دراما وفنون

السينما الإفريقية: نجاحٌ دولي وجمهورٌ غائب

جوائز وحضور عالمي في مقابل ضعف التوزيع والقرصنة وأزمة التمويل والبنية التحتية

يشهد المسار بين أواخر 2024 ونهاية 2026 مفارقة معقدة في السينما الإفريقية. إذ يزداد الحضور الدولي، مثلما حصل الفيلم النيجيري “ظل والدي” على تنويه خاص بجائزة الكاميرا الذهبية في مهرجان كان 2025، وتشارك أفلام جنوب إفريقية ورواندية وسنغالية في أقسام مهمة، وتبرز أعمال وثائقية مصرية في صالات فرنسية. لكن يبقى الوصول إلى الجمهور الإفريقي نفسه محدودًا، بينما تتراجع استثمارات المنصات العالمية فيها، وتنهار بعض سلاسل القاعات، وتتعثر أفلام طموحة في شباك التذاكر المحلي.

أبرز التحديات تكمن في التوزيع. إذ تجد كثير من الأفلام الإفريقية التي تحقق نجاحًا في المهرجانات الدولية صعوبة بالغة في العرض داخل القارة. في حين يسافر فيلم نيجيري مثل “فوق الجسر” إلى كينيا ورواندا بعد نجاح دولي، لكن تبقى مثل هذه الرحلات استثناءً. ثم إن الحواجز اللغوية وندرة الشبكات التوزيعية العابرة للحدود وارتفاع تكاليف التسويق، جعلت معظم الإنتاجات محصورة في أسواقها الوطنية أو في منصات محدودة. وهنا يندر أن يرى الجمهور الإفريقي أفلام جيرانه، بينما يستهلك بسهولة المحتوى الغربي أو الآسيوي.

تحديات وغياب الجمهور

وتظهر في نيجيريا، التي تمثل أكبر سوق سينمائي في القارة، أمثلة واضحة على تفاوت الأداء. إذ تتجاوز أفلام مثل “خلف الكواليس” لفونكي أكينديلي المليار نيرة (732 ألف دولا أميركي)، بينما تأتي أفلام أكثر طموحًا بصريًا مثل “لون النار” لنييي أكينمولايان بإيرادات متواضعة بلغت حوالي 145 مليون نيرة فقط خلال عرضها السينمائي في ديسمبر 2025، قبل أن تجد جمهورًا أكبر على “نتفليكس” لاحقًا.

ويعكس هذا التفاوت تفضيلًا جماهيريًا للقصص المألوفة والنجوم المعروفين على التجارب البصرية الطموحة التي تحتاج ميزانيات أكبر. بينما تعلن ممثلة ومنتجة مثل نكيشي بليسينغ توقفها مؤقتًا عن الإنتاج بعد خسائر تجاوزت 80 مليون نيرة في أشهر قليلة، وهذا يشير إلى مخاطر مالية حقيقية حتى داخل الصناعة الأكثر نشاطًا.

وتظل القرصنة نزيفًا مستمرًا. إذ تشير تقديرات إلى خسائر سنوية بمليارات النيرات في صناعة نيجيريا السينمائية بسبب التوزيع غير القانوني عبر “تليغرام” ومنصات أخرى. وتظهر حتى الأفلام التي تحقق نجاحًا سينمائيًا أو على المنصات المدفوعة بسرعة مجانًا، وهذا تلقائيًا يضعف العائد ويقلل من رغبة المستثمرين في تمويل مشاريع أكبر. في حين يؤدي في الوقت نفسه انسحاب أو تقليص استثمارات المنصات العالمية إلى تقلص فرص التمويل والتوزيع الدولي، تاركًا المنتجين يعتمدون أكثر على السوق المحلي المحدود.

ويتفاقم الوضع في جنوب إفريقيا بسبب مشكلات حكومية. حينما يترك توقف دفع الحوافز الضريبية (الإعفاءات الضريبية) منذ 2023 شركات الإنتاج مثقلة بالديون، ويوقف مشاريع جاهزة، ويهدد بانهيار قطاع كان يوظف عشرات الآلاف ويولد مليارات الراند الجنوب إفريقي سنويًا. بينما تستمر في زيمبابوي التحديات المزمنة، يجف فيها التمويل الدولي وتغلق قاعات في ظل التحول الرقمي، رغم محاولات فردية للتعاون مع الصناعة النيجيرية. وهنا تغلق على مستوى القارة سلسلة “قنوات أولمبيا” (18 قاعة في عدة دول إفريقية) خلال 2025، وهذا يقلص فرص العرض أمام الأفلام المحلية سواء.

وتواجه حتى الأفلام التي حظيت بتقدير نقدي صعوبة في التحول إلى نجاح جماهيري. حينما تعرض أعمال مثل “أمي واتا” و”عين موفي” سابقًا، ومثيلاتها في 2025، في قاعات شبه فارغة في لاغوس رغم الجوائز الدولية التي نالتها. وهنا تكشف مفارقة المهرجانات هذه انفصالًا بين الذوق النقدي العالمي والذوق الجماهيري المحلي، إذ يفضل الجمهور القصص المباشرة والنجوم المعروفين، بينما تميل الأفلام الطموحة فنيًا إلى أن تُعامل كواجب ثقافي لا كترفيه. في حين ينتقد في كينيا بعض المراقبين ركود السرد والاعتماد على قوالب جاهزة، مما يجعل الكثير من الإنتاجات سريعة النسيان.

الاستثمار في السينما

تبقى الصورة رغم ذلك غير قاتمة بالكامل. حينما ترتفع إيرادات شباك التذاكر النيجيري في 2025 إلى أكثر من 15 مليار نيرة، وتتفوق أفلام الصناعة النيجيرية على صناعة هوليوود في بعض الفترات، بينما تظهر محاولات لاستخدام الذكاء الاصطناعي لتقليل التكاليف. لكن تبقى هذه النجاحات مركزة في عدد محدود من العناوين الحدث، بينما تواجه غالبية الإنتاجات صعوبات في استرجاع التكلفة.

كما نلاحظ غياب استراتيجية قارية للتنسيق بين الأسواق، وضعف الاستثمار في البنية التحتية للعرض، واستمرار الاعتماد على نماذج تمويل غير مستدامة، فالكثير من الأفلام الإفريقية بين 2025 و2026 أقرب إلى النجاح النقدي المحدود منه إلى النجاح الجماهيري أو الاقتصادي الواسع.

وتعاني السينما الإفريقية من أزمة هيكلية تتجلى أبرز مظاهرها في نقص التمويل المزمن وضعف البنية التحتية. فالصناعة، رغم إنتاجها الضخم في بعض الدول مثل نيجيريا (نوليوود) التي تحتل المرتبة الثانية عالميًا من حيث كم الإنتاجات، تظل تدر إيرادات متواضعة لا تتجاوز نحو 5 مليارات دولار سنويًا، في حين تُقدر إمكاناتها الحقيقية بأربعة أضعاف هذا الرقم. ويعود ذلك إلى غياب صناديق دعم حكومية كافية في معظم البلدان، واعتماد المنتجين على تمويل شخصي أو منح دولية محدودة، فضلًا عن ندرة دور العرض السينمائي (شاشة واحدة تقريبًا لكل 787 ألف نسمة مقابل شاشة لكل 8 آلاف في الولايات المتحدة).

 ويفاقم المشكلة ضعف شبكات التوزيع، إذ تُعرض الأفلام الإفريقية غالبًا في المهرجانات فقط أو على منصات أجنبية، بينما تسيطر الأفلام الهوليوودية والبوليوودية على الشاشات المحلية. وتُعد القرصنة من أخطر التحديات، إذ تُفقد الصناعة ما لا يقل عن 50 بالمئة من إيراداتها المحتملة في ثلثي الدول الإفريقية، وهذا يثني المستثمرين عن الدخول في القطاع ويحول دون تحقيق الاستدامة الاقتصادية.

وتواجه السينما الإفريقية تحديات تتعلق بالهوية والاحترافية والوصول إلى الجمهور. فالإرث الاستعماري ترك فجوة سردية كبيرة، إذ ظلت الصورة الإفريقية تُصاغ لعقود من منظور غربي يركز على الفقر والصراعات، وهذا ما دفع المخرجين الرواد مثل عثمان سيمبين إلى استخدام السينما كأداة لاستعادة الكرامة والسرد الذاتي.

ولا تزال الصناعة تعاني من نقص التدريب المهني، إذ تفتقر معظم الدول إلى مدارس سينمائية حديثة ومناهج عملية تواكب التطور التقني، مما يؤدي إلى فجوات في المهارات الفنية والإدارية. كما يشكل تعدد اللغات واللهجات عائقًا أمام الانتشار القاري، بينما تحول الصراعات السياسية والرقابة في بعض الدول دون حرية التعبير. ويُضاف إلى ذلك الطابع غير الرسمي للصناعة في كثير من البلدان، وغياب سياسات سينمائية واضحة في نحو نصف الدول الإفريقية، الأمر الذي يجعل الإنتاج غير منظم ويحد من قدرته على المنافسة عالميًا أو حتى داخل القارة نفسها.

ويجب على الحكومات إنشاء صناديق تمويل وطنية وإقليمية وتقديم حوافز ضريبية وإعفاءات للمستثمرين، إلى جانب إبرام معاهدات إنتاج مشترك مع دول أخرى لجلب رؤوس أموال وخبرات. ثانيًا، يتطلب الأمر الاستثمار في البنية التحتية عبر بناء المزيد من دور العرض، وتطوير منصات رقمية إفريقية، وتحسين الإنترنت لتسهيل البث، مع تخصيص جزء كبير من الميزانيات للتسويق والتوزيع المحلي بدلًا من الاعتماد الكلي على المبيعات الدولية.

ثالثًا، ينبغي تعزيز مكافحة القرصنة من خلال تطبيق قوانين حقوق الملكية الفكرية بصرامة، وتطوير برامج تدريب مهني حديثة في الجامعات والمعاهد، وتشجيع التعاون القاري عبر هيئات مثل الاتحاد الإفريقي لصانعي الأفلام. وأخيرًا، يمكن الاستفادة من التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي لخفض التكاليف، ودعم الأصوات الشابة والنساء في القطاع، مع التركيز على سرديات أصيلة تعكس التنوع الإفريقي وتجذب الجمهور المحلي والعالمي، مما يحول السينما من مجرد ترفيه إلى قوة ثقافية واقتصادية حقيقية.

عبدالرحيم الشافعي – صحيفة العرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!