مقدمة في انثروبولوجيا العالم الرقمي!

في عالم السوشل ميديا عرفت أشخاصا ذوي موهبة حقيقية لولا أنهم لا يعرفون عنها شيئا، وأعمالهم في مجال آخر تماما غير ما وجدتهم يجيدونه، مثلا، هناك من له عين الكاميرا السينمائية، حيث لا يضع إعجابا بشيء إلا وهو مهم بحق إلى درجة عالية جدا، كما ولا يشارك شيئا إلا وهو يستحق من حيث الموضوعية والخلو من أي إساءة ظاهرة أو مضمنة لفرد أو جماعة أو مؤسسة، بمعنى انه حتى مشاركاته واعية ومسؤولة. وفي سياق القضايا القومية بالمثل أيضا تجد عينه السينمائية مثل عدسة عين السمكة في عالم الكاميرات إذ تحيط بكل شيء لكنها لا تركز أو تقترب إلا مما له علاقة بتلك القضية وعلاقة حيوية جدا وبما يخدمها فلا حشو في تفاصيل رؤيته ولا إسفاف أو إسراف أو استطراد، والأمر لا يختلف كذلك في اعجاباته ومشاركاته وانتقاءه لأصدقاء صفحته في السياق العام أو في سياق القضية. هذا الصنف يمكن القول أنهم مخرجين بالفطرة، وكتابا بالفطرة، ولديهم موهبة حقيقية يحتاجها المسرح بشكل رئيس والسينما أيضا لولا أنها غائبة نسبيا ويتعذر الوصول إليها في الوسط العربي.
هذا الصنف هو ما يمكن أن نسميه “المحرر العضوي” للواقع. امتلاكهم لـ “عين سينمائية” في اختيار ما يُشارك أو ما يُعجب به، هو في جوهره ممارسة لعملية “المونتاج” قبل حدوث الحدث. هم لا يستهلكون السوشل ميديا، بل “يخرجونها” كمنتج ثقافي يخصهم، من خلال الانتقاء الذي ينم عن ذائقة بصرية وفكرية حادة.
إنهم المبدعون المفقودون الذين غيبتهم المؤسسات الثقافية، لأن موهبتهم ليست في “الصنعة” بقدر ما هي في “الرؤية” (Vision)، وهو المكون الأندر في المسرح والسينما العربيين اليوم.
الصنف الآخر هو الجهة المضادة لأصحاب تلك الملكَة وهذا الصنف يشبه “حاطب الليل” كما يقول المثل العربي، فهو يقبل ويرسل الطلبات للصداقة لأي شخص باسم حقيقي أو مستعار أو حتى بدون اسم بعلم أو بدون علم باهتمامات أو بدون اهتمامات، ولا يجد هذا الصنف حرجا في وضع الاعجابات لأي منشور كان مهما بلغت تفاهته أو اساءته للاخرين وكذلك الأمر ذاته في مشاركاته ومتابعاته وتعليقاته، إلى درجة أنك تشعر بأن أمثال هؤلاء فقط يمكن أن يعملوا في عوالم الظل من كل شيء فقد يكونوا مجرمين وقد يكونوا مخبرين لولا أن لا أحد يستطيع أن يميزهم أو يقتفي لهم أثرا بسبب عشوائية اهتماماتهم لكن لمن يفهم فهم لا يتبعون أي من ذانك العالمين لا الظل ولا الحقيقي وكل ما يحدث من تخبط هو انعكاس لما يحدث من تخبط بدواخل نفوسهم.
أما الصنف الثالث والأخير فهو لا إلى الأولين ولا إلى الآخرين بل هو مقام متوسط بينهما مثلما تتوسط الرداءة بين مقام الموهبة وبين مقام اللا موهبة.
وثمة صنف يمكن تسميته بالصنف الشاعر في عالم السوشل ميديا ولا أعني هنا أنه يكتب الشعر بل هو صاحب موهبة حقيقية في كتابة الشعر، كيف؟
في منشوراته لا تجد سوى التفاصيل الجوهرية الحيوية لما يقوله ويخبر به سواء كان نصيا أو بصريا صورة جامدة أو فيديو، وهو شاعر من حيث الطبيعة التي ينبغي للشاعر أن يتميز بها وهي القدرة على التكثيف، وأيضا من حيث التجريد الذي يجيده ويمتلك أدواته.
هايل علي المذابي



