“غودو” بيكيت يأتي جريحا في مسرحية سورية كابوسية
أحياء وموتى وجائعون تحاصرهم الحرب في "أي وهم أنتَ"

ملخص
يقتبس المخرج السوري كفاح الخوص في مسرحيته الجديدة “أي وهم أنتَ”، برؤية حرة، نصّ “في انتظار غودو” للكاتب صموئيل بيكيت (1906- 1989). يجيء النص هنا بصفته تورية عن الواقع السوري، ضمن صيغة أداء جماعية. توليفة يتقاطع فيها الأداء الجسدي مع الشعر والموسيقى. أسلوب لطالما أتقنه المخرج الخوص الذي قام بإعداد النص ولعب دور البطولة فيه، منجزاً قراءة مغايرة لأحد أبرز نصوص مسرح العبث.
اتخذ كفاح الخوص عنوان المسرحية (إنتاج دراما رود) من المقطع الأخير في أغنية السيدة فيروز “أنا يا عصفورة الشجن” (كلمات وألحان الأخوين رحباني) عندما تقول: “أيُّ وهمٍ أنت عشتُ به؟ كنتَ في البال ولم تكنِ“.
هذا الاقتباس أتى أيضاً إشارة لعلاقة الإنسان بالغيب. أسئلة الإنسان والزمن التي طرحها النص الأصلي يحيلها العرض (مسرح القباني) إلى مساحة رحبة لأداء 17 ممثلاً وممثلة. يروي النص الأصلي، كما بات معروفاً، حكاية انتظار مزمنة لشخصيتين (إستراغون وفلاديمير) تترقبان وصول شخص يدعى غودو عند هيكل شجرة عارية. وفي أثناء هذا الانتظار تتوافد شخصيات عدة إلى المكان، منها السيد بوزو وتابعه لاكي، إضافة لشخصية الصبي، رسول غودو الذي نراه في النسخة السورية، وقد استحال فتى أعمى يدخل إلى المسرح بطريقة المارش العسكري (النظام المنضم).
يوزع مخرج “أيُّ وهمٍ أنتَ” أصوات شخصيات النص العبثي على عدد من ممثليه وممثلاته في صيغة أقرب إلى الكورال. يحدث هذا عبر جُمل وعبارات سريعة وخاطفة. صرخات تواكبها تشكيلات حركية تتواشج وتفترق تبعاً لفرضيات تحتفي بالتكوين الجسدي.
أسلوب أقرب إلى محترف تجريبي مفتوح لا يلبث أن يبرر مواقفه الدرامية الصغيرة، تبعاً لفرضية الانتظار وما يعتريه من شك وريبة بمستقبل غامض.
ممثلون وممثلات الشباب يرشقون عباراتهم كالسياط في وجوه جمهورهم: “كل يوم أصحو على السؤال نفسه. إذا كنا أحياء لماذا كل واحد منا يتصرف وكأنه ميت؟”
جو كابوسي
تدور أحداث “أيُّ وهمٍ أنتَ” ضمن أجواء أقرب إلى كابوس، فالجميع محاصر حد الاختناق، تصرخ فتاة: “أنا جائعة”، ويضيف آخر: “في أي يوم نحن. سبت أم أحد. اثنين أم ثلاثاء؟”. لقد اختفى أي أثر يدل على الوقت، مثلما احتجب الزمن في غلالة من ضباب وعدم وصراخ. لا شيء يمضي في صيغة خطية، بل في هيئة تكرارات تدور معها الرؤوس والأجساد المنهكة والقابعة في أسمالها المعروقة.
هيجان يعقبه صمت ويواكبه صوت، ساعة تتعالى دقاتها ثم تتوارى خلف نشيج فتاة يائسة، تستنجد بأُمها، فيما يضع شاب يده على فمها كي يمنعها من إطلاق نداء الاستغاثة. أُم تبحث عن ولدها المخطوف منذ 14 عاماً، تريد أن تعرف له قبراً أو وجهاً، وهل ما يزال حياً أم ميتاً. الجميع هنا يشعر بالذعر من جثة فتاة يتم دفنها كيفما اتفق، داخل كومة عجلات مطاطية، فيما يتكلم شاب عن جوع مرعب يدفعه إلى التفكير بنبش وكر نمل لاستخراج حبات القمح منه، كي يسكت بها قرقرة أمعائه الفارغة.
يتابع العرض استعراض مونولوغات صادمة لشخصياته، إذ تصيح امرأة بأنها ترى أناساً يقتلون أناساً ويأكلون لحمهم. و تتداعى أُخرى لتكرر صرختها: “أنا جائعة يا ناس”. مجاعة الطعام تتلاقى مع مجاعات الحرية، بل إلى الرغبة في الانعتاق من ثقل مرور الزمن وبطئه. وفي لحظة معينة نشاهد شاباً في هيئة ذئب يعتلي منبر من الدواليب كمنبر ويخطب بالجميع كزعيم مطلق: “أيها الشعب العظيم. من يضحك ويهمس ويصمت ويحبني زيادة عن اللزوم هو في نظري مشبوه. الثقة أول طريق للخيانة. أي شخص جاع فليصبر. الاعتراض مشكلة. الكلمة فخ. فأنا لم آتِ لتحبونني. بل أتيتُ كي لا تستطيعوا تخيل الحياة من دوني”، وكلام هذا الديكتاتور تعقبه معارضة من شاب يردد في وجه الطاغية: “الكلمة أقوى من الجدران التي بنيتها فالخوف لا يبني الأوطان”.
جعل الخوص لكل عبارة يرددها ممثل أو ممثلة معادلاً حركياً لافتاً على الخشبة، لكنه في الوقت ذاته ركز على العالم النفسي للمؤدين. شظايا من شخصيات تلتئم في جوقة تائهة بدت أقرب إلى عميان موريس ميترلنك (1868-1949). حشد يبحث عن مخلّص ولا يتوقف عن طرح الأسئلة والأمنيات على سبيل: “أريد أن أعود إنساناً عادياً. وأن أكفّ عن الخوف من طرقات الباب ورنة الهاتف. الحرب انتهت لكنها ما تزال مشتعلة في رأسي. موت أخي ليس خيانة. تعبنا من الحروب. كل شخص أصبح قاضياً على الآخر. أريد أن أغُلق المحكمة التي في رأسي، وأن أتوقف عن عدّ الغائبين”.
خلفية موسيقية
يكمل العرض سرده بنبرة متوترة رفقة مقطوعات موسيقية للكمان والبيانو والغيتار الكهربائي. أمنيات مختلفة تتردد على ألسنة الشخصيات من مثل: “أريد أن أعود لأصدّق الناس، فليس كل كلمة مؤامرة. الخوف استعار شبابي. قطار وقف في المحطة الخاطئة. أتمنى أن أعود لأحلم أحلاماً كبيرة”. وتتساءل شخصيات أخرى: “ماذا استفدنا من كل هذا الوجع. ولماذا مات كل هؤلاء الناس وتدمّرت كل تلك الأماكن الأثيرة إلى قلوبنا؟” ويردف آخرون بعبارات أكثر انفعالاً على نحو: “أريد أن أشعر أنني أنتمي للمكان ليس كلاجئ أو مهّجر. أريد أن أتصالح مع الزمن. نصفي مات ونصفي الآخر ما يزال حياً. أريد أن أنجب طفلاً، لكن بعد 20 عاماً. طفل لا يعرف ولا يسأل لماذا حدث ما حدث لبلاده”.
يفرد مخرج “أيُّ وهمٍ أنتَ” مساحة لتداخل الوهم بالواقع عبر أحلام الجوقة التي تسترد شيئاً من روعها عبر منامات أفرادها. فهذا يستيقظ داخل حلم رجل آخر ليرى كرسياً يجثم فوق صدره. وتلك ترى في ما يرى النائم مدناً بآلاف الأبواب تطل على هاوية. صوت الأب يوقظ إحدى الشخصيات من غفوتها، وآخر يرى بائع خضار يبيع أياماً على بسطته. فيما يحكي شاب كيف أخرج يوم ثلاثاء من جيبه ليبيعه، لكن أحداً لم يكترث لذلك. فتاة تشاهد حصاناً من دخان في ساحة المدينة يخبو حتى ينطفئ في عيني طفل صغير. بدورها تحكي امرأة كيف مرت على حبل غسيل. وكيف كان الموج يرشح من جدران البيوت، فيما كان الناس يجمعونه في دلاء صغيرة.
وسط هذه الأجواء المنقبضة التي تظللها قطع قماشية سوداء مائلة (سينوغرافيا إياد العساودة) وتكسوها أكداس من الدواليب، تتقافز كرات لعبة السلة التي وظّفها الخوص إيقاعياً بشكل لافت كأدوات تعذيب. إضاءة جانبية ظللت وجوه الممثلين وأجسادهم، واقترحت فضاء محموماً ودموياً في توشيح قمري شاحب. يفاجأ العرض جمهوره بظهور غودو (كفاح الخوص) في هيئة رجل مثخن بالجراح. رجل ينزع عن جسده عباءته السوداء وحدبته الأقرب إلى شخصية “أحدب نوتردام” لفيكتور هوغو. يترافق ظهوره مع نعيق غربان، فيتداعى الجميع لسؤاله: “هل أنتَ الغد الذي كنا ننتظره طيلة كل هذه السنين”؟
ولكن من قال إن الغد يظهر في هيئة رجل؟ يجيبهم غودو. ويردف عندما يسألونه من أين أتيت؟ فيقول: “أتيتُ من آخر نشرة أخبار. من آخر مؤتمر دولي. من آخر مجزرة قالوا عنها حادثة مؤسفة. من آخر مجاعة اعتبروها تحدياً لوجيستياً”. ثم يضحك، معللاً ذلك بأنه كان يمزح، ويوضح أن كل شيء على ما يرام، فالعالم لم يعد مقسوماً بين أحزاب يمينية وأحزاب يسارية، بل بين أناس يمتلكون بطاريات شحن وآخرون نفدت طاقتهم. “أناس لديهم كلمة مرور وآخرون نسوا حساباتهم في الحياة، فلم تعد هناك مشكلات لا سياسية ولا اقتصادية ولا نفسية في العالم. بل هي مشكلة لغوية تعقدها مصطلحات الحوكمة والليبرالية الجديدة والخوارزميات”.
يخبرنا بطل صموئيل بيكيت الذي لا يظهر في النص الأصلي: “صرنا نسمي الخوف أدباً. والجوع أزمة، والهزيمة إعادة تموضع، والكذب رواية بديلة والموت رقم، وبات لا ينقصنا شيء سوى أن نجد مساحة عل هذه الكرة الأرضية يعيش فيها المرء مع أولاده، من دون أن يخاف عليهم. صدقوني لا أحد يعرف ماذا سيحدث”. إنها متاهة”.
وفي هذه اللحظة يختفي غودو مجدداً ليعود مبعوثه الأعمى ويظهر متسائلاً: ألم تسألوني أين الغد؟ كان الصبي يعتقد أن النهاية لها صوت، لكنها على ما يبدو بلا صوت وأكثر هدوءاً. كأن العالم تعب والكلام تعب. حتى الخوف تعب.
جميع شخصيات “أيُّ وهمٍ أنتَ” كانت تنتظر نهاية وعندما أتت لم تكن كذلك، بل كانت استمراراً للخوف والكذب والسكوت نفسه، لكن بوجوه أخرى. لا شيء انكسر لأنه لم يبق شيء لينكسر، فالخوف ليس ألا ينتهي كل هذا الموت. الخوف أن يظل هذا الموت يدور ويورّث ويتكرر والجميع يعتقد أنه اكتشف شيئاً جديداً، مع أن الطريق نفسه والحفرة نفسها. يمكن هذه ليست نهاية. هذا مجرد يوم جديد يشبه الذي سبقه. إحالة ترفض عبارة غرامشي “تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة” وتحيل إلى اللحظة السورية الراهنة بذكاء لافت.
تأتي خاتمة العرض بخروج الجميع من مأزق الانتظار، والتوجه نحو بيوتهم وأحيائهم وعاداتهم اليومية. فهذا يحلم بأن يعود لأسرته، وتلك تسأل عن خطيبها، وهذا يحلم بطبخة باذنجان مقلي، وآخر يكتشف أنه مشتاق لحبيبته، لكن وهم في طريق العودة تندلع اشتباكات وأصوات تفجيرات تجعلهم يعودون أدراجهم. يختبئون خلف متاريسهم القديمة، ويتراجعون نحو عمق الخشبة، فالنيران ما زالت تحاصرهم. هكذايكتشفون أن الانتظار أفضل من رؤية الغد.
سامر محمد إسماعيل – إندبندنت عربية



