Uncategorized

ثنائية التتويج والخلع في فعالية السوشل ميديا.!

تعتمد فعالية السوشل ميديا على ثيمة رئيسة هي ثيمة التتويج والخلع، تماما كما رأينا ذلك في كرنفال باختين، وإسقاط مفهوم “الكرنفالية” عند ميخائيل باختين على هذا الفضاء الرقمي، يحوله من مجرد أداة تواصل إلى “ساحة طقسية” دائمة الحركة.

وقبل الحديث عن ذلك يجب الإشارة إلى أن ثنائية التتويج والخلع تشير في سياق أعمق إلى سيرورة القدر من حيث التجدد بالولادة، والفناء بالموت.

ثمة نوعان من الأنظمة، نظام قائم بذاته ونظام يكتمل مع غيره، وأدوات التكنولوجيا وجميع وسائلها وتطبيقاتها تنتمي أنظمتها إلى النوع الثاني من الأنظمة، في حين أن نظام الابتكارات والحياة بمختلف وسائلها ومجالات ما قبل عصر المعرفة كان ينتمي في نظامه إلى النوع الأول وهو الأنظمة القائمة بذاتها.

وبما أن فعالية السوشل ميديا هي جزء من وسائل التكنولوجيا كان لابد أن يكون نظامها تفاعلياً لا يكتمل إلا مع غيره؛ من هنا نجد أن فعالية السوشل ميديا فيما تتناوله، وكشرط لدوام سيرورة التجدد فيها، لا بد من عملية تتويج سواء على صعيد الأفراد من حيث عملية النشر أو من خلال التناول الجماعي لظواهر الحياة واحداثها، فالمنشور الجديد هو بمثابة تتويج لحدث أو موقف أو فكرة أو حالة، وهذا التتويج ينطوي على موت/خلع ما قبله من منشور، وهذا على الصعيد الفردي، وأما على الصعيد الجمعي فكل ظاهرة من ظواهر الحياة أو حدث من أحداثها كموت شخصية عامة أو ذكرى ولادة أو ذكرى وفاة لشخصيات ملهمة أو فعل ينطوي على الغرائبية في الأوساط الاجتماعية أو حدث مهم من أي نوع فإن تناوله من قبل الجميع في فعالية السوشل ميديا يعتبر تتويجا/ولادة وينطوي على خلع/موت ما قبلها من أحداث وظواهر وأفعال تناولها الجميع وتحدث عنها.

وهكذا تبدو فعالية السوشل ميديا كـ “زمن دائري” لا تراكمي، يعمل على تكييف الفعالية الرقمية كأنظمة لا تكتمل إلا بالآخر؛ فهذا “التتويج” اليومي ليس ترقياً في سلم المعرفة، بل هو استهلاك لحظي. التتويج هنا هو “تصدر الترند”، والخلع هو “النسيان التلقائي” الذي تفرضه خوارزميات التحديث (Feed). نحن أمام “كرنفال” لا يهدأ، حيث يُرفع “الملك” (المحتوى المتصدر) على الأكتاف في الصباح، ليُخلع عن عرشه (يُنسى) مع حلول المساء، ليفسح المجال لتتويج جديد.

ومن هذا نجد أن المهمة المنوطة بالإنسان في فعالية السوشل ميديا هي مهمة وظيفية وليست مهمة جوهرية، حيث تحول الإنسان من كائن “صانع للمعنى” (بالمفهوم الكلاسيكي) إلى “موظف” في سيرورة التتويج والخلع.

وهذا هو جوهر “الاغتراب الوظيفي” في عالم السوشل ميديا؛ فهي وظيفية من حيث أن شرط تحقيق التفاعل مع المحتوى الذي ينشره الفرد هو الاستمرارية في التتويج/والخلع وشرط بقاء الجماعة في الحيز الاجتماعي هو أيضاً التفاعل والاستمرارية في عملية التتويج/والخلع اليومي.

نعم هكذا يبدو الإنسان كـ “وظيفي” لا “جوهري” في هذه الفعالية، وهذه نقطة حاسمة؛ فالأفراد في السوشيال ميديا يتنازلون عن ذواتهم “الجوهرية” ليصبحوا مجرد “مرسلات” في شبكة التتويج. إذ أن الإنسان هنا يعمل بوقاً للحدث؛ فبقدر ما يسرع في “تتويج” الحدث الجديد (المشاركة، الإعجاب، التعليق)، يضمن لنفسه مكاناً في المشهد.

وهذا ما يفسر “اللهاث الرقمي”؛ حيث يصبح الصمت أو عدم المشاركة خروجاً من دورة الحياة الرقمية (الموت المجازي في الفضاء الافتراضي). إن فعالية السوشل ميديا إنعكاس للواقع والحياة الاجتماعية وفيها يختلط المدنس بالطاهر، والبريء بالمجرم، والطيب بالخبيث، والخير بالشر، وبقدر ما يملكه الأفراد من المرونة بقدر ما يمكن أن يحققونه من نجاحات في هذه الفعالية، وبقدر ما تلغي فعالية السوشل ميديا التراتبية في المجتمع والمركزيات والحواجز التي كانت تتميز بها الحياة الاجتماعية الواقعية، بقدر ما تؤثث لمجتمع خال من الأمراض الطبقية التي سادت كثيرا في العصور الماضية.

وتعد إشكالية إلغاء التراتبية و”ديمقراطية الفوضى”، أو إلغاء المركزيات والحواجز، إشكالية عميقة من حيث إثباتها لتسطح الفضاء الرقمي حيث يختلط “المدنس بالطاهر” وهذا يعيدنا أيضاً إلى فلسفة باختين في “السوق الكرنفالي”، حيث تسقط الأقنعة والهيبة الاجتماعية. لكن التحدي الذي نطرحه هنا هو “الحكمة في الانتقاء”؛ فبما أن التراتبية قد سقطت، أصبح عبء التمييز والارتقاء بالمحتوى ملقىً بالكامل على كاهل الفرد، وهو تحدٍ أخلاقي ومعرفي ضخم في ظل غياب “الرقيب الثقافي”.

ويبقى تميز الأفراد بقدرتهم على إدارة هذه الثنائية التتويج/الخلع بحكمة وانتقاء ما يمكنهم أن يحتفوا به، أو يروجوا له في هذه الفعالية. يخلق هذا النظام مفارقة، نحن نعيش “تجدداً” مستمراً (تتويج)، لكنه تجدد لا يراكم معرفة، بل يراكم “أحداثاً”.

هذه السيرورة (التتويج/الخلع) تفرغ الوعي الجمعي من قدرته على التأمل العميق، بحيث نصبح “مجتمعاً للذاكرة القصيرة” بامتياز، وهو ما يفتح باباً واسعاً للتساؤل حول مستقبل الهوية الإنسانية في ظل خضوعها التام لهذه الماكينة الطقسية التي لا تكف عن التتويج والخلع.

هل ننتظر يوماً يمل فيه “الجمهور” من هذا التتويج المستمر، أم أن طبيعة الإنسان المعاصر باتت رهينة لهذا الإيقاع السريع؟

هايل علي المذابي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!