“في الداخل” مسرحية تستلهم سيرة كاتبة أميركية منتحرة
المخرج السوري محمد قطان اعتمد الأداء الحركي الراقص في صيغة بصرية

ملخص
يتجاوز الفنان محمد قطان في تجربته الجديدة “في الداخل” الأشكال التقليدية للأعمال المسرحية، ويحاول من خلال استلهام نص “ورق الجدران الأصفر” للكاتبة الأميركية شارلوت بيركنز غيلمان (1860-1935)، تحقيق تكويناته البصرية. اعتمد قطان على دمج الرقص مع تقنيات الإضاءة الذكية والفيديو مابينغ لتجسيد عزلة امرأة تعيش مرحلة كآبة ما بعد الولادة، فيما يجاهد زوجها الطبيب عبثاً للإشراف على علاجها.
تدور أحداث مسرحية “في الداخل”، (مسرح فواز الساجر) ضمن قصر شبه مهجور لجأ إليه كل من شارلوت (صبا الصالح) وزوجها الطبيب جون (عزام فاروق) بهدف الاستشفاء. تعاني شارلوت، وهي الرواية في القصة الأصلية، من كآبة ما بعد الولادة منذ أن وضعت طفلتها الوحيدة. تنقضي الأيام والليالي فيما تكافح المرأة للتغلب على هلوساتها، لكن عبثاً تتخلص منها، فأوراق الجدران الصفراء تزيد من سوء حالتها العقلية، فتتخيل الأزهار والرسومات المنقوشة على الجدران وكأنها تبرعم سلسلة من عشرات الضفادع للانقضاض عليها. التشويش العقلي ليس شيئاً هنا أمام الحظر الصحي الذي يفرضه الزوج على شريكة حياته، والذي يسميه “خللاً أنثوياً”، فيما تطلق عليه شارلوت: “حريتها المحبوسة”. وتضيف: “احذروا من الممكن أن تعترفوا بها”.
“الحالة رقم 736” هو رقم بالنسبة لامرأة ترفض الاعتراف بمرضها. يحاول العرض السوري (المعهد لعالي للفنون المسرحية) تشريح ذلك من خلال حكاية هذه السيدة التي ينعتها زوجها بأنها تعاني فرط الخيال والرغبة في الحرية والكتابة والحب، وبأنها تقول لا لكل شيء حتى للدواء، وفيما يعتقد شريك حياتها بأنه يقوم بعلاجها وتوفير الراحة القسرية والعزل لها، تؤول الأمور إلى الأسوأ، مما يجعله يمنع عنها القراءة والكتابة وحتى الأقلام والورق. كل هذا لا يفضي إلى شيء، فالمرأة لا تفتأ تردد منذ بداية العرض: “طبيعتي التي لا تعرفونها ولا تريدون معرفتها لا في الراحة ولا في العزل، ولا في الامتناع عن التفكير، بل في الهدوء والطاعة”.
وتواصل شارلوت إضرابها غير المعلن على كل أنواع الترويض أو الامتثال للعلاج، فهي تعتقد أن ثمة امرأة مسجونة مثلها خلف رسومات الجدران الصفراء. تصف ذلك في القصة التي نشرتها عام 1892 وكانت من بواكير الأدب النسوي الأميركي، وأودت بصاحبتها إلى الانتحار بعد صراع طويل مع مرض سرطان الثدي. الوصف ليس على حساب السرد في العرض ومثله في القصة. اتخذ المخرج من غثيان المرأة وإهلاسها مناخاً لتقديم مستويات من المعالجة الحركية (كريوغراف يارا عيسى)، فلقد صوّر قضبان غرفة النوم والأرضية المثقوبة وغرفة الأطفال الكبيرة التي تقع في الطبقة العليا من البيت (سينوغرافيا ساما مسعود). أجواء لا تلبث أن تصيغها الحركة الراقصة ضمن ما يشبه متاهة من ظلال أقرب إلى أحلام يقظة.
المرأة اللامرئية
يصور المخرج لعالم المرأة اللامرئي من خلال عيون تنظر من الجدران وشخصيات تظهر وتغيب عبر رسوم الحائط. أشباح تطارد السيدة فيما يعتقد زوجها أنه بقسوته عليها يقدم لها الدواء المُرّ. حالة من عدم الرضا الممزوجة بالشفقة والتعاطف لا ترتضي بها شارلوت، فتحاول العودة إلى الكتابة للسيطرة على هواجسها وأنها سوف تكون بخير، لكن الأمور سرعان ما تخرج عن سيطرتها، فالأطياف التي تتجلى لها وحدها تزيد في ظهورها بحكم غياب زوجها الطويل عن المنزل رفقة مرضاه في المستشفى. الأمر الذي يدفعها بقوة نحو الانهيار العصبي، فتمزق أوراقها تارة وتحاول الاختباء تارة أُخرى، لكن عبثاً فالأصوات والصور تعاود الظهور لها في ردهات وممرات القصر الذي سمعت عنه بأنه مسكون بأرواح أطفال سكنوه في زمن ما مضى.
ويتابع العرض (مختبر دمشق للفنون البصرية) معالجته اللافتة ضمن صراع بين المرأة وزوجها الذي لا يقيم وزناً لهواجس امرأته، فهو رجل علم ولا يؤمن بتلك الأساطير عن الأرواح والبيوت المسكونة، بل يصر على أن مريضته تناور من أجل التهرب من تناول جرعات الدواء. سيسوء الوضع أكثر مع بكاء الطفلة في الغرفة المجاورة، إلا أن الخادمة ماري ستقوم برعايتها، لكن شارلوت سوف تعود إلى سيرتها الأولى، فالكتابة التي تؤمن بها كعلاج من وسواسها القهري سوف تودي بها إلى نوع من صراع داخلي، إذ تلتبس عليها شخصيات قصتها مع شخوص من الواقع، الأمر الذي يدفع مجدداً لنكوص حالتها الصحية، وربما التفكير بقتل طفلتها الصغيرة، لكنها تتراجع عن هذه الفكرة بعد وصول الزوج على حين غرة إلى البيت.
ويناقش العرض بطريقة غير مباشرة ما يسمى “الملامح الأمومية للبيت” كما يطلق عليها الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار (1884-1962) في كتابه “جماليات المكان”. فالحركة لا تستطيع تسريع الذاكرة لدى المرء، والأماكن التي عانينا فيها من الوحدة تظل راسخة في داخلنا. مثلها مثل بيت الطفولة الأول الذي يمنحنا الألفة والرغبة في استحضار الماضي على شكل أحلام يقظة. وهذا ما جعل شارلوت تعيش حيوات أشخاص وأسر عاشوا في البيت من قبلها، وكافحت طوال الوقت للعثور على أصواتهم وصورهم، لا سيما امرأة تشبهها لا تظهر بجلاء إلا تحت ضياء القمر من خلال رسومات أوراق الجدران الصفراء.
ينتهي العرض بتمزيق شارلوت لأوراق الجدران لتخرج المرأة المسجونة منها، فتحت ضياء القمر تشعر الكاتبة أنها متأكدة من وجود ما تعتقده شخصاً قريناً لها. يحدث ذلك بينما يحاول الزوج فتح باب الغرفة المغلق بعد أن يسمع جلبة تنبعث من الداخل، وعندما ينجح في ذلك يفاجأ بأن امرأته تزحف على أربع وهي تفرك جسدها بأوراق الجدران الممزقة، فيسقط جون مغشياً عليه من هول الصدمة، فيما تتابع شارلوت الزحف فوق جسده جيئة وذهاباً. مشهد ختامي تدلف فيه شخصيات من بين الجدران بأزيائها السوداء وهي تحاكي حركة المرأة تجمع ما تيسر لها من أوراق قصتها، فيما تعلو الموسيقى وتعتم الخشبة على صرخة وحشية نسمعها في الظلام.
وجسّدت كل من الراقصات (لانا حمزة، وجونا رضا، وليال جبر) متتاليات الحالة النفسية للسيدة المريضة، فمن المرأة الناضجة الرشيدة، إلى دور كاتبة تعاني كآبة ما بعد الولادة، وصولاً إلى شخصية المرأة التي تدخل في نوبة فصام حاد تجعلها حيرى بين الجمادات والأشخاص، وتكاد لا تفرّق بين ما هو مادي ملموس وما هو من اختلاق خيالها. ثلاثية واكبتها تقنية الفيديو مابينغ (حمزة أيوب) في رسم حجرات القصر المهجور وغرفه الواسعة، وكذلك تجسيد عالم الجدران المغلّفة بالأوراق الصفراء. تقنية قام محمد قطان في توظيفها للإيحاء بالعالم الداخلي للمرأة وذهانها واضطراباتها الصعبة، في حين جعل المخرج من الموسيقى المختارة من موقع الفيديو العالمي (يوتيوب) مناخاً رمزياً موازياً.
سامر محمد إسماعيل – إندبندنت عربية



