إسلام رفعت: أفضل المسرح الوثائقي لأنه يحفظ الذاكرة ويرتقي بالوعي
فنان يحول خشبة العرض إلى وثيقة حية تسافر عبر الزمن المنسي.

تظل الإسكندرية خزانة حية للتاريخ ومبعثا للإلهام الفني. وفي هذا السياق، يقف المخرج والكاتب إسلام رفعت كأحد أبرز صنّاع التجديد في المسرح السكندري المعاصر، حيث نجح في صياغة تجربة وثائقية رائدة، تحاور الذاكرة الوطنية، وتستعيد محطات تاريخية مفصلية ترتقي بوعي الجمهور وذائقته.
من قلب عروس البحر المتوسط، ومن بين طيات تاريخها العريق، خرج المخرج والمؤلف المسرحي إسلام رفعت ليصنع لنفسه ولفرقته “اتحاد مبدعي الإسكندرية” خطا فنيا فريدا يحول خشبة المسرح إلى وثيقة تاريخية حية تسافر بالجمهور عبر الزمن، مستلهما من روح الإسكندر الأكبر، ومعارك المدينة، وريادتها الفنية، ملاحم مسرحية أبهرت الحضور على أعرق مسارح المدينة.
برؤية إخراجية طموحة ونصوص توثيقية مميزة، نجح رفعت في أن يفتك لقب “رائد المسرح الوثائقي”، وأن يكون أحد المبدعين الجادين الذين يؤكدون أن الفن قادر على إحياء الهوية الوطنية وربط الماضي بالحاضر.
وفي حواره، تعمقنا مع المخرج والمؤلف المسرحي في كواليس رؤيته المسرحية، وأبرز التحديات التي يواجهها المسرح السكندري، كما كشف لنا عن أحدث مشاريعه الفنية القادمة.
مدينة المسرح
بداية، وفي محاولة منا لمعرفة كيف يقيّم إسلام رفعت الحراك المسرحي في المدينة، قال محدثنا “صراحة، لا أستطيع تقييم الحراك المسرحي في الإسكندرية، لأنها مدينة كانت وما زالت وستظل عاصمة للثقافة والفنون، والحركة المسرحية هنا تتفوق وتتميز بجودة ما تعرضه من أعمال مسرحية ثقافية أكثر من تلك الخاصة بالمسرح التجاري”.

وتابع “في الماضي، حين سئل الفنان الكبير الراحل سمير غانم، لماذا تبدأ بتقديم أعمالك المسرحية في الإسكندرية؟ كان رده ‘اسكندرية دي ترمومتر، لو نجحت فيها يعني أنك تضمن النجاح في القاهرة وفي أي حتة تانية (مكان آخر)’. الشعب السكندري شعب مثقف بطبيعته لذلك هناك دائما حراك فني وثقافي في المدينة، ‘كل مواقع إسكندرية هتلاقيها شغالة؛ يا مهرجان، يا صالون ثقافي، يا عروض مسرحية، يا ندوة أدبية، أو ندوة ثقافية توعوية، أو مهرجان شعري، وهناك أيضا المهرجانات الصيفية”.
وأضاف “في ما يتعلق بالمسرح بوجه خاص، لدينا نوادي المسرح التي تنشط بكثرة، وكذلك عروض مكتبة الإسكندرية، وخاصة العروض التوعوية، فهي عروض ممتازة. نفتقد العروض المسرحية التجارية، وهذا يعود ربما لطبيعة المشاهد السكندري، الذي يفضل أن يشاهد المسرح للاستمتاع والتثقيف، كذلك الفنان المسرحي السكندري لا يسعى للربح المادي بقدر ما يسعى للمسرح في دوره التثقيفي. ولا ننسى أن الاستثمار في نجم تجاري يكلف مبالغا كبيرا، بالتالي ستكون أسعار تذاكر العروض مرتفعة، وهذا أمر لا يناسب المواطن المصري اليوم”.
وقال “نحن مدينة متعددة الثقافات، ومتعددة الجاليات، الإسكندرية كانت تاريخيا قبلة للمهاجرين، بسبب وجود الميناء، حيث كانت هناك حركة تجارية كبيرة، بالتالي اعتاد أهلها على تعدد الثقافات وعلى التعامل مع كل ذلك التنوع الفكري والثقافي، وهذا انعكس على تكوين الإنسان السكندري وأيضا على حركة الفن في مدينتنا”.
ورغم أننا نعيش في عصر يميل فيه الجمهور أكثر إلى الفنون المرئية وإلى المنصات الرقمية، يرى المخرج المصري أن المسرح مازال يحظى بنفس الإقبال الجماهيري الذي كان يحظى به في السابق، “بل بالعكس زاد، لأن ليس كل من يستخدم الموبايل هو راض أو مُرضٍ. بدليل أن الناس أصبحوا يميلون أكثر لصناع المحتوى الجاد والمهم، وأنا أؤمن بأن المسرح هو المسرح لن يتغير، والسينما هي السينما لن تتغير، الدراما التلفزيونية هي أيضا لن تتغير. ستظل جميعها فنونا لها جمهورها، ما قد يختلف فقط هو وسائل العرض. يعني من الممكن أن أشاهد مسرحية من خلال الموبايل، ربما أتابع حلقات مسلسل تلفزيوني، ربما أختار مشاهدة فيلم، لكن هذا الأمر غير دائم فالإنسان يتعطش للاستمتاع بلذة مشاهدة العرض المسرحي في المسرح، الجو المسرحي ممتع، بكل تفاصيله، من الستارة التي تفتح وتقفل، إلى الخشبة والأداء الحي، وإلى لقاء الممثلين، وبالتالي وسائل العرض الحديثة لا تلغي جمالية العرض الكلاسيكي”.
سألناه إلى أي مدى يرى أن المسرح في مصر وتحديدا في الإسكندرية مازال يحظى بدور الناقد، وبالحرية؟ فأجاب “في مصر لدينا الرقابة العامة على المصنفات الفنية. الرقابة تحجم العروض وهي تمنع التطاول تحديدا. لي تجربة في النقد السياسي، هي تجربة كانت وحيدة، أيام حكم الإخوان. مسرحية اسمها ‘قهوة المقاطيع’، شبهتم بالمقاطيع الذين يجلسون على مقهى. المسرحية ظلت في أدراج الرقابة لمدة ستة أشهر، لم أستلمها ولم أستلم الموافقة على عرضها إلا حين قامت ثورة 30 يونيو. لدينا حرية تعبير لا أنكر ذلك، لكنها حرية لها ضوابط، لأن هناك فرقا ما بين الحرية وبين التطاول والإسفاف. من حقي أن أعترض شخصيا أو فنيا على شخص لكن ليس من حق أي كان التطاول أو الشتم أو السب، حتى لو الاختلاف سياسي مثلا، هذا يصنف أنه قلة أدب تحتاج تدخلا من الدولة ومن الناس أيضا”.
وأوضح أن “الحرية أيضا لا تعني أن تنحاز لتسلط الضوء على السيئ فقط، ليس هناك سيئ مطلق في بلد ما، إنما هناك ظروف اقتصادية خانقة مثلا تقابلها إنجازات مهمة، والحرية تقتضي أن نذكر الجيد والسيئ في الوقت نفسه”.
ويعتبر إسلام رفعت أن “المسرح في مصر يحظى بهامش كبير من حرية التعبير، والعاملون فيه يعرفون جيدا الحدود الفاصلة بين الحرية والتطاول، وندرك جيدا حدود الأدب في النقد. لكن من يتوارون خلف الشاشات ويسبون البلد وهم خارجها، لا ينطبق عليهم سوى توصيف أنهم خونة. مثال على ذلك، ابني حين يهاجر ويسبني من الخارج ويهاجمني ويجيش الناس ضدي، فهو خائن لي، ولن أدخله بيتي مرة ثانية، هذا ما قد يفعله الأب مع ابنه، لكن أن تعبّر بحرية واحترام، فهو أمر متاح للجميع، وفي المسرح نحن نلتزم باحترام الدولة وقوانينها ونعمل وفق ما تمليه الرقابة من أجل الارتقاء بعقل المشاهد وتوظيف القوى الناعمة خدمة لصورة البلد وجهودها في التوعية والترفيه والتثقيف”.
وتابع “لدينا حراك مسرحي متنوع بطرق عرض مختلفة، بين مسرح الشارع، والمسرح المتجول، والمسرح المتحرك، ولدينا كذلك مسرح متنوع الأنماط، مثل المسرح التراجيدي، الكوميدي، السياسي، التوعوي أو التعليمي. وزارة الثقافة تقود حاليا مبادرة شارع الفن، وفيها عروض مسرحية مباشرة أمام الجمهور، بالتالي فإن المسرح يقدم للجمهور المصري والمقيم في مصر في كل مكان، أحيانا لو أقفلنا مقهى وقدمنا عرضا سنجد لنا جمهورا. الجيد أن لدينا تنوعا كبيرا جدا في أنماط المسرح وتقنيات وطرق العرض”.

وتطرق محدثنا إلى “الهيئة العامة لقصور الثقافة التي تختص أكثر في المسرح الثقافي أو الثقافة الموازية عموما والتي تركز على إيصال رسائل ثقافية بشكل فني، لكن لدينا أيضا عروض المسرح الكوميدي في القطاع الخاص، خصوصا في موسم الصيف، ليس هناك مسرح سياسي مباشر، إنما مصر كانت دائما مصدرة للمسرح السياسي الكوميدي، لعل أشهر الأعمال في هذا النوع هي مسرحية ‘الزعيم’ للفنان الكبير عادل إمام، هي عمل مسرحي سياسي لكنه كوميدي، وعرضت لسنوات طويلة خلال نظام الرئيس السابق حسني مبارك. هناك أيضا مسرحية ‘عطية الإرهابية’، ومسرحية ‘بكالوريوس في حكم الشعوب’ التي جمعت أحمد بدير وعايدة رياض، هي عروض قدمت سنين طويلة على خشبة المسرح، ما بين مسرح الدولة والقطاع الخاص”.
ويفسر رفعت تراجع العروض المسرحية التي تستمر في العرض لسنوات بـ”ارتفاع تكلفة ليلة العرض الواحدة، بالتالي إن أراد المنتج الاستمرار في تقديم العرض عليه رفع أسعار التذاكر، وهذا أمر لا يرضي الجمهور، وسيدفعه إلى عرض المسرحية ضمن فترة محددة وفقط. مثلا، يمكن أن يعرض العمل المسرحي يومين أسبوعيا، لمدة ثلاث أشهر، هذا أقصى تقدير زمني. إلى جانب أن المسرح في الماضي كان يعرض لفترات طويلة لأنه كان وسيلة الترفيه والتثقيف الأكثر شعبية وانتشارا، حتى قنوات التلفزيون كانت لدينا القناة الأولى والثانية، فكان الناس يرتادون المسارح والسينما بكثرة، لكن التكنولوجيا وزيادة وسائل الترفيه وزيادة الكافيهات والملاهي الليلية أسهم في تراجع الإقبال على المسارح”.
في هذا السياق وجه رفعت “تحية لوزارة الثقافة، والبيت الفني للمسرح، وصندوق التنمية الثقافية، والمسرح القومي، وكل ما له علاقة بمسارح الدولة لسبب هو أنها لا تزال ترفع شعار أنها مؤسسات غير هادفة للربح، وكل هدفها أن يذهب الناس إلى المسرح ويشاهدوا أعمالا جيدة، دون التفكير الكبير في موضوع الربح والخسارة المادية”.
واعتبر الدكتور أن “النجم يحيى الفخراني وغيره من الفنانين الذين يعرضون أعمالا على المسرح القومي تحديدا، والتي تعرض لفترات طويلة، مثل مسرحية ‘الملك لير’، لديهم انتماء كبير لهذا البيت، وهم لا يتقاضون أجورا بأرقام خرافية وفلكية، بل يعملون حبًا في المسرح القومي الذي وقفت عليه أم كلثوم ونجيب الريحاني وكل عظمائنا. أنا مسرحي ولو يطلب مني الوقوف على خشبة المسرح القومي وتقديم عرض مسرحي، لن أتردد في قبول ذلك، مهما كان المقابل. الأمر ذاته بالنسبة لمسرح سيد درويش والأوبرا، ما يهمني هو أن أقدم أعمالا عليها، ترتقي إلى قيمتها التاريخية”.
مشروع وثائقي متكامل

يلقب الدكتور إسلام رفعت برائد المسرح الوثائقي، أكد لنا أنه فخور بهذه التسمية، وأن اختياره الاشتغال على التوثيق بالمسرح لم يكن وليد الصدفة إنما هو نابع من إدراكه الكبير بأن “الإسكندرية ظلمت كثيرا على مستوى التوثيق، الناس خارج المدينة وخارج مصر عامة لا يعرفون عن الإسكندرية إلا حكاية ريا وسكينة، والملاية لف (لباس تقليدي) كما لو أن التاريخ وقف عند هذه التفاصيل، من هذه الفكرة قررت أن أشتغل على المسرح الوثائقي، ومن هنا بدأت فكرة الثلاثية المسرحية ‘هنا الإسكندرية’ و’إسكندراني حول العالم’ و’إسكندرية 73′ وهي أعمال مسرحية توثق جزءا من تاريخ المدينة”.
ويبدأ إسلام رفعت هذه الثلاثية منذ عام 1834 وحتى الأحداث المعاصرة، ففي “هنا الإسكندرية”، يستعيد إسلام التاريخ الثقافي والسياسي والوطني العريق لمدينة الإسكندرية، ممتدا من عصر الوالي محمد علي باشا عام 1834 حتى العصر الحديث. يستعرض العمل عبر مشاهد توثيقية محطات مفصلية غيرت وجه مصر، مثل لحظة خروج الملك فاروق من المدينة، وقرار تأميم قناة السويس، بالإضافة إلى إبراز الجانب الحضاري والمعرفي للمدينة منذ عصر الفيلسوفة هيباتيا وصولاً إلى افتتاح مكتبة الإسكندرية الجديدة وتلاحم نسيجها الوطني في مواجهة الأزمات.
سأواصل العمل على المسرح التوثيقي لتاريخ مدينتي الإسكندرية إلى حين أكتفي من توثيق ما أراه يستحق الاستعادة
وتمثل مسرحية “إسكندراني حول العالم” المحطة الثانية في الثلاثية الفنية والتوثيقية، يرتكز موضوعها بشكل أساسي على تتبع انتصارات وإنجازات القائد التاريخي الإسكندر الأكبر ورحلته الحافلة في تأسيس المدن، مع عقد مقارنة بصرية وتاريخية بين أكثر من خمسين مدينة تحمل اسم “الإسكندرية” حول العالم، ليبرز في النهاية الخصوصية الثقافية والهوية الفريدة التي تميز الإسكندرية المصرية عن بقية تلك المدن التي تشاركها الاسم ذاته.
وتكتمل هذه الرؤية التوثيقية لعروس البحر المتوسط بالانتقال إلى العرض الثالث في هذه الثلاثية التاريخية والذي يحمل اسم “إسكندرية 73″، حيث قدم على مسرح مركز الفنون بمكتبة الإسكندرية ليكشف عن مزيد من الجوانب الخفية والمحطات المصيرية في تاريخ المدينة العريقة.
وأكد أنه سيواصل العمل على المسرح التوثيقي لتاريخ مدينته الإسكندرية، برفقة فرقة اتحاد مبدعي الإسكندرية للفنون المسرحية، إلى حين يكتفي من توثيق ما يراه يستحق الاستعادة، موضحا أنه يعمل الآن على مسرحية “زمن الطلاينة” وهي مسرحية تختص بتاريخ الجاليات الإيطالية بالمدينة من القرن الـ18 إلى الحرب العالمية الثانية، وستعرض في سبتمبر المقبل، ثم سيخصص عملا مسرحيا لتاريخ الجاليات اليونانية. ولديه أيضا أعمال بعيدة عن الجانب التوثيقي، منها “الوصم” التي بصدد تحويلها إلى مسلسل، و”ليالي القمر” و”مش مدرسة مشاغبين” و”بيت العيلة”، وفي المجمل لديه ما يقارب 22 عملا مسرحيا بعيدا عن المسرح الوثائقي.
وتطرق محدثنا إلى أن “تصوير مصر ومناطقها الشعبية كان في الماضي يركز على القبح والفتوة المبالغ فيها التي لا وجود لها اليوم في مصر، وفي الإسكندرية مثلا، هناك مناطق حيوية، لكن ليس هناك فتوات مثل التي تعرضها الدراما، الاسكندرية مدينة كان بها 7 فتوات، وأنا لي كتاب عن هذا الأمر عنوانه ‘عصر الفتوات’ وأعرف أنه عصر ولى وانتهى. الفتوة كانت منتشرة في مصر وبعض الدول العربية لكنها اليوم لم تعد موجودة. لذلك نرحب بقرارات رئيس الدولة عبدالفتاح السيسي وضع لجنة لمراقبة الإنتاج الدرامي، كي تكون الدراما وكل مكونات القوى الناعمة في خدمة صورة إيجابية عن البلاد”.
وبالنسبة للإسكندرية يشدد إسلام رفعت على أنها “ستظل دائما ملهمة للفنانين، هي من ألهمت المؤلف الكبير أسامة أنور عكاشة، وفيها كتب أغلب أعماله الدرامية، وهي ملهمة العديد من الفنانين التشكيليين الأجانب، وكانت مدينة المسارح، ويستمتع الفنانون بقضاء أوقاتهم فيها للكتابة والإبداع”.
حنان مبروك – صحيفة العرب



