(قراءات في المسرح العربي النص، العرض، السياق) للدكتورة العُمانية آمنة الربيع
صدر عن دار الفنون والآداب للطباعة والنشر والتوزيع/ العراق ـــ البصرة

تواصل الباحثة والناقدة والأكاديمية والكاتبة المسرحية العمانية الدكتورة آمنة الربيع دراساتها وبحوثها العميقة في الخطاب المسرحي المعاصر بمقاربات مهمة لا تتوقف عند حدود العرض، وإنما تذهب إلى استجلائه بأدوات فكرية ونقدية تبين طرق بناء العمل المسرحي نصاً، وعرضاً، وسياقاً، وهذا ما يتجسد في آخر كتاب لها صدر – مؤخراً – عن (دار الفنون والآداب للطباعة والنشر والتوزيع – العراق -البصرة) والتي يرأسها الباحث الأكاديمي المسرحي الدكتور حسن النخيلة، وذلك ضمن سلسلة (دراسات مسرحية) التي واظبت الدار على إصدارها فضلاً ابداعية أخرى، وسبق لها أن أصدرت للدكتورة الربيع كتاباً آخر بعنوان (دراسات في المسرح الخليجي) في العام 2025.
الدكتورة آمنة الربيع التي انشغلت بالنقد عامة، والتحولات الفلسفية والمعرفية والنقد المسرحي خاصة، نشرت العشرات من المقالات والأبحاث والنصوص المسرحية، منذ إصدار كتابها الأول (ما يوقظ القلب: في السرد والنقد والثقافة) 2008، وانتهاءً بكتابها الأخير الذي يقع في 254 صفحة من القطع الكبير، وامتاز بتنوع معرفي غني ومهم في دراسة المسرح العربي، الذي يأتي حسب مقدمة المؤلفة ” إستجابةً للحاجة المتجددة إلى إعادة قراءة التجارب المسرحية العربية من منظور نقدي يوازن بين البعدين الجمالي والسياقي، ويستكشف العلاقة بين المحلي والكوني، وبين النص والعرض، وبين المرجعية الثقافية وآفاق التجريب.” إذ أن هذا الكتاب ” لا يهدف إلى تقديم تاريخ شامل للمسرح العربي، وإنما ضم ست دراسات نقدية تناولت قضايا متنوعة تتقاطع في اهتمامها بتحولات المسرح العربي وعلاقته بالواقع والخطاب وذائقة التلقي.”
تناولت الدكتورة الربيع في الدراسة الأولى ( المسرح المعاصر وتحديات التكنولوجيا)، تحديات التكنولوجيا: النص، الدراماتورجيا، العرض من خلال من حفرياتها النقديةأثر الوسائط الرقمية في بنية العرض المسرحي، والبحث في تداخل التقنية والإبداع وانعكاساته على العلاقة بين الشكل والمحتوى في سياق ما بعد الحداثة، عبر البحث في التفاعلية والمــسرح التفاعلي، والشاشة الزرقاء أبرز مظاهر تقويض مفهوم النص المسرحي،وتقنيات الكتابة الدراماتورجيــــــة، وكتابة الدراماتورجيا بين النص والعــرض، ومعطيات مسرح (ما بعـد الدراما)، واجتهادات المنظّر المسرحي هانس ليمان، والوسائطية في العرض المسرحي: مسرح الصورة والدراماتورجيا البصريــة، وتقاطع التكنولوجيا مع الدراماتورجيا.
في الدراسة الثانية، الموسومة (خطاب الشخصيات الفاعلة: في مسرحية ليالي شمس النهار للدكتور إبراهيم السعافين)، بحثت في آليات بناء الشخصيات ودلالاتها الرمزية، وكيفية توظيف التراث ضمن رؤية معاصرة تكشف العلاقات الدرامية والتأويلية التي تنتجها هذه الشخصيات، من خلال تبئير البعد الاجتماعي للعلاقات، والبنية الدراميــة، وتبئير المهن فــي النص الدرامي،وتبئير البعد النفسي، ولغة الحلم في النص الدرامي.
أما في الدراسة الثالثة فتناولت (نشأة المسرحية في فلسطين: بين سياقات التكون والمقاومة) من خلال البدايات المسرحية في ظل الواقع الاستعماري، وقراءة المسرح بوصفه ممارسة ثقافية مقاومة أسهمت في ترسيخ الهوية ومواجهة أنماط الهيمنة، وتساؤلها كم من المؤلفات المسرحية نحتاجها كي لا تنسى الذاكرة فلسطين؟، فضلاً عن التأثير والتأثر، والشعر في المسرح.
وناقشت في الدراسة الرابعة (تجليات التراث في النص المسرحي العربي: اختيار شكلي أم قضايا فكرية؟، حضور التراث باعتباره خياراً جمالياً وفكرياً، وتثير سؤالاً حول ما إذا كان استحضاره يسهم في إعادة إنتاج الهوية أم يقتصر على وظيفة شكلية داخل النص، البحث في التراث في الخطابين القديم والمعاصــر، وتوظيف التراث في النص المسرحي العربي، والوقوف عند، نكون أو لا نكون: هملت الإنكليزي وفهـد الكويتي.
في الدراسة الخامسة التي حملت عنوان (الكتابة الدّرامية الجديدة وتحدّياتها تقاطعات ومقاربات) فتتناول الربيع ملامح النصوص المسرحية المعاصرة وعلاقتها بالنقد الثقافي، في ضوء تحولات الذائقة وأسئلة التلقي والابتعاد عن النماذج الكلاسيكية، من خلال البحث في المرجعية الثقافية العالمية لـما بعد الحداثة، إضافة إلى مقاربتين ثقافيتين، المقاربة الأولى: مـوت المؤلف؟ ، والمقاربة الثانية: موت الناقد، وصيغ اشتغال نقدنا العربي: أسئلة للمناقشـــــة، وما بعـد الحداثة والمسرح، وصيغ الكتابة الدرامية لما بعــد الحداثة،الاشتغال الأول: الميتا – مسرح. الرّش الثامن من النزيف التراجيدي: – نص لم يؤلفـه صاحبه – وموت المؤلف، والاشتغال الثاني: أسلوب الكـولاج..
تختتم الباحثة الربيع الدراسات بدراستها الموسومة (خطاب جسد المرأة في المسرح العربي: مسرحية طقوس الإشارات والتحولات لسعد الله ونوس أنموذجاً»، لتحلل تمثلات الجسد في علاقته بالسلطة والدين والتحول الاجتماعي، وكشف آليات تشكله بوصفه علامة مسرحية ومجالاً للصراع الرمزي.
الدكتورة آمنة الربيع التي سبق لها أن قدمت إصدارات عدة بينها: ما يوقظ القلب: في السرد والنقد والثقافة، العالم العربي، ومغامرة النص المسرحي في عمان، إرمِ بمعطفك فوق الكرسي: مقالات ودراسات في المسرح، الرؤية السياسية في المسرح الخليجي: دراسة نصيّة. وجماليات التأليف الدرامي والإخراج في تجارب مسرحية عمانية: محمّد الشنفري، بدر الحمداني، ومحمد خلفان نماذجَ.. أكدت أنها “وعلى الرغم من تنوع موضوعات هذه الدراسات، فإنها تلتقي عند اهتمامها بتحليل النص والعرض والموقع الثقافي للمسرح العربي المعاصر.وهي لا تدّعي تقديم خلاصات نهائية، بل تقترح مقاربات تأويلية تفتح آفاقاً جديدة للتفكير في قضايا المسرح العربي وتحولاته..”
الكتاب يمثل إضافة نوعية وإغناءً مهماً للمكتبة المسرحية العربية من جانب، ولمسيرة وتحولات المسرح العربي من جانب آخر، ولحركة النقد المسرح العربي المبنية على تجربة عملية ومهنية بحتة من داخل رحم الابداع المسرحي، إذ سبق لها أن خاضت تجربة تأليف العديد من النصوص المسرحية التي شكلت علامات مهمة في المسرح العماني والعربي..
عبد العليم البنا



