حين يتحول المسرح إلى مساحة للشفاء… حوار مع الفنانة اللبنانية مروة قرعوني

لا يقف المسرح عند حدود الخشبة، ولا تقتصر رسالته على تقديم العروض وإمتاع الجمهور؛ فهو في جوهره فعل إنساني قادر على ملامسة الوجدان، وبناء الوعي، وإعادة اكتشاف الإنسان لنفسه. ومن هذا المنطلق، اختارت الفنانة اللبنانية مروة قرعوني أن تصنع مسارا فنيا مختلفا، يجمع بين التمثيل والإخراج والتدريب، ويمنح المسرح بعدا جديدا من خلال توظيفه في العلاج بالفن والتنمية الإنسانية.
امتدت تجربتها عبر بيئات ثقافية متعددة، من لبنان إلى نيجيريا، مرورا بالمشاركة في عدد من المهرجانات المسرحية العربية، حيث قدمت رؤيتها التي تؤمن بأن المسرح ليس مجرد وسيلة للتعبير، بل لغة عالمية قادرة على صناعة التغيير، وتعزيز الحوار، وترميم ما قد تتركه الحياة من ندوب في النفس الإنسانية.
في هذا الحوار الخاص مع المشهد الفني، تفتح مروة قرعوني صفحات من تجربتها الفنية والفكرية، وتتحدث عن علاقتها بالمسرح، ورؤيتها لمستقبل الفن المسرحي العربي، وتجربتها في العلاج بالفن، والدور الذي يمكن أن يؤديه المسرح في بناء الإنسان والمجتمع، في زمن تتسارع فيه التحولات الثقافية والتقنية.
إنه حوار مع فنانة تؤمن بأن المسرح لا ينتهي بإسدال الستار، بل يبدأ من اللحظة التي يخرج فيها المتفرج أكثر وعيا بذاته وبالعالم من حوله.
يقول كثيرون إن المسرح يبدأ من الإنسان وينتهي إليه. كيف تنظرين إلى هذه المقولة في ضوء تجربتك الفنية والإنسانية؟
أومن أن المسرح يبدأ من الإنسان ويعود إليه، لأن كل ما يحدث على الخشبة هو انعكاس لتجربة إنسانية بالنسبة لي، قيمة أي عرض لا تُقاس فقط بجماله الفني، بل بقدرته على أن يترك أثراً في المتفرج، وأن يدفعه للتفكير أو لمراجعة نفسه .
المسرح بالنسبة إليّ ليس مكاناً للهروب من الواقع، بل مساحة لفهمه والتصالح معه. لذلك أعتبر أن نجاح أي عمل مسرحي لا يُقاس بعدد الحضور أو التصفيق، بل بما يبقى مع الجمهور بعد انتهاء العرض عندما يحملون معهم سؤالاً جديداً أو نظرة مختلفة إلى أنفسهم وإلى الحياة.
جمعتِ بين التمثيل والإخراج والتدريب والعلاج بالفن، وهي مسارات تبدو متباعدة للوهلة الأولى. ما الذي يوحدها في مشروع مروة قرعوني؟
قد تبدو هذه المحالات المختلفة، لكنها بالنسبة لي تصب في الإتجاه نفسه. سواء كنت أمثل أو أخرج أو أدر أو أعمل في العلاج بالفن، فأنا أتعامل مع الانسان، مع قصته، ومع قدرته على التعبير والتغيير.
ما يوحدها هو الإيمان بأن الفن يمكن أن يكون وسيلة للنمو الشخصي، وليس فقط للإنتاج الفني لهذا لم أشعر يوماً أنني أتنقل بين مجالات متفرقة، بل كنت أبني مشروعاً واحداً يتطور مع كل تجربة أخوضها، ويضع الإنسان في قلب العملية الفنية.
أصبح العلاج بالفن أحد أبرز ملامح تجربتك. كيف استطعتِ أن تنقلي المسرح من خشبة العرض إلى فضاء العلاج والتأثير في حياة الأفراد؟
العلاج بالفن لم يكن بالنسبة لي انتقالاً من المسرح إلى مجال آخر، بل امتداداً طبيعياً له خلال عملي اكتشفت أن كثيرين يحتاجون إلى مساحة آمنه للتعبير عن مشاعرهم، والمسرح يوفر هذه المساحة بطريقة مختلفة عن الكلام المباشر.
عندما يتحول الأداء إلى وسيلة لاكتشاف الذات، يصبح المسرح أداة علاجية وإنسانية في الوقت نفسه وقد لمست ذلك من خلال أشخاص استطاعوا أن يعبروا عن أمور عجزوا عن قولها بالكلمات، لكنهم وجدوا في الحركة والارتجال والأداء مساحة صادقة للتعبير والتخفف مما يحملونه في داخلهم.
عشتِ تجارب فنية في بيئات ثقافية مختلفة، من لبنان إلى نيجيريا مرورا بالمهرجانات العربية. كيف أثرت هذه التجارب في فهمك لوظيفة المسرح وحدوده وإمكاناته؟
كل تجربة عشتها في بلد مختلف أضافت لي منظوراً جديداً رغم اختلاف الثقافات، وجدت أن الإنسان يحمل الأسئلة نفسها والخوف نفسه والأمل نفسه. هذه التجارب أكدت لي أن المسرح لغة عالمية، وأن اختلاف البيئات يثري الفنان ويجعله أكثر قدرة على التواصل مع الأخرين.
كما منحتني فرصة للتعرف إلى أساليب عمل متنوعة وأكدت لي أن الفن الحقيقي يستطيع أن يبني جسوراً بين الناس مهما اختلفت لغاتهم أو خلفياتهم الثقافية.
في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، هل تعتقدين أن المسرح ما زال يحتفظ بفرادته، أم أنه مطالب بإعادة تعريف أدواته ولغته لمخاطبة الأجيال الجديدة؟
أعتقد أن المسرح ما رال يحتفظ بمفرداته لأنه يقوم على اللقاء الحي بين الممثل والجمهور، وهذا لا يمكن أن تستبدله أي وسيلة رقمية. لكن في الوقت نفسه لا بد أن يطور أدواته ولغته، وأن يستفيد من التقنيات الحديثة من دون أن يفقد جوهره الإنساني.
التحدي اليوم ليس في منافسة المنصات الرقمية، بل في تقديم تجربة لا يمكن أن يعيشها الجمهور إلا داخل المسرح، حيث تكون العلاقة مباشرة وصادقة وحية.
بصفتك مدربة مسرحية، ما أكثر ما تفتقدينه في برامج إعداد الممثل العربي اليوم؟ وما المهارات التي ترين أنها أصبحت ضرورة لا خيارا؟
أشعر أن كثيراً من برامج إعداد الممثل تركز على الجانب التقني، بينما يحتاج الممثل أيضاً إلى بناء شخصيته وثقافته ووعيه. الممثل لا يعتمد فقط على صوته وجسده، بل على فهمه للحياة وللناس وللمجتمع. لذلك أرى أن مهارات مثل الإصغاء، والعمل الجماعي، والإنضباط، والقدرة على التحليل، والذكاء العاطفي أصبحت اليوم أساسية، لأنها تساعد الفنان على تقديم أداء أكثر صدقاً وعمقاً، تجعله قادراً علي التواصل الحقيقي مع الشخصية والجمهور في آن واحد.
المسرح العربي يواجه تحديات تتعلق بالإنتاج، والجمهور، والاستدامة. من وجهة نظرك، ما الخطوة الأكثر إلحاحا لاستعادة حضوره وتأثيره في المجتمع؟
المسرح العربي يواجه تحديات حقيقية، لكنني أعتقد أن البداية تكون بإعادة بناء العلاقة مع الجمهور. عندما يشعر الناس أن المسرح يتحدث عنهم ويعكس قضاياهم، سيعودون إليه.
كما أننا بحاجة إلى دعم مستدام للمسرحيين وإلى خطط ثقافية طويلة الأمد، لأن الإبداع يحتاج إلى بيئة مستقرة تسمح له بالاستمرار، وليس إلى مبادرات مؤقته تنتهي بانتهاء الفعاليات. فالمسرح لا يمكن أن ينهض بالاجتهاد الفري وحده، بل يحتاج إلى شراكة حقيقية بين الفنانين والمؤسسات الثقافية.
كيف ترين دور المهرجانات المسرحية العربية في بناء جسور الحوار وتبادل الخبرات؟ وما الذي ينبغي تطويره لتصبح أكثر تأثيرا في الحركة المسرحية؟
للمهرجانات المسرحية دور كبير في خلق الحوار وتبادل الخبرات بين المسرحيين، وهي فرصة للاطلاع على تجارب متنوعة من مختلف الدول والثقافات. شخصياً كانت مشاركتي في عدد من المهرجانات العربية والدولية تجربة غنية على المستويين الفني والإنساني، لأنها أتاحت لي التعرف إلى رؤى وأساليب مختلفة.
لكنني أتمنى أن يمتد تأثير المهرجانات إلى ما بعد أيام انعقادها، عبر ورش عمل، وبرامج تدريب، ومشاريع إنتاج مشتركة حتى يتحول هذا اللقاء إلى أثر مستدام في الحركة المسرحية.
إذا طُلب منكِ تصميم مشروع مسرحي موجه للشباب في العالم العربي، فما الفكرة التي ستبدئين بها؟ وما الرسالة التي ترغبين في غرسها من خلاله؟
إذا طلب مني تصميم مشروع مسرحي للشباب، فسأبدأ من فكرة الحكاية الشخصية. سأشجعهم على أن يحولوا تجاربهم وأسئلتهم ومخاوفهم إلى مادة مسرحية، لأنني أؤمن أن الفن يبدأ من الصدق. والرسالة الأساسية ستكون أن لكل إنسان صوتاً يستحق أن يسمع، وأن الإختلاف ليس نقطة ضعف بل مصدر غني، عندما يشعر الشاب بأن قصته تستحق أن تُروى، يصبح أكثر ثقة بنفسه وأكثر قدرة على التواصل مع الأخرين.
أخيرا، ما رسالتك إلى المسرحيين الشباب الذين يؤمنون بأن المسرح ما يزال قادرا على صناعة الوعي وتغيير الإنسان، رغم كل التحديات؟
رسالتي إلى المسرحيين الشباب أن يحافظوا على شغفهم. وألا يقيسوا نجاحهم فقط بعدد العروض أو الجوائز المسرح يحتاج إلى الصبر، وإلى الإيمان بما يقدمه الفنان، لأنه فن تراكمي يبني مع الوقت والخبرة. أنصحهم بأن يقرأوا كثيراً، وأن يشاهدوا تجارب متنوعة، وأن يبقوا منفتحين على التعلم والتجريب.
والأهم أن يحافظوا على صدقهم، لأن الجمهور قد ينسى تفاصيل كثيرة، لكنه لا ينسى أبد اً العمل الذي يلامس مشاعره ويترك أثراً حقيقياً في داخله.
المشهد الفني



