جماليات التلقي في مسرحية ‘ريم’ للكاتب طلال حسن
نادي أدب الطفل في اتحاد الأدباء والكتاب في نينوى يلقي محاضرة نقدية تحت عنوان 'جماليات التلقي في مسرح طلال حسن - مسرحية ريم أنموذجاً' بإلقاء من الناقد الدكتور فيصل القصيري في مقر الاتحاد، وإدارة الأديب بهجت درسون للحوار

أقام نادي أدب الطفل في اتحاد الادباء والكتاب في نينوى محاضرة نقدية تحت عنوان “جماليات التلقي في مسرح طلال حسن – مسرحية ريم أنموذجاً”، والتي ألقاها الناقد الدكتور فيصل القصيري في مقر الاتحاد، وأدار الجلسة الأديب بهجت درسون.
وذكر الدكتور القصيري، أن مسرحية ريم من أجمل المسرحيات التي كتبها الأديب طلال حسن والذي كان قد نشرها في مجلة الأقلام الثقافية العراقية في العام 1989.
وتطرّق الدكتور القصيري إلى أن الأديب طلال حسن كان كاتباً إشكالياً صعب المراس عصياً على التصنيف فهو كاتب للأطفال ولكنه من جهة أخرى يتوجّه بالكتابات إلى الكبار، مشيرا إلى أن الدارس لنصوص طلال يستطيع أن يجد عمقاً في نصوصه.
ولفت القصيري إلى أن نص طلال حسن بعيد الغور متعدد الطبقات حافل بالرموز بالغ الثراء والخصب وهذه الخاصية نوعية فيما يكتبه طلال حسن للأطفال والكبار قد لا يشبهه فيها كاتب آخر.
وأشار القصيري إلى أن للأطفال فيما يكتب طلال نسخة وثمّ نسخة أخرى تعبر عالم الأطفال نحو الكبار لغايات موضوعية وفنية وجمالية وربما فكرية، وقد ينطبق هذا على الكثير مما كتبه طلال في مجالات الإبداع المختلفة لذلك فهو يحتاج إلى القارئ النموذج الخاص القادر على النفاذ إلى أعماق الطبقات وصولا إلى جوهر النص وهذه مفارقة بالنسبة إلى كاتب أدب الأطفال حسب قوله.
ونبه القصيري في معرض حديثه أن الكاتب طلال حسن يعترف ربما على مضض بأن أكثر من صديق وفنان أشار إلى أن “مسرحية ريم ومعظم مسرحياته الأخرى أقرب إلى مسرح الكبار منها إلى مسرح الأطفال أو الفتيان على الرغم من أنها تتضمن الرؤية الخاصة بهذا المسرح”، وأضاف أن الكاتب طلال يحاول أن يجد تسويغا لذلك على سبيل الاستدراك بقوله “لكني أعتقد وبناء على خبرتي وقراءاتي ومشاهداتي لأفلام والت دزني المتقدمة أن كتاباتي للفتيان وليس للكبار وإن كان الكبار يمكن أن يحبوها ويتتبعوها بشغف وعلي أن أعترف بأنني أضرب في أرض بكر قلما طرقها كاتب عراقي أو عربي”.
ولفت القصيري إلى أن القارئ قد يظلم طلال بالفعل إذا اعتبره كاتباً خاصاً للأطفال فقط لذا يجب قراءة نصوص طلال بحذر وتأويل طبقاته النصية كما يجب وهذه خاصية كتابية قد لا تتوفر عند أغلب من يكتب للأطفال حسب قوله.
ويعتقد القصيري إلى أن توجّه الكاتب عبر قناة الصغار إلى عالم الكبار إنما يدخل من أبواب الاستعارة وقد يدخل في باب التمويه ويحيل الى فكرة الأقنعة المعروفة في المسرح منذ زمن الاغريق.
ونوّه القصيري الى ان طلال لعله اتخذ من الأطفال وسيلة لنقل أفكاره ورموزه واقنعته للكبار بهدف التمويه لكن هذا لا ينفي صلاحية ما يكتبه للأطفال، واوضح القصيري الى ان الكاتب طلال يلمّح بان بعض كتاباته وليست كلها تقرأ على مستويين، مستوى يقرأه الأطفال ويفهمونه ،ومستوى آخر ربما لا يفهمه جميع الأطفال ويفهمه الكبار فقط وهنا تكمن إشكالية كتابة النص عند طلال حسن.
وأكد القصيري أن نص طلال حسن يدل على غنى وخصوبة نصوصه من جهة وعلى تفرده وخصوصيته من جهة أخرى.
وأشار القصيري الى إننا نجد عملاً مسرحياً مكتملاً وناضجاً وكبيراً بمكنوناته ودلالاته حافلاً بالرموز والأفكار والشخصيات والأحداث وموجهاً للكبار أكثر من كونه عملاً فنياً لمجرد تسلية الأطفال والفتيان. مستدركا بأن طلال يحث الفتيان في كتاباته على اتخاذ مواقف إيجابية تجاه الآخرين ليكونوا عناصر خيرة وفاعلة في المجتمع.
وأوضح القصيري بان مسرحية ريم كبيرة بمعانيها ودلالاتها ومعطياتها ولا يمكن أن يكون المتلقي الطفل أو الفتى قادراً على فهمها وقادراً على هضمها وسبر اغوارها ولابد لها من متلقي خاص أو قارئ نموذجي من جيل الكبار بوصفها نصاً استثنائياً عالي الجودة. وتعد مسرحية ريم واحدة من أهم مسرحيات الكاتب التي نالت اعجاباً واستحساناً كبيرين عندما قدمت على خشبة المسرح حسب القصيري.
يقول الكاتب طلال حسن عن هذا العمل الكبير فيما يرويه الدكتور القصيري، إن مسرحية ريم هي أول مسرحية كبيرة ومهمة كتبتها للفتيان في عام 1989 نُشرت في العدد الخاص للمسرح في مجلة الأقلام وقدمت كمسرحية لفرقة النجاح في العاصمة بغداد وأخرجها الفنان المتمرس محمود أبو العباس مع نخبة من الفنانين المعروفين ولاقت استحسانا واحتفاء من الجمهور الذي شاهدها وأشاد بها وتابعها بمحبة.

وأكد القصيري بأن المسرحية كنص ذات تأثير بالغ في مجتمع التلقي لما امتازت به من أداء محكم تكشف عن حركية الدلالة وثراء اللغة وغنى الرموز وهي وإن كانت موجهة إلى الأطفال فإنها يمكن أن تقرأ على أنها مسرحية للكبار. وعزا القصيري ذلك إلى كونها ليست بريئة.
ولابد من الإشارة إلى أن أحداث مسرحية ريم المكونة من ستة فصول تدور كالتالي:
الفصل الأول
تستعد ريم، الفتاة البالغة من العمر سبعة عشر عاماً، للسفر برفقة والدها الشيخ الطبيب إلى قصر الأمير لعلاج ابنه الوحيد. قبل مغادرتهما، يمرّ بهما رجلان غريبان يطلبان المبيت. تشعر ريم بالريبة تجاههما، وتلاحظ حصانهما فتدرك أنهما قتلا شيخاً كان ضيفاً لديهما قبل يومين. لكن والدها لا يصغي لشكوكها. وأثناء إعداده الطعام للغريبين، يطعنانه غدراً طمعاً في المال، ثم يلحقان بريم لسرقتها وبيعها. يطلب الأب من ريم الفرار، فتتمكن من ضرب أحد المجرمين والهرب حاملة معها أدوية والدها.
الفصل الثاني
تتنكر ريم في زي فتى وتصل إلى سوق المدينة. هناك، نرى الشاب أحمد الذي يعاني الفقر والجوع والاضطهاد بسبب بثور في وجهه جعلت سيده يطرده ظناً أنه مصاب بالجدري. يرفض صاحب دكان الخبز بيع الخبز لأحمد ويطرده. في تلك اللحظة، يظهر المجرمان في السوق ويريان ريم فينقضان عليها. تستغيث ريم بالمارة وصاحب الدكان، لكن الجميع يخذلونها. يتدخل أحمد بشجاعة لحمايتها، فيشتبك مع المجرمين اللذين يضربانه بشدة حتى يكاد يموت. وعند وصول رجال الدرك، يهرب المجرمان، وبسبب شهادة زور من صاحب الدكان، يقود رئيس الدرك كلاً من أحمد وريم إلى السجن.
الفصل الثالث
في الزنزانة، تقترب ريم من أحمد لمساعدته امتناناً لموقفه. تكتشف ريم بخبرتها الطبية الموروثة عن والدها أن البثور في وجه أحمد ليست جدرياً بل بثور عادية يسهل علاجها، فتبعث فيه الأمل بالحرية. يدخل الحارس حاملاً طعاماً قليلاً، فتقنعه ريم بذكائها وفصاحتها بأنها قادرة على علاج نجل الأمير، وإلا ستتهمه بأنه لا يريد شفاء الأمير. يخاف الحارس ويوافق على نقل طلبها للأمير، وتكشف ريم لأحمد أنها أخفت أدوية والدها خارج المدينة.
الفصل الرابع
يحتدم نقاش بين الأمير والطبيب والوزير حول تدهور حالة نجل الأمير وفشل العلاج. يقرر الأمير مضطراً تجربة الفتى القادم من السجن. تدخل ريم بزيها التنكري، وعند مواجهة الأمير والوزير، تخلع غطاء رأسها فيدهش الجميع لكونها فتاة. تكسب ريم ثقة الأمير وطبيبه بذكائها وصدقها وأدبها، وتخبر الأمير بمقتل والدها الطبيب على يد المجرمين اللذين يطاردانها. يأمر الأمير الوزير بالقبض الفوري على المجرمين، وتصطحب ريم الطبيب لفحص الأدوية وعلاج نجل الأمير.
الفصل الخامس
تعلو أصوات الأفراح احتفالاً بشفاء نجل الأمير. يثني الأمير والطبيب على مهارة ريم ووفائها لعلم والدها. يكافئ الأمير ريم بمنحها حريتها ويعرض عليها البقاء في القصر، لكنها ترفض وتطلب مكافأة واحدة فقط: إطلاق سراح أحمد. تعترف ريم للأمير بوقوف أحمد الشهم إلى جانبها حين خذلها الجميع. يوافق الأمير مبتسماً ويأمر الوزير بإطلاق سراح أحمد فوراً، وتغادر ريم القصر رافضة أي أموال، مؤكدة أنها وأحمد سيعملان معاً في البادية ولن يحتاجا أحداً.
الفصل السادس
في المواجهة الأخيرة، يختبئ المجرمان بانتظار ريم لسرقتها وبيعها لملك جزيرة واق واق. يدخل أحمد متعباً بعد إطلاق سراحه وتلحق به ريم. يظهر أحمد غضباً تجاه ريم ظناً أنها تركته ونسيته، فتوضح له الأمر وتكشف له لأول مرة عن هويتها كفتاة، مما يصدمه. ينقض المجرمان فجأة على ريم ويسدون فمها. يندفع أحمد لإنقاذها ويشتبك مع الرجل الأول، بينما تتدخل ريم وتضرب المجرم الثاني ضربة قوية. ينجح الاثنان في السيطرة عليهما حتى يصل درك الأمير ويلقون القبض على المجرمين. في النهاية، يقرر أحمد اختيار ريم بإرادته الحرة، وتكشف له ريم عن اسمها لأول مرة، وينطلقان معاً في طريق واحد.
ويعدّ الأديب طلال حسن أحد أكبر كتاب قصص ومسرحيات الأطفال، وجمع في مسيرته مع التأليف التي امتدت لنحو ستة عقود، قرابة 1500 نص على شكل قصص ومسرحيات والتي نُشرت بشكل متتابع في مجلات الأطفال المعروفة في العراق والسعودية وسوريا والإمارات والأردن ولبنان ومصر.
ولد في مدينة الموصل عام 1939وأكمل تعليمه في مدينة الموصل، وتخرّج من مدرسة الإعدادية الغربية عام 1958، بدأ مسيرته كمعلم في مدرسة القيارة، ثم شغل عدة وظائف تعليمية في الموصل وضواحيها حتى تقاعده عام 1986.
كتب أول مسرحية للأطفال عام 1971 وقدم إنتاجا غزيرا في مجال قصص ومسرح الأطفال، شمل أكثر من 156 مسرحية وقصة للأطفال والفتيان، تناولت مواضيع ثقافية، اجتماعية وتراثية. ومن إصداراته البارزة: كتاب جلجامش، نداء البراري، وحكايات قيس وزينب ومسرحيات مثل الإعصار، إنكيدو، والنملة الصغيرة والصرصار.
وكرّمه اتحاد الأدباء والكتاب في العراق بالقلم الذهبي في العام 2017.
وقد تناول المختصون أعماله بدراسات أكاديمية ورسائل ماجستير ودكتوراه حول أدب ومسرح الطفل. ويُعتبر الكاتب طلال حسن من أبرز كتّاب أدب ومسرح الطفل في العراق، وإسهاماته شكّلت أساسا للعديد من الدراسات حول أدب الطفل في العراق والوطن العربي.
والدكتور فيصل صالح القصيري من مواليد 1957 في مدينة الموصل وهو شاعر وناقد عراقي، حصل القصيري على دكتوراه في فلسفة الأدب العربي الحديث عام 2005 من كلية الآداب بجامعة الموصل، وقد صدرت له العديد من البحوث والدراسات المنشورة في المجلات والكتب، وحصل بحثه الموسوم (أنثوية السيرة الذاتية – قراءة في سيرة فدوى طوقان) على المركز الأول بجائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي في محور الدراسات النقدية. والقصيري عضو اتحاد ادباء وكتاب العراق وعضو اتحاد الفنانين العراقيين وكذلك عضو نقابة الفنانين العراقيين.
وليد مال الله – MEO



