أخبار مسرحية

الممثلة التونسية الوحيدة تواجه الجمهور برقة قاسية

"ذهان 4:48" مسرحية مونودرامية تختبر أحوال الألم النفساني

ملخص

خلال افتتاح الدورة الخامسة من “مهرجان مسرح المختبرات” بمدينة قربة في تونس، شاء القائمون عليه أن يقدموا تجربة تقترح إعادة تعريف العلاقة بين الفضاء والجمهور، والجسد المسرحي.

 

لعل المسرحية التي اختيرت لافتتاح المهرجان، “ذهان 4:48” للمخرج التونسي معز حمزة، والمستوحاة من نص الكاتبة البريطانية سارة كين “4:48 Psychosis”، لم تكن مجرد تقديم لعمل يتناول الاضطراب النفسي، بل كانت اختباراً حياً لحدود المسرح نفسه، وقدرته على تحويل الألم الداخلي إلى مادة جمالية قابلة للمشاهدة والمعايشة.

وقد ازداد هذا الاختبار حدّة بفعل اختيار فضاء غير مألوف للعرض، إذ جرى نقل الجمهور إلى داخل المسرح نفسه، في كسر واضح للحدود التقليدية بين القاعة والخشبة، وهكذا أصبح المتفرج جزءاً من المجال المسرحي، محاطاً بالممثلة والعناصر البصرية من كل الجهات، في انسجام تام مع شعار المهرجان “المسرح بالفضاءات البديلة”، وكأن العرض يدفع الجمهور إلى التورط الحسي في التجربة بدلاً من الاكتفاء بمشاهدتها.

داخل عقل يتشظى

 

تقوم مسرحية “ذهان 4:48” في أصلها على نص شديد التفكك للكاتبة البريطانية سارة كين، فهي لا تقدم حبكة تقليدية أو شخصيات واضحة بالمعنى الكلاسيكي، بل نصاً شبيهاً بالقصيدة المسرحية، يتتبع حالاً نفسية في أقصى درجات الانكسار، فنحن أمام صوت داخلي لشخصية تعاني اكتئاباً حاداً واضطراباً نفسياً، وتعيش بين لحظات من الوعي الحاد ولحظات من التشتت والهذيان، فيما يتكرر في النص رقم (4:48)، وهو الوقت الذي كانت الكاتبة تشير إليه باعتباره لحظة صفاء قاسية، يتقاطع فيها الإدراك مع الألم.

يتنقل النص بين أصوات عدة، اعترافات شخصية، حوارات متخيلة مع طبيب، ومونولوغات داخلية تتقاطع فيها الرغبة في الفهم مع الإحساس بالعجز، وهذا التداخل بين الأصوات يجعل المسرحية أقرب إلى خريطة ذهنية للانهيار، إذ لا يوجد خط سردي مستقيم، بل تدفق شعوري متقطع يعكس تفتت الوعي نفسه، ومن خلال هذا البناء، تتحول “ذهان 4:48” إلى نص عن الحدود الهشة، بين الصحة النفسية والاختلال، بين اللغة والصمت، وبين الرغبة في النجاة وإحساس الانطفاء الداخلي.

الجسد مساحة للانهيار والسيطرة

في قلب هذا البناء المكثف، يبرز أداء الممثلة آية باني بوصفه العنصر الأكثر حساسية في العرض، فهي تتحمل وحدها ثقل النص وتوتراته، في انتقال مستمر بين حالات نفسية متقلبة، من دون الوقوع في المبالغة أو الاستعراض، وهو تحد صعب في نص من هذا النوع، يقترب من حدود الكتابة الشعرية المنفلتة.

 

وما يميز هذا الأداء هو قدرته على الاشتغال على الحدود الدقيقة بين السيطرة والانهيار، بين الصمت والانفجار، وبين الحضور الجسدي والغياب الداخلي، فالممثلة لا تؤدي حالاً نفسية، بقدر ما تعيش تفتتها أمام الجمهور، في حركة مستمرة نحو الداخل، وكأن الجسد نفسه يتحول إلى مساحة للتفكك، وإعادة التركيب في آن واحد.

تزداد قوة هذا الأداء حين يجد الممثل نفسه وجهاً لوجه مع الجمهور داخل المسرح ذاته، حيث يختفي الحاجز التقليدي بين المؤدي والمتلقي، وتصبح كل حركة وكل نظرة مكشوفة بالكامل، بلا مسافة تحمي التمثيل من هشاشته، فلم يعد الجمهور بعيداً عن الممثلة، بل أصبح على مسافة تماس مباشر معها داخل المسرح، وهذا القرب يضاعف هشاشة التمثيل، ويكشف كل ارتعاشة وكل صمت وكل نظرة، لكنه في الوقت نفسه يفتح مساحة جديدة للصدق الأدائي. يصبح الجسد غير قادر على الاختباء خلف المسافة المسرحية التقليدية، ومن هنا تتحول الممثلة آية باني إلى مركز ثقل حقيقي داخل العرض، ليس فقط بوصفها مؤدية، بل بوصفها جسداً يفكر ويقاوم ويتشظى أمامنا، في ترجمة حسية دقيقة لما يسميه النص الأصلي بـ “الانهيار الداخلي الصامت”.

 المسرح مكان للعيش

لا يمكن فصل تجربة “ذهان 4:48” عن اشتغالها العميق على الفضاء المسرحي، الذي لم يعد مجرد إطار بصري يحتضن العرض، بل تحول إلى بنية حية تعيد تشكيل العلاقة بين المتفرج والجسد المسرحي، فالعرض يقوم على كسر الحدود التقليدية بين القاعة والخشبة، فيجد الجمهور نفسه داخل الفضاء نفسه، الذي تتحرك فيه الممثلة، في وضع يلغي المسافة الآمنة المعتادة في التلقي المسرحي.

هذا التحول يجعل من المسرح مكاناً للعيش أكثر منه مكاناً للمشاهدة، فالمتفرج لا يراقب الحدث من الخارج، بل يصبح جزءاً من المجال الحسي الذي يتكوّن فيه العرض، محاطاً بالضوء والصمت والجسد والحركة، من كل الجهات، وهكذا تتغير وظيفة الفضاء من كونه خلفية للأحداث إلى كونه عنصراً فاعلاً في إنتاج المعنى المسرحي.

ومن هذا المنظور، تندمج السينوغرافيا داخل هذا التصور كجزء من هندسة شعورية دقيقة، لا تهدف إلى التزيين أو بناء صورة جمالية مستقلة، بل إلى خلق حال نفسية متوترة، تعكس العالم الداخلي للشخصية، فالعناصر الحركية، بتوزيعها وإيقاعها وفراغها، تسهم في تكثيف الإحساس بالضيق والتشظي، وكأن المكان نفسه يختنق.

يشارك الجمهور الخشبة مع الشخصية، لتصبح السينوغرافيا تجربة حسية مباشرة، لا وسيط بينها وبين المتلقي، فلا يعود الفضاء شيئاً يُرى من الخارج، بل يصبح مجالاً يُعاش من الداخل، ويُدرك بالجسد قبل العين، مما يضاعف أثر العرض، ويجعل المتفرج جزءاً من بنيته الشعورية، ولا يبدو هذا الاختيار مجرد قرار تقني، بل جزءاً من رؤية جمالية، ترى في الفضاء عنصراً درامياً بحد ذاته، فالمكان ليس محايداً بل مشحون بدلالات الانغلاق والاختناق والارتباك، بما يعكس العالم الداخلي للشخصية التي تتفكك تدريجياً أمام أعيننا.

في نهاية مسرحية “ذهان 4:48″، لا يخرج المتفرج محملاً بحكاية مكتملة، بل بأثر تجربة تتجاوز حدود السرد إلى حدود الإحساس، تجربة تضعه أمام أسئلة تتعلق بالهشاشة الإنسانية، وبالعلاقة بين الفرد والعالم، وبقدرة المسرح على الاقتراب من المناطق الأكثر ظلمة في النفس البشرية، من دون تبسيطها أو تحويلها إلى خطاب مباشر.

محمد عربي – إندبندنت عربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!