«بيت أبو عبدالله».. الجسد العراقي يعبر حدود الكلام
من قرطاج وبغداد إلى ظفار.. عرض أنس عبدالصمد يواصل مساره العربي بلغة تقوم على الجسد والحركة والصورة

تواصل مسرحية «بيت أبو عبدالله» للفرقة الوطنية للتمثيل التابعة لدائرة السينما والمسرح العراقية حضورها في المشهد المسرحي العربي، من خلال مشاركتها في مسابقة «العروض الكبرى» ضمن فعاليات مهرجان ظفار الدولي للمسرح في سلطنة عُمان، في محطة جديدة تضاف إلى مسار عرض لافت استطاع أن يحصد جوائز ويحضر في عدد من التظاهرات المسرحية العربية.
والمسرحية من تأليف وإخراج الفنان أنس عبدالصمد، وتتناول أسئلة الإنسان داخل محيطه الأسري والاجتماعي، وما يواجهه من عزلة وضغوط واختلالات نفسية واجتماعية. غير أن العمل لا يطرح هذه القضايا من خلال السرد التقليدي أو الحوار بوصفه أداة التعبير الرئيسية، وإنما يعتمد على لغة مسرحية تقوم أساسًا على الجسد والحركة والتكوينات البصرية.
ويتحول الجسد في العرض إلى لغة قائمة بذاتها، يكشف من خلالها عن الخوف والاضطراب والعزلة والصدام، فيما تصبح الحركة وسيلة لبناء العلاقات والصراعات والانفعالات. كما تتحول الخشبة إلى فضاء مفتوح للتأويل، تتفاعل داخله حركة الممثلين مع السينوغرافيا والإيقاع والصورة، لتشكيل تجربة مسرحية تتجاوز الحكاية المباشرة نحو التعبير الحسي والبصري.
ويشارك في بطولة العمل الفنانون ماجد درندش، ومحمد عمر، وثريا بوغانمي، إلى جانب أنس عبدالصمد ومجموعة من الفنانين الشباب، فيما أنتجته دائرة السينما والمسرح/ الفرقة الوطنية للتمثيل.
ولا يبدو «البيت» في عنوان المسرحية مجرد مكان تجري فيه الأحداث، بل يمكن قراءته باعتباره فضاءً رمزيًا للعلاقات والذاكرة والسلطة والانتماء، ومجالًا تتقاطع داخله الرغبات الفردية مع الضغوط الاجتماعية. ومن خلال هذا الفضاء، يطرح العرض أسئلة العزلة والاغتراب والاختلال النفسي، واضعًا الإنسان في مواجهة محيطه وفي مواجهة ذاته أيضًا.
وسبق لـ«بيت أبو عبدالله» أن حصد التانيت الفضي في الدورة الخامسة والعشرين من أيام قرطاج المسرحية في تونس، كما حقق حضورًا بارزًا في مهرجان بغداد الدولي للمسرح، حيث نال جائزتي أفضل إخراج وأفضل سينوغرافيا، إلى جانب ترشيحه لجائزة أفضل عمل متكامل.
وتكتسب هذه الجوائز دلالتها من طبيعة التجربة نفسها، إذ تؤكد أهمية الرؤية الإخراجية والعناصر البصرية في بناء العرض، خصوصًا أن السينوغرافيا والحركة لا تؤديان وظيفة جمالية فحسب، بل تشاركان في إنتاج المعنى وتكوين العالم المسرحي.
وتمنح مشاركة العمل في مهرجان ظفار الدولي للمسرح فرصة جديدة للقاء تجارب عربية مختلفة، وتتيح له اختبار لغته المسرحية أمام جمهور متنوع. كما تمثل المهرجانات فضاءً لتبادل الخبرات والحوار بين الفنانين، بما يسهم في تطوير التجارب المسرحية وفتح آفاق جديدة أمامها.
ومن تونس إلى بغداد ثم ظفار، يواصل «بيت أبو عبدالله» مساره العربي، مؤكدًا قدرة التجربة المسرحية العراقية على الانفتاح على اتجاهات فنية جديدة، وعلى تقديم عروض تجعل من الجسد والحركة والصورة أدوات أساسية للتعبير.
وبحضوره في ظفار، يعزز العرض موقعه ضمن خريطة المسرح العربي المعاصر، ويكرس في الوقت نفسه حضور المسرح العراقي بوصفه فضاءً للتجريب وإعادة اكتشاف إمكانات الخشبة، حيث يصبح الجسد وسيلة للقول، والحركة شكلًا من أشكال السرد، والمسرح مجالًا مفتوحًا لأسئلة الإنسان والمجتمع.
صحيفة العرب



