل كمساحة لغوية خاصة، تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها تنفتح على عمقٍ فلسفيٍّ خفي، البساطة فيه ليست سطحا، إنما طريق إلى الجوهر، إنها كتابة تنبض كحديث باطنيّ يستعيد الوجود في لحظاته الأولى، رقيقا وأليفا، ثم حادا ومفاجئا في الوقت نفسه، كأنه يوقظ القارئ من عادته في القراءة ليضعه أمام رؤية أكثر اتساعا للحياة.
تتشكل الجمل كأنها مشاهد بصرية لا تُقرأ فقط بل تُرى، نسقٌ يتنقل بين الإحساس والتأمل، بين الصورة والذاكرة، بين ما هو محسوس وما هو محتمل، كتابة تسافر في احتمالاتها تلك، كما يسافر التراب اللبناني في تفاصيله الصغيرة، من الجنوب إلى الجبل، من القرية إلى المدينة، من الصوت الشعبي إلى الصمت العميق، من البساطة إلى الشهرة، لبنان حاضر في كل جملة، في كل انزياح لغوي، وفي كل نبض سردي، تأتي بيروت نصا مسرحيا طويلا وكثيفا ملونا ومتناقضا، تصعيد وهدوء نسبي، خفوت ودخان وجمال.
رغم هذا الغنى الكثيف في مرحلة بيروت المدينة ورؤية الفلاح لعوالمها، يبقى النص شديد الألفة، لا يضع حاجزا بينه وبين القارئ، سواء كان بسيطا في تلقيه أو ناقدا في قراءته، إذ لا يتوقف عند حدود اللغة واللهجة، بل يتجاوزهما إلى جوهر أعمق، حيث تصبح اللهجة امتدادا طبيعيًا للصوت، لا عائقًا أمام الفهم، ويغدو المعنى أكبر من الفارق بين الفصحى والمحكي فالراوي حكّاء وتفاصيله عالقة موثّقة في مسرحياته التي كان يثبّتها مع كل لقطة ليقول لنا نعم استلهمت ذاتي الفنية من كل هؤلاء الفنانين بالفطرة الذين عشت معهم وسمعتهم وكوّنت كادر المسرح الأول في ذهني من تفاصيلهم أنا ابن الحياة وخشبتها.
إنها كتابة تُبنى كحالة وجودية أكثر منها تقنية سردية، سردٌ مشبع بروح لبنانية لا غبار على لبنانيتها في الذات والحياة، في الحضور والتفصيل، ليست ورقة عبور ولا وثيقة إثبات لهوية مقسّمة لا شرقية ولا غربية، إنها العشق للحياة وللبشر ولتفاصيل المكان الجنوبي اكتسح المسرح، حتى يبدو النص وكأنه كائنٌ حيٌّ يتنفس، لا يسعى إلى الإبهار لأن ما يفيض به في المعنى كفيل بإثارة المفهوم، فلا يطلب التفسير بل يدعو إلى المشاركة في إحساسه المتداخل العميق.
حروف من حلم وأمل
وأنا أقرأ حكاية رفيق علي أحمد، لم أكن أشعر أنني أتتبع مسار فنان فحسب، بل أسير معه فوق خشبة الحياة نفسها، بكيت عندما بكى وانتظرت شخصياته من عوالم ذهنه تقفز نحو المسرح، حيث تتداخل ظلال القرى الجنوبية مع أضواء المسارح، ويصبح الطريق بين الحلم والندبة ممرا واحدا صقله رفيق بالتعب، بالبحث، بالتجريب، بالعناد صاغ رؤاه متنقلا من حكّائي الضيعة إلى كبار المسرحيين ترى يعقوب الشدراوي ومنصور الرحباني والطيب الصديقي ونضال الأشقر في رقصة الشيطان التي تداخلت بذاتها مع ذاته وهو يشاهد عرض الممثل الواحد مع الفرنسي philippe cauber.
كان يخرج من بيئته اللبنانية المثقلة بالحروب والانتظار كما يخرج الممثل من العتمة إلى البقعة الضوئية الأولى حاملا ذاكرة الأرض في صوته، ورائحة التراب في جسده، وقلق الإنسان في عينيه، ومع كل محطة بين مسرح الحكواتي ومسارح لبنان ومهرجاناته العربية والعالمية، كنت أشاهد من سرده كيف كانت الخشبة تعيد صياغته، صقله، كان يشبه تلك الصورة التي رسمها في فسحة الدار وشكلها كوجه ناعم ومحتها أمه ولكنها لم تستطع محو الفن والجمال منه فكان يعيد صياغتها، حتى بدا المسرح لديه والفن قدرا وجوديا يختبر عبره معنى أن يكون المرء شاهدا ومشهودا عليه وشهيدا في آن.
في هذه السيرة، يتجلى رفيق علي أحمد كمن يتقن فن التقمص لأنه أتقن أولا فن الإصغاء العميق للحياة، لا يبالغ في تقديم نفسه بأسلوب مثالي بل كان الصدق مادته الأولى، صدّق نفسه وحلمه وحتى كابوس الوقوع من أعلى الجبل ذلك الذي لم يعبره بخوف مألوف، لأن الصدق الأدائي الذي لا يكتفي بإقناع المتفرج، الذي يحفر في الروح حتى يصبح الجسد نفسه نصا مسرحيا نابضا.
صفحات “خشبة الحياة”، تتشكل منها بيروت في كل مرحلة من جديد، بيروت تشبه تلك التي كانت تستعيدها غادة السمان من رمادها العاطفي، مدينة تتنفس تحت الأنقاض وتبتكر من الخسارات لغتها الخاصة، بين هدير الحرب وهمس الكواليس، كان رفيق يعجن هشاشة الإنسان بقوة الحكاية، ويحوّل الجرح إلى أداء، والذاكرة إلى فعل مقاومة جمالية.
بدت تجربته كلوحة ما ورائية تتجاور فيها أصوات الحكواتيين مع صرخات الأزمنة اللبنانية المتكسرة، وتتقاطع فيها طموحات الفنان مع أسئلة الوطن، كلما تقدمت في القراءة، أحسست أن المسرح لم يصقل موهبته فقط، بل صقل إنسانيته أيضا ليصنع منه فيلسوفا أو “المعلّم ابن المعلّم”، ليعبر لبنان إلى قلوبنا، حديثه عن أيام قرطاج المسرحية وعن كل مشاركاته أسلوب علّمه أن يسكن الآخر من الداخل والفن شكل من أشكال النجاة، وشكل من أشكال الحب.
قريتي ملهمتي

“القاعدة ما وجدت إلا لتكسر… ولا نظرية مقدسة في عالم الإبداع”، من خلال رؤية رفيق علي أحمد، لا يبدو المسرح مجرّد مساحة للتمثيل، بل فضاء يتكوّن فيه الإنسان على إيقاع الجرح والمعنى يسقط لينهض.
في تماسّه مع عالم منصور الرحباني منذ أول استماع له في جهاز الراديو بالضيعة وشخصية “مخوّل”، تعلّم أن الخشبة ليست زينة جمالية بل موقف وجودي، وأن الفن حين يكون صادقا لا يهادن ولا يتزيّن بالمجاملات، بل يصقل صاحبه كما تصقل النار المعدن، من تلك الزوايا الرحبانية التي تزاوج بين الحكاية والذاكرة والأسطورة، تفتّح وعيه على أن المسرح يمكن أن يكون وطنا بديلا، أو وطنا مُستعادا من رماد السياسة والانقسام.
وفي هذا المسار تتجاور في خلفية تكوينه أرواح نصوصٍ كبرى حملت سؤال الإنسان في مواجهة مصيره من مأساة سقراط في لحظاته الأخيرة، يصبح الموت تمرينا على حرية الفكر، إلى حِكم الرعيان بوصفها تأملا في العدالة البسيطة والسلطة الأولى للإنسان على ذاته، وصولا إلى الصفاء الرمزي عند جبران خليل جبران في “النبي”، حيث تتحول الكلمة إلى نبوءة خفيفة تمشي بين الناس كضوء داخلي، في هذا التقاطع بين الفلسفة والأسطورة والشعر، تشكّل وعي مسرحيّ رأى في الإنسان مشروعا دائم التكوّن، وفي الخشبة مرآةً لارتعاش الوجود نفسه، لا مجرد مساحة للأداء.
كما أخبره منصور الرحباني عند عراك فني موسيقي إبداعي “الأعمال المهمة ما بتصير مهمّة إلا بتبادل الآراء والأفكار والعراك الفكري وكل هذا لمصلحة العمل في النهاية”.
يقول “لا أستطيع استعارة مسرحية من مكتبتي، التي قرأت غالبية كتبها، نعم تغنيني وتثري ثقافتي، وربما أستأنس بحالات شخصياتها ومواقفها، ولكني فُطرت كمسرحي عانى وتحمّل وعايش حروبا ومآسي تعجّ بها ذاكرته على رؤية ما لا يرى مما ينتظره من خوف وقلق وانعدام أمل في النظرة إلى مستقبله ومستقبل مجتمعه”.
رغم كل الزحمة في وقع الذكريات والذاكرة التي حاكها وحكاها، فتحت تجربة رفيق علي أحمد الأفق الجمالي الذي لم يقد إلى المجد بقدر ما قاد إلى الحقيقة التي جعلت الجنوب أكثر من جغرافيا، والحرب أكثر من ذاكرة، والمسرح أكثر من فن.
إنه ذلك الضوء الخافت الذي لا يبدد العتمة كلها، لكنه يكفي لكي نواصل السير، يشبه فانوس بيتهم الذي حمله معه لبيروت.
رفيق علي أحمد “على خشبة الحياة” يصدح بصوته لسنا أبناء الحروب التي عبرت فوق رؤوسنا، بل أبناء الضوء الذي نجحنا في إنقاذه منها، وما المسرح إلا محاولة الإنسان الدائمة لأن ينتصر لمعناه، وأن يترك في وجه الريح أغنيةً أقوى من الخراب.
بشرى بن فاطمة – صحيفة العرب



