أخبار مسرحية

هل المبدع يجب ان يكون مهموما

ليس الإبداع فعلًا معزولًا عن الحياة، ولا هو مجرد مهارة تقنية أو موهبة فطرية، بل هو حالة من القلق المعرفي والبحث الدائم عن أفق جديد. فكل تجربة فنية حقيقية تنطلق من سؤال، وكل سؤال يولد من همٍّ يتجاوز الذات إلى الإنسان والمجتمع والثقافة. ومن بين الفنون جميعها، ظل المسرح أكثرها التصاقًا بهذه الأسئلة، لأنه فن يتجدد بالحوار، ويختبر باستمرار علاقته بالواقع وبالتحولات الحضارية. ومن هنا يبرز التساؤل: هل يكفي أن يحمل المبدع هموم الواقع ليحقق الإبداع، أم أن الهم الحقيقي يكمن في القدرة على تجاوز المألوف، وابتكار أشكال جديدة للتعبير تواكب روح العصر؟ هذا ما تحاول هذه القراءة مقاربته من خلال تأمل العلاقة بين الإبداع، والهم، وفلسفة المسرح بوصفه فنًا جامعًا لمختلف الفنون.

فثمة قول تختزنه الذاكرة ان تبدع يعني ان تكون مهموما قول اخري قديم جدا وعصري جدا ورد الينا من الذين اجتهدوا في بدايات التأسيس لفن المسرح مفاده، ان المسرح ابو الفنون وحين يسعي الفرد المسكون بهم المسرح وفنه ، نحو تأمل القولين ، يكتشف بشيء من التمعن ارتباط لقولين ببعضهما ارتباطا يكاد ان يؤسس استفزازا اختياريا للمهمومين بفن المسرح علي  مدي الدهر المسرحي المستقبلي للمنجذب للأنية او المستكين لمفردات وأساليب المنجز من الطرائق المسرحية .

يقول عبدالله يوسف في ما كتب: هناك من المسرحيين من تسرع في استيعاب القول الأول في مراحل التسيس لفن مسرحي عربي ضمن السياق السياسي الجرف الذي عاشته وعانت من كبواته ، المجتمعات العربية ، حتي كاد (الهم ) وهو شرط الابداع في القول الأول ان يكون في وجهة نظر أولئك المسرحيين هو الاعتناء ولا وخير . جملة وتفصيلا ن في النصوص والعروض المسرحية – بالموضوعات السياسية الفاقعة – التي عادة ما تغيب عن ذهن المسرحي ، الأهمية القصوى للشكل المسرحي ، معتقدين ونحن كذلك مثله ، بان تلك الموضوعات هي لهم الاوحد كي يتحقق الابداع في عروضنا المسرحية. الا من شد عن ذلك من المسرحيين العرب. وهم قلة في تلك الفترة علي كل حال ومازالوا قلة حتي هذا الحال .

والاعتناء بالهم السياسي يفي سياق التجربة المسرحية العربية التي هي أساسا فن مكتسب من حضارات اخري. قد اخر كثيرا في راي تطلعات الفنان المسرحي وحصر إنجازه في عروض مسرحية تقريرية فاقعة المضامين هزيلة المردودات البصرية والحسية الأخرى ، مما ادي الي تربية جمهور عريض ن ومسرحيين كثر ، هم تعاطيهم المسرحي ، محتوي العرض كمضمون ، لا قوالب العرض وأسلوب الطرح  وافاق البحث المتنامي عن جديد يتجاوز السابق من الرؤي التقنية والبصرية وتوظيف قيم لفنون الإبداعية الأخرى .

وبالتالي منذ الستينات وانتهاء بالثمانينيات ، تراكمت عروض مسرحية اغفلت ، دون قصد في اعتقادي أهمية تنمي الشكل المسرحي كي يوكب التطورات الحضارية الهائلة التي اجتاحت الحياة العربية وولدت انماطا حياتية ما عادت برتابة الماضي في الفن ولحياة وعليه صار الجمهور العربي بحكم ما تعود عليه ،يبحث عن تقليدية طرح المضامين في المسرح سواء لكوميدية او الترائية ويعزف عما طرحه المسرحيون للاحقون من عرضو مسرحية تخلت عن فقاعة المضامين التقريرية الوعظية المباشرة وتجوزته نحو  عروض تبحث ثفي التقنيات ومعني الثقافة المعاصرة ، وهموم الحياة العصرية بأشكال تعبيرية حديثة تمس شفاف الروح ورجحة العقل .

ان ارتباط ما ذكرناه يقول ، لمسرح أبو الفنون وشيق الي ابد الحدود ، ذلك انه ذا سلمنا بان المسرح انعكاس لحياة اي مجتمع فان المسرح العربي لم يجانب النجاح بمعناه الحضاري ، في العديد من تجارب العروض المسرحية ن لتحقيق ما سلمنا به.. وصارت الفنون الأخرى التي حظيت بأبوة المسرح من وجهة نظرنا كمسرحين هي : انص ، الممثل التقليدي (بمعني مالك الموهبة الفطرية المصقولة دراسيا في بعض الاحيان ، ولا اكث من ذلك ) المخرج الذي يتخلص معني الإخراج لديه في حويل النص المقروء الي عرض حي ، يستعد لتنفيذه كل المنجز لسابق من اساليب الإخراج ومدارسه : الديكور (الذي لا يجرؤ مصممه ، تجاوز وحدة المكان التي يطرحها المؤلف في بداية كل فصل ، كي يصير وعاء حياديا باردا تدور فيه الاحداث ، الاكسسوارات التجميلية الاعتيادية /: المكياج الفاقع الموسيقي والمؤثرات التي غالبا ما تكون رتيبة وغير مدروسة ن باختصار نكون امام عرض مسرحي تقليدي رتيب ، لاي يستشرف المستقبل ولا يبحث في قل التطور ، ولا يقرأ  منفذوه مقولة المسرح أبو الفنون قراءة جديدة معاصرة ، وبالتالي يخفت معني الهم لمحرض علي الابداع . القراءة العصرية الراهنة في تقديري تتجاوز بكثير هم البحث عن موضوع لان المواضيع متاحة علي قرعة الطريق لكن هو وعي الموضوع وتقديمه من خلال الوعي بقيم كل الفنون البصرية والسمعية والذهنية والسعي لاكتشاف اشكال لم تقبع في قاموم المنجز من اشكال مسرحي هو الهم الذي يتحدى التجربة المسرحية العربية كي تتمكن بجدارة من دخول الالفية الثالثة متسلحة بإنجازات حديثة هائلة .

ان الفنون التي قيل ان المسرح ابوها في مستهل التجربة المسرحية بمثابة ركائز  تقليدية في فن المسرح ،والمسرح كفن ليس معنيا بالثوابت ، بل بالمتحول ، من هنا في راي تكمن أهمية قراءة مقولة : المسرح ابو الفنون : قراءة تواكب العصر وتؤسس المستقبل ، حيث لم تعد شئنا ام ابينا تقنيات وأساليب ا لعرض لمسرحي ، ولا الحياة ذاتها مرهونة بثوابت المضامين .:وربما القصور في استيعاب ذلك هو ما ادي الي توقف عطاء بعض المسرحين العرب ،والزمن كما عرفناه .. لا يتقوف عند تجربة الا بحدود ما اضافته من جديد علي المنجز السابق . هكذا يقرأ التاريخ تجارب المبدعين ويفرد لها حيزا في الذاكرة وهي تتشكل وفق معطيات التكنولوجيا السريعة الإيقاع .

ذلك تصور بمثابة وجهة نظر شخصية تحتمل الصواب والخطأ. وفسحة المناقشة فيها وحولها متاحة الي ابعد حد . كي نتمكن من تأسيس منعطف حاسم تلحم من طرفيه مقولة ان تبدع يعن ان تكون مهموما، مع مقولة ، المسرح ابو الفنون ، حيث الهم هنا لا يعني المضوع ، فكل المواضيع مكررة منذ سوفوكليس حتي لان . وليس لنا شرف الادعاء بإنجازات مسرحية متميزة في الحيز الأكبر من العروض، كما نحاكي المنجز السابق وننسج علي منواله .

وقليل جد من شد عن ذلك وابتكر طرق واساليب نأت بتجربة مبدعها عن المنجز. وذلك لا يعني خلو التجربة من تجارب تندرج في إطار الطموح الممول حدوثه لمستقبل المسرح العربي في الالفية الثالثة. فتحارب سعد الله ونوس وتصوراته ماثلة متراكمة في اطر التنظير والممارسة الفعلية جنبا الي جبن مع تجارب جواد الاسدي، روجيه عساف ، فوز الساجر ، لطيب الصديقي ، عوني كرومي ، قاسم محمد ، نضال الأشقر،، واخرون. يبقي ان تعميق ذلك وابرازه علي المستوي الإعلامي يكسب أهمية بالغة ونحن عند عتبات الالفية الثالثة ، فالعروض المسرحية العربية التي تحاكي المنجز وتسج علي منواله منذ يعقوب صنوع وابي خليل القباني لغاية الان تحتل المساحة العظمي في خريطة العروض المسرحية وتستأثر ببياض جل صفحات الجرائد والمجلات المتخصصة .

من يتبلور مفصل تطلعات الفنان المسرحي العربي في الالفية الثالثة حيث تأمل المنجز الماضي والراهن في التجربة المسرحية العربية. تأملا واعيا هادفا اختراقه بجسارة ووعي لتحقيق التطلعات الجديدة في الممارسة المسرحية، بتحقيق عروض تستنبط مفردات صياغتها علي كل المستويات والتفاصيل التقنية والمعرفية، من زخم الحياة العصرية للمجتمعات العربية .

نحن بحاجة للتعاضد الخلاق فيما بيننا كمسرحيين وبين الطليعة المتميزة المعاصرة من الكتاب العرب في القصة والرواية والشعر ، والمتميزين الحداثيين من الموسيقيين والفنانين والتشكيليين .

نتمنى ان تكون الالفية الثالثة بوابة الحضارة الجديدة التي علينا كمبدعين ولوجها بفن مسرحي عربي يكشف بلادة وهشاشة ما يعرضه بعض المسرحيين المهمومين بسعر تذكرة الدخول وعدد جمهور الصالة، والسعي منهم لاستبدال المسرح واسباغ مفهوم الكباريه علي معناه السامي .

نامل ان يرقي فن العرض المسرحي الي مستويات المتميز والراقي في الادب العربي قديمه وحديثه في القصة والرواية والشعر والموسيقي والفنون التشكيلية .

نتمنى ان تتلاحم، ضمن توجه صادق مسؤول جهود المسرحيين والادباء مع جهود الموسيقيين والفنانين التشكيليين. ذلك ان العديد من جوانب الفن المسرحي وقيمه معطلة وغير مستثمرة في مجال البصريات التشكيلية حيث يسود اعتقاد في أوساط الفنانين التشكيلين بانه لا توحد ثمة علاقة تربطهم بفن المسرح ، وربما بنفس الشعور يخالج  بعض الساذجين المسرحيين ، في ان التجربة المسرحية العالمية قد تنامت واستقام عطاؤها المتميز الفاعل في المجتمع حي تمازجت مع كل الفنون الابداعية المتاحة ، وتلك حقيقة باهرة .

لم يعد السياق المسرح العلمي مكبلا بنظريات وطقوس التأسيس الاولي ولم يعد المخرج فقط هو سيد اللحظة المسرحية. بل صار الكل في تجسيد العرض المسرحي مطالبا بشمولية المعرفة.

بات المسرحي، اكثر من غيره منوطة به مهمة ممارسة كل لفنون ، ان تولدت في تكوينه موهبة ذلك ، او الاهتمام الفعلي بكل ذلك ضمن حيز حياته الثقافية اليومية بشكل عمل صادق متنام .

المسرحي، مخرجا ، ممثلا ، سينوغرافيا ، هو الاكثر مطالبة الان مناي وقت مضي ، يفتح منافذ عقله وتجربته ، للفنون الابداعية الأخرى والثقافة العامة وتجارب لحياة اليومية ن فهي زد مخيلته الذي لا ينضب للابتكار الخلاق في فن المسرح .

نتمني علي المسرحيين العرب المتميزين اختراق الاعلام المقروء والمسموع والمشاهد، والالتحام اكثر واكثر بقضايا وهموم شرعهم العربي . والعمل علي طرح بدائل رصينة مكثفة ضمن خارطة العروض المسرحية لموغلة في محاكاة المنجز . والمتعهدة بإثبات انه ليس في الإمكان افضل مما هو موحود ، ونامل ان تحقق ذلك ان  صدقت لنوايا وانبذت الانانية وصار هم المسرح  محرضا حياتيا وشاغلا يوميا ودافعا لإبداع مستقبلنا المسرحي المأمول

وهكذا يبقى الإبداع الحقيقي فعلًا لا يعرف السكون، لأنه يقوم على القلق الخلّاق، والمراجعة المستمرة، والقدرة على تجاوز ما تحقق نحو آفاق أكثر رحابة. وإذا كان المسرح قد استحق لقب “أبو الفنون”، فلأنه يظل فضاءً مفتوحًا لتفاعل المعرفة والجمال والفكر والتقنية، لا مجرد وسيلة لطرح الموضوعات أو استنساخ التجارب السابقة. ومن هنا، فإن مستقبل المسرح العربي مرهون بمدى قدرة مبدعيه على تحويل الهمّ من عبء يثقل التجربة إلى طاقة تدفعها نحو الابتكار، وعلى بناء مشروع مسرحي يستلهم تراثه دون أن يقف عند حدوده، وينفتح على منجزات العصر دون أن يفقد هويته. فالتاريخ لا يحتفظ إلا بالتجارب التي امتلكت شجاعة الاختلاف، وأضافت إلى الفن لغة جديدة ورؤية أكثر عمقًا للإنسان والحياة.

سعاد خليل – رأي اليوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!