دراما وفنون

«الأوديسة».. كريستوفر نولان يعيد ملحمة هوميروس إلى الحياة في أضخم مغامراته السينمائية

فيلم صُوِّر بالكامل بكاميرات «آيماكس» يحوّل رحلة أوديسيوس إلى تأمل بصري وإنساني في الحرب والعودة والذاكرة

بعد ما يقرب من ثلاثة آلاف عام على ظهور ملحمة «الأوديسة»، يعيد المخرج البريطاني كريستوفر نولان واحدة من أشهر الحكايات المؤسسة للأدب العالمي إلى الواجهة، من خلال معالجة سينمائية ضخمة تجمع بين المغامرة والأسطورة والحرب والدراما الإنسانية، وتضع البطل الإغريقي أوديسيوس في قلب رحلة لا تقتصر على عبور البحار ومواجهة الوحوش والآلهة، بل تمتد إلى مواجهة آثار الحرب والندم والخوف من العودة إلى عالم لم يعد كما كان.

صدر فيلم «الأوديسة» The Odyssey عالمياً في 17 يوليو 2026، بعد حملة ترقب استثنائية رافقت المشروع منذ الإعلان عنه. وكتب نولان السيناريو وتولى الإخراج، كما شارك زوجته وشريكته الدائمة إيما توماس في الإنتاج من خلال شركة «سينكوبي»، بينما تولت «يونيفرسال بيكتشرز» مهمة التوزيع.

ويأتي الفيلم بوصفه المشروع الثالث عشر في مسيرة نولان، وثاني تعاون له مع «يونيفرسال» عقب النجاح النقدي والجماهيري الكبير لفيلم «أوبنهايمر»، الذي حصد سبع جوائز أوسكار، بينها أفضل فيلم وأفضل مخرج.

لكن «الأوديسة» لا يمثل مجرد محطة جديدة في مسيرة صاحب «إنترستيلر» و«دانكيرك» و«فارس الظلام»، بل يبدو تتويجاً لرغبته المستمرة في تقديم الأفلام بوصفها أحداثاً بصرية صُممت خصيصاً للعرض على الشاشة الكبيرة.

رحلة العودة التي استغرقت عشرين عاماً

يستند الفيلم إلى الملحمة الشعرية المنسوبة إلى الشاعر الإغريقي هوميروس، وتبدأ أحداثها عقب انتهاء حرب طروادة، عندما يحاول أوديسيوس، ملك إيثاكا وأحد أبرز قادة الجيش الإغريقي، العودة إلى وطنه ولقاء زوجته بينيلوبي وابنه تيليماكوس.

غير أن الرحلة تتحول إلى اختبار طويل وقاسٍ، يواجه خلاله أوديسيوس ورجاله العواصف والمجهول والمخلوقات الأسطورية، ومن بينها العملاق ذو العين الواحدة «السيكلوب»، فضلاً عن الساحرة سيرسي والحورية كاليبسو، بينما تتدخل الآلهة في مصيره بين من يحاول مساعدته ومن يسعى إلى عرقلة عودته.

وفي إيثاكا، تسير حكاية موازية؛ إذ تنتظر بينيلوبي زوجها الغائب، فيما يحتل عدد من الرجال قصرها ويضغطون عليها لاختيار أحدهم زوجاً وملكاً جديداً. أما تيليماكوس، الذي غادر والده إلى الحرب وهو طفل رضيع، فيبدأ رحلته الخاصة بحثاً عن أخبار أوديسيوس، ومحاولة إثبات حضوره أمام الرجال الطامعين في العرش.

ومن خلال هاتين الرحلتين المتوازيتين، يجمع الفيلم بين حكاية العودة إلى الوطن وقصة بلوغ الابن مرحلة النضج، ويطرح أسئلة عن الأبوة والهوية والوفاء والسلطة، وعن الثمن الذي يدفعه المحارب حتى بعد انتهاء الحرب.

أوديسيوس إنساناً لا بطلاً خارقاً

يتصدر مات ديمون بطولة الفيلم مجسداً أوديسيوس، في ثالث تعاون له مع نولان بعد «إنترستيلر» و«أوبنهايمر». ولا يقدمه الفيلم بوصفه بطلاً أسطورياً لا يُهزم، وإنما رجلاً معقداً ومنهكاً تطارده نتائج قراراته وتجاربه في الحرب.

ويمنح هذا الاختيار الشخصية بعداً إنسانياً واضحاً؛ فأوديسيوس في الفيلم ذكي وشجاع وقادر على القيادة والخداع، لكنه ليس منزهاً عن الغرور أو الخطأ. إنه رجل يحاول العودة إلى عائلته، وفي الوقت نفسه يكتشف أن العودة الجسدية إلى الوطن لا تعني بالضرورة القدرة على العودة النفسية إلى الحياة السابقة.

وقد وصف ديمون الشخصية بأنها بطل معقد وغير مثالي، يعيش تحت وطأة نتائج أفعاله، بينما رأى نولان أن قلب الملحمة يكمن في هذا «الرجل المعقد»، لا في الوحوش والآلهة وحدها.

وتؤدي آن هاثاواي شخصية بينيلوبي، ملكة إيثاكا التي انتظرت عودة زوجها طوال سنوات، لكنها لا تظهر باعتبارها رمزاً ساكناً للصبر والوفاء فقط. يمنحها الفيلم حضوراً إنسانياً يتجاوز الصورة التقليدية، ويكشف ما تخفيه خلف الثبات من قلق وغضب وذكاء وقدرة على المناورة.

أما توم هولاند فيجسد تيليماكوس، الابن الذي نشأ في ظل غياب الأب، ويواجه تهديد الرجال المسيطرين على القصر. وتمثل رحلته خطاً درامياً عن اكتشاف الذات، والتحول من شاب محاصر بتاريخ والده إلى شخصية تسعى إلى صياغة مصيرها الخاص.

كوكبة من نجوم السينما

يضم الفيلم واحداً من أكبر طواقم التمثيل في أعمال نولان، حيث تؤدي زندايا شخصية أثينا، إلهة الحكمة والحرب، التي تظهر في محطات مختلفة من رحلة أوديسيوس لتوجيهه واختبار قدرته على فهم الدروس الكامنة خلف محنته.

ويجسد روبرت باتينسون شخصية أنتينوس، أبرز الطامعين في الزواج من بينيلوبي والاستيلاء على عرش إيثاكا، بينما تؤدي لوبيتا نيونغو شخصيتي هيلين وكليتمنسترا، في معالجة تقترب من الآثار النفسية والإنسانية التي تركتها حرب طروادة في النساء اللواتي ارتبطت أسماؤهن بها.

وتظهر تشارليز ثيرون في شخصية كاليبسو، فيما تؤدي سامانثا مورتون دور الساحرة سيرسي، ويجسد جون بيرنثال شخصية منيلاوس، ملك إسبرطة وزوج هيلين. أما بيني سافدي فيؤدي دور أجاممنون، قائد الجيش الإغريقي، ويظهر هيمش باتيل في شخصية يوريلوخوس، الرجل الثاني بعد أوديسيوس في قيادة البحارة.

ويشارك كذلك جون ليجويزامو في دور يوميوس، الخادم الوفي لأوديسيوس، وبيل إروين في شخصية السيكلوب، وإليوت بيج في دور سينون، وميا غوث في شخصية ميلانثو، إلى جانب ظهور مغني الراب ترافيس سكوت في شخصية شاعر داخل بلاط إيثاكا.

أول فيلم يُصوَّر كاملاً بكاميرات «آيماكس»

يمثل الجانب التقني أحد أهم العناصر التي صنعت المكانة الاستثنائية للفيلم؛ إذ يُعد «الأوديسة» أول فيلم روائي طويل تُصوَّر جميع مشاهده بالكامل بكاميرات «آيماكس» السينمائية، وليس مجموعة مختارة من المشاهد كما جرت العادة في أفلام نولان السابقة.

وتعاون نولان ومدير التصوير هويت فان هويتيما مع شركة «آيماكس» لتطوير كاميرات أخف وزناً وأقل ضجيجاً، بعدما كان صوت الكاميرات التقليدية يمثل عائقاً أمام تصوير الحوارات الهادئة والمشاهد القريبة.

كما صُمم غلاف عازل للصوت يحيط بالكاميرا، إلى جانب نظام يعتمد على المرايا للمحافظة على اتجاه نظر الممثلين أثناء تصوير الحوارات. وقد مكنت هذه الحلول الفريق من تصوير المشاهد الحميمة بالشريط السينمائي نفسه الذي استُخدم في المعارك والعواصف والمشاهد الواسعة.

واستهلك الإنتاج أكثر من 2.1 مليون قدم من شريط «آيماكس» مقاس 70 مليمتراً، فيما لم تكن كل لفة تسمح بأكثر من دقيقتين ونصف إلى ثلاث دقائق من التصوير المتواصل قبل إعادة تعبئة الكاميرا.

وقال نولان إن هذا النظام يمنح الصورة دقة ووضوحاً وإحساساً بالعمق يصعب الوصول إليه بالتصوير الرقمي، ويسمح للشاشة بأن تختفي من وعي المتفرج، ليشعر كأنه موجود داخل العالم الذي يشاهده.

ست دول و91 يوماً من التصوير

امتد التصوير الرئيسي على مدار 91 يوماً خلال ستة أشهر، وانتهى قبل الموعد المحدد بتسعة أيام. وتنقل فريق العمل بين اليونان وإيطاليا والمغرب وآيسلندا واسكتلندا والولايات المتحدة، سعياً إلى بناء عالم ملحمي يعتمد على الطبيعة والمواقع الحقيقية.

صُورت مشاهد طروادة في المغرب، بينما احتضنت اليونان عدداً من المواقع المرتبطة برحلة أوديسيوس، ومنها الشواطئ والكهوف والقلاع. وانتقل التصوير إلى الجزر الإيطالية لتنفيذ المشاهد البحرية، وإلى آيسلندا واسكتلندا لتصوير الأراضي القاسية والشواطئ والغابات.

واستخدم الإنتاج سفينة حقيقية يبلغ طولها نحو 35 متراً لتجسيد سفينة أوديسيوس، بدلاً من الاعتماد الكامل على الديكورات الرقمية. كما عمل الممثلون وسط الأمواج وفي المواقع الجبلية والظروف المناخية المتغيرة.

وقال مات ديمون إن تصوير الفيلم كان أصعب تجربة سينمائية في مسيرته، وإن العمل بدا في أوقات كثيرة أقرب إلى بعثة استكشافية منه إلى تصوير فيلم تقليدي. أما نولان فأكد أن وضع الممثلين في مواقع حقيقية كان ضرورياً لمنح المتفرج إحساساً مادياً بقسوة الرحلة والعالم غير المعروف الذي يبحر فيه أوديسيوس ورفاقه.

صناعة عالم ملحمي

تكشف أرقام الإنتاج عن حجم المشروع؛ فقد صنع أكثر من 675 حرفياً ما يزيد على 5300 زي، وشارك قرابة ألفي ممثل إضافي في مشاهد حصار طروادة، كما شُيد كهف السيكلوب بارتفاع يقارب 29 متراً، وصُنعت نماذج ضخمة لحصان طروادة.

وبلغت ميزانية الإنتاج المعلنة نحو 250 مليون دولار، ما يجعله أحد أغلى أفلام نولان وأكثرها طموحاً. غير أن الضخامة هنا لا تقتصر على الإنفاق، بل تظهر في محاولة الجمع بين الوسائل السينمائية التقليدية والتقنيات الحديثة، واستخدام الديكورات والدمى والمؤثرات العملية إلى جانب المؤثرات البصرية الرقمية عند الحاجة.

واستُخدمت عدة تقنيات لتجسيد السيكلوب، شملت الأداء الحي والدمى والميكانيكا والمؤثرات الحاسوبية. ولم يتعامل نولان معه بوصفه وحشاً هدفه إخافة المشاهد فقط، وإنما مخلوقاً يمتلك حضوراً وشخصية، مستلهماً فكرة أن الوحش في الحكاية الجيدة لا ينبغي أن يكون مجرد كتلة من الرعب.

موسيقى تستدعي العالم الإغريقي

عاد المؤلف الموسيقي لودفيغ غورانسون إلى التعاون مع نولان بعد «تينيت» و«أوبنهايمر»، مقدماً موسيقى تمزج بين الطابع البدائي والملحمي.

واستعان غورانسون بآلات مرتبطة بالموسيقى الإغريقية القديمة، مثل الناي المزدوج والقيثارة، إلى جانب 35 صنجاً برونزياً، لتكوين عالم صوتي يجمع بين رهبة البحر وخطر الحرب وغموض الآلهة.

وحظيت الموسيقى بإشادة واسعة، وعدّها عدد من النقاد أحد أبرز إنجازات الفيلم، إلى جانب التصوير وتصميم الصوت. وفي قاعات «آيماكس»، تتحول الموسيقى والأمواج واحتكاك السفن ووقع خطوات المخلوقات إلى عناصر مادية تكاد تُشعر المتفرج بأنه جزء من الرحلة.

الحرب لا تنتهي بانتهاء المعركة

على الرغم من أن «الأوديسة» يقدم المعارك والآلهة والسحرة والمخلوقات الأسطورية، فإن جوهره يتصل بالإنسان العائد من الحرب.

ينظر الفيلم إلى أوديسيوس باعتباره محارباً يحمل داخله آثار ما ارتكبه وما شهده. ويظهر حصان طروادة، الذي يُحتفى به عادة رمزاً للذكاء والانتصار، بوصفه أيضاً ذكرى ثقيلة تلاحق صاحبه، وتفتح باباً للتساؤل عن الحدود بين الحيلة العسكرية والجريمة، وبين المجد والخراب.

ومن هذا المنظور، تصبح رحلة العودة نوعاً من الحساب الداخلي. وكل جزيرة أو مخلوق أو محنة جديدة لا تمثل عقبة جغرافية فحسب، بل تكشف جانباً من شخصية أوديسيوس وتضعه أمام نتائج غروره وقراراته.

كما يوسع الفيلم أثر الحرب ليشمل الشخصيات التي بقيت في الوطن؛ فبينيلوبي تعيش حرباً مختلفة من الانتظار والحصار، بينما ينشأ تيليماكوس وسط فراغ صنعه غياب أبيه، ويتعامل أهالي إيثاكا مع مملكة عالقة بين ذكرى الملك واحتمال عدم عودته.

استقبال نقدي وجماهيري واسع

استقبل النقاد الفيلم بحفاوة كبيرة؛ إذ حصل، حتى 31 يوليو 2026، على 94 في المئة في مؤشر النقاد بموقع «روتن توميتوز»، استناداً إلى 456 مراجعة، فيما بلغ تقييم الجمهور الموثق 97 في المئة من أكثر من عشرة آلاف تقييم.

وعلى موقع «ميتاكريتيك»، سجل الفيلم 88 نقطة من مئة، استناداً إلى 62 مراجعة نقدية، بينها 57 مراجعة إيجابية وخمس مراجعات متوسطة، من دون تسجيل مراجعة سلبية صريحة ضمن العينة المعتمدة في الموقع.

ورأى عدد من النقاد أن الفيلم أحد أبرز الإنجازات في مسيرة نولان، وأشادوا بالتصوير والموسيقى والأداء والقدرة على الجمع بين المشهد الملحمي والدراما الإنسانية. واعتبر آخرون أنه واحد من أكثر أفلام الفانتازيا الملحمية طموحاً في السينما الحديثة.

في المقابل، تحفظ بعض النقاد على طول الفيلم الذي يقترب من ثلاث ساعات، وعلى كثافة الأحداث، ورأوا أن ضخامة الصورة تتقدم أحياناً على العمق النفسي لبعض الشخصيات الثانوية. كما وصفه فريق من المراجعين بأنه عمل يسهل احترام إنجازه التقني أكثر من الارتباط العاطفي الكامل به.

جدل بين السينما والأدب

أثار الفيلم نقاشاً واسعاً بين المتخصصين في الأدب الكلاسيكي حول مدى وفائه لنص هوميروس. وقدمت الباحثة والمترجمة إميلي ويلسون، صاحبة إحدى أبرز الترجمات الإنجليزية الحديثة لـ«الأوديسة»، موقفاً شديد الانتقاد، معتبرة أن الفيلم لم يستثمر العمق النفسي والسياسي والأخلاقي الموجود في الملحمة، وأن عدداً من شخصياته يفتقر إلى دوافع مقنعة.

وأشعل رأيها سجالاً ثقافياً، بعدما ردت عليها الروائية الأميركية جويس كارول أوتس، معتبرة أن لهجتها كانت قاسية وغير منصفة تجاه حق المخرج في تقديم تفسيره الخاص للنص.

وانقسم النقاش بين من يطالب الفيلم بالاقتراب من روح الملحمة وتعدد مستوياتها، ومن يرى أن نولان لم يقدم ترجمة حرفية لهوميروس، بل عملاً سينمائياً مستقلاً يستند إلى الملحمة ويعيد تشكيلها وفق رؤيته واهتماماته.

ومع ذلك، اتفق المؤيدون والمنتقدون على أن الفيلم أعاد «الأوديسة» إلى واجهة الاهتمام العالمي، ودفع شريحة جديدة من الجمهور إلى البحث عن ملحمتي «الأوديسة» و«الإلياذة» وقراءتهما. وأشارت تقارير بريطانية إلى ارتفاع كبير في عمليات البحث عن الكتب المرتبطة بهوميروس خلال فترة عرض الفيلم.

نجاح يتجاوز التوقعات

ترجم الجمهور اهتمامه بالفيلم إلى نجاح تجاري لافت؛ فقد حقق افتتاحاً عالمياً بلغ نحو 264.1 مليون دولار، بينها 124.5 مليون دولار في أميركا الشمالية، ونحو 139.6 مليون دولار في الأسواق الدولية.

وبنهاية عطلة عرضه الثانية، اقتربت إيراداته العالمية من 640 مليون دولار، قبل أن تتجاوز 683 مليون دولار وفق التقارير المنشورة في 30 يوليو 2026.

كما حقق الفيلم نتائج قياسية في قاعات «آيماكس»، ودفعت عروض نسخة 70 مليمتراً النادرة بعض المشاهدين إلى السفر بين المدن والدول. وشهدت دور عرض أوروبية وأميركية جلسات في منتصف الليل والثالثة صباحاً، فيما مُددت فترة عرض النسخ السينمائية نتيجة استمرار الطلب.

ولم يتراجع الفيلم في عطلة أسبوعه الثانية في السوق الأميركية سوى بنحو 30 في المئة، وهي نسبة قوية بالنسبة إلى عمل افتتح بأكثر من مئة مليون دولار، وتعكس استمرار الإقبال وتوصيات الجمهور وتكرار المشاهدة.

ملحمة قديمة بلغة سينمائية معاصرة

لا تكمن أهمية «الأوديسة» في كونه أضخم أفلام كريستوفر نولان أو أول فيلم يُصوَّر كاملاً بكاميرات «آيماكس» فقط، بل في قدرته على إعادة حكاية شديدة القدم إلى قلب الثقافة الجماهيرية المعاصرة.

لقد أخذ نولان نصاً تشكل قبل آلاف السنين، وقدمه بوصفه حكاية عن الإنسان الذي يذهب إلى الحرب ثم يكتشف أن طريق العودة أصعب من طريق الذهاب، وعن الزوجة التي تحول الانتظار عندها إلى فعل مقاومة، والابن الذي يبحث عن ذاته في ظل أب غائب، والمملكة التي يمكن أن تنهار لأنها ظلت زمناً طويلاً معلقة بين الماضي والمستقبل.

قد يختلف المتخصصون والمشاهدون حول مدى وفاء الفيلم لهوميروس، وحول موقعه بين أفضل أعمال نولان، لكن يصعب إنكار أنه أعاد الاعتبار لفكرة الفيلم الملحمي بوصفه حدثاً جماعياً يُشاهد على الشاشة الكبيرة، وأثبت أن حكاية عمرها ثلاثة آلاف عام لا تزال قادرة على إثارة الدهشة والجدل، وطرح السؤال الإنساني القديم نفسه: ماذا يتبقى من الإنسان عندما تنتهي الحرب ويبدأ طريق العودة؟

المشهد الفني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!