وجهة نظر : «المسرح الملكي»: أية برمجة لأي جمهور؟

«المسرح الملكي» تحفة فنية ومعمارية ومعلمة من معالم الرباط المعاصرة، تتكئ بشموخ على ضفة نهر «أبي رقراق»، بجانب «برج محمد السادس» حديث العهد بالإنشاء، وعلى بعد مئات الأمتار من «صومعة حسان» التاريخية وقصبة (قلعة) «الأوداية».
انتظر الفنانون والجمهور طويلاً هذه المعلمة المميزة، ورسم الكثيرون حولها قصصًا وأحلامًا وآمالاً، من أجل أن تكون جديرة برمزية وفخامة الاسم الذي تحمله. ولكن الإدارة الفنية حوّلت هذا المسرح إلى مجرد قاعة تحتضن السهرات الفنية؛ مما يجعل المرء يتساءل: أية رؤية وأي تخطيط يتحكم في إعداد البرمجة الخاصة بالمسرح نفسه؟ وأي جمهور مُستهدَف من نشاطاته؟
الغريب أن الحفلات الأولى للمسرح الملكي جاءت متزامنة مع سهرات مهرجان «موازين»، فاختلط الأمر على العديدين، خاصة حين رأوا إعلانات عن سهرات لحسين الجسمي وإليسا ودي دي بريدج واتر وحفل استيعادي للنجم الراحل مايكل جاكسون… فما الذي يميّز «المسرح الملكي» عن منصات «موازين» في «السويسي» و»حي النهضة» و»مسرح محمد الخامس» أو «سلا»؟ وكيف يمكن لتلك السهرات أن تضفي على برمجة المسرح المذكور خصوصية ما وتفردًا لافتًا؟
كنّا ننتظر أن يكون المحتوى الذي تقدّمه تلك المعلمة الفنية منسجمًا مع الروح التي طبعت حفل الافتتاح، وليس بالضرورة متماهيًا معها، روح الإبداع والابتكار ولمسة التميز والجاذبية، حيث استمتع الجمهور في الافتتاح بحفل مُستوعِب للانصهار الخلاّق بين كلاسيكيات الموسيقى الغربية وأصالة الفنون التراثية العربية والأندلسية والمغربية. ولكن هذه الروح لم تستمر بالألق نفسه، فصار الاكتفاء بالجاهز والعادي، في غياب عنصر المفاجأة والإدهاش.
طبعًا، ما زال «المسرح الملكي» في بداياته الأولى، وما زال بإمكانه التصحيح والمراجعة وتجديد الرؤية. هذا لا يعني أبدًا استبعاد السهرات العربية والغربية من البرمجة؛ فهي مطلوبة للتنويع ولتجسيد الانفتاح الدائم على فنون العالم. ولكن المُؤمَّل أن يتّسم هذا الانفتاح نفسه بتنويع المشارب الفنية. لمَ لا، أن تُقدَّم للجمهور ـ مثلاً ـ عروضٌ من التراث الموسيقي لبلدان شرق آسيا والمشرق العربي؟
كما أن «المسرح الملكي» مدعوٌّ إلى تجسيد الانفتاح على محيطه الثقافي والفني الوطني، واستلهامه في إنتاج أعمال خاصة، من خلال التعاقد مع مخرجين يقدّمون إبداعات تستمد مرجعيتها من التراث المغربي المتنوع، باعتباره ذخيرة مهمة ما زالت بحاجة إلى المزيد من النبش والاشتغال.
وعلى غرار المسارح الوطنية الكبرى في العواصم العالمية ذات التقاليد الفنية العريقة، كباريس ولندن وبرلين ومدريد، ننتظر من «المسرح الملكي» في الرباط أن يولي أهمية للعروض المسرحية والأوبرالية، لأنه في البدء والمنتهى مؤسسة مسرحية، من المفروض أن توازي بين استضافة إنتاجات دولية مرموقة وتقديم أعمال مغربية ذات نفس ملحمي تراثي منفتح في الآن نفسه على آخر الاجتهادات الإخراجية والسينوغرافية العالمية.
نأمل من البرمجة الشهرية لمؤسسة «المسرح الملكي» أن تخلف بصمة مميزة وأثرًا لافتًا، وأن تسهم في إثراء النقد الفني، وتعزيز الثقافة المسرحية، وخلق تقاليد المشاهدة الراقية لدى الجمهور المغربي.
وهذا يتطلب أيضًا اعتماد استراتيجية تواصلية قوية، تحقق للمؤسسة المذكورة الإشعاع المرجو، وتمدّ الجسور بينها وبين الفنانين والجمهور ووسائل الإعلام والشركاء الموجودين أو المحتملين.
الطاهر الطويل – الإتحاد الإشتراكي



