الشباب يمنح المهرجان القومى صك الحيوية والتجدد

- «تصبحى على خير يا ماما».. ترنيمة الموت الهادئ
عشرة أيام مرت من عمر الدورة التاسعة عشرة للمهرجان القومى للمسرح برئاسة الممثل القدير محمد رياض، وهى الدورة التى أثبت فيها الشباب مع مرور لياليها أنهم الأجدر والأقدر على منح المسرح صك الحيوية والتجدد، خاصة أن أكثر من 95% من العروض هى لأبطال من الشباب فى كل عناصر العرض المسرحى، بدءًا من حفل الافتتاح ذاته، ووصولاً إلى العديد من العروض المتميزة واللافتة مثل: «متولى وشفيقة»، «ليالينا»، «دائرة الطباشير القوقازية»، «شنب البنات»، «البوسطجي»، «هل هذا لير؟»، «تصبحى على خير يا ماما»، بالإضافة إلى عرض «فتاة المترو» الذى يعد خطوة غير مسبوقة فى تاريخ المهرجان، والأهم أنهم قدموا رؤاهم المبتكرة ضمن مختلف أنواع الإنتاج المسرحى، من رسمى إلى جامعى إلى مستقل، وهو ما يجعلنا نزداد تمسكًا بضرورة دعم المسرح الجامعى والمدرسى لأنهما مستقبل الفن المصرى.
من قلب غسالة ملابس متهالكة خرجت الفتاة وكأنها اغتسلت لتوها من اتساخ يومى مؤقت، أو هكذا حاولت، بداية رمزية لافتة تؤكد أننا أمام عرض يرصد معاناة الإنسان فى عالمنا القاسى، ولكننا نتأكد بعدها أننا أمام شابة امتلك اليأس وجدانها حتى اتخذت قرارا بالانتحار هربًا من سلطة ذكورية دهست أنوثتها ونقاءها.. فى عرض «تصبحى على خير يا ماما» تقترب المخرجة نور إسماعيل من عالم المؤلفة الأمريكية مارشا نورمان لتلتقط معاناة أسرة خفت بريقها يومًا بعد يوم وصولا إلى فعل الانتحار.. النص كتبته المؤلفة عام 1983 ونالت عنه جائزة البوليتزر وترجمته الناقدة الراحلة د. نهاد صليحة، ورغم أنه نص يبدو تقليديا جافا، فإن المخرجة صنعت منه حالة درامية مفعمة بالشجن والألم الإنساني، ففى منزل غير تقليدي، تفترش الأم وابنتها فضاءً مكسوا بالرمال، وتغطيه الأكياس السوداء التى نعرف تدريجيا أنها معبأة بأغراض البيت، فى وجود سلم خشبى تعتليه الشخصيات كوظيفة حياتية وأخرى رمزية، تبدو الليلة دافئة تارة وساخنة تارة ومتوترة تارة ثالثة، فالحوار بين الأم وابنتها يأخذ منعطفات غير مستقرة بفضل حديث الذكريات بينهما، والذى يتخلله بحث الابنة عن مسدس أبيها رغبة منها فى الانتحار، وكأنها تبحث عن شىء عادي، بينما لا تأخذ الأم كلام ابنتها على محمل الجد، وتذكرها بأن أباها لم يكن ليسمح لها بأن تلهو بمسدسه، أو أخاها لم يكن ليتركها تفعل ما تشاء، بينما طليقها فبالتأكيد كان سيثنيها عن فعلتها، فالأم لا حول لها ولا قوة أمام رغبة ابنتها فى الرحيل، وبين مثلث الذكورية يتأرجح حديث الأم والابنة طوال الليلة لتتكشف معه تفاصيل حياتهما الشخصية، وكيف أن الزوج/ السكن لم يحتمل إصابة الفتاة بالصرع، بينما تكشف الأم عن رغبتها فى الرقص التى لم تتحقق فى حياة الأب كما أرادت، فتقرران معًا تحقيقها فى مشهد غاية فى اللطف المسكون بالألم.
أجمل ما فى العرض هو الدلالات الرمزية التى رصَّعت بها المخرجة أحداثها، فأرضية البيت المكسوة بالرمال تؤكد جدب الحياة وجفافها وهشاشتها فى الوقت نفسه، بينما تبدو الأكياس السوداء كحيلة عبثية استدعت فى مخيلتى كراسى يونسكو التى توالدت على المسرح لتخنق أبطاله، وإن كنا هنا فى حاجة لتوالد الأكياس جنبا إلى جنب مع الدراما التعبيرية لراقصتين جعلت منهما المخرجة معالجًا صامتا يبوح بآلام الأم وابنتها رقصًا فقط، بينما استخدمت شاشة العرض لتقديم فواصل ساخرة، وإن كانت بالنسبة لى عنصرًا مشوشًا وليس داعما للمعنى، خاصة فى ظل رداءة صوته.

أما الأداء التمثيلى فقد كان أصدق ما فى الأمر، بفضل التناغم والنعومة اللافتة فى أداء عالية الحقبانى/ الأم ودعاء الزايدى/ الابنة، واستطاعتا معا بناء إيقاع هادئ ناعم يتسلل خفية إلى وجدان المتلقى ويمتلك أواصره كما لو كان ماءً يغلى على نار هادئة، بفضل الحوار الذى بدا كأنه لعبة البنج بونج، تتبادل فيها الابنة الاتهامات، وترد الأم دفاعا عن نفسها ليبدو الأمر كبوح متبادل، يتخلله ترتيبات الابنة مراسم ما بعد الانتحار ووصاياها للأم، وصولا إلى لحظة إطلاق النار، وبرعت عالية فى دور الأم رغم حداثة سنها، ولكنها أبرزت شيخوخة النفس والاحتياج لمن يرعاها فى أقصى درجاتها حتى الابتزاز العاطفى حين يستدعى الأمر، ورغم ذلك لم يخل أداؤها من لمسات كوميدية رقيقة غير مقحمة أضفت على الأحداث حيوية وبريقا، بينما نجحت دعاء الزايدى فى التعبير عن معاناة الابنة بشفافية وعذوبة لافتتين، خاصة فى تعاملها مع فعل الانتحار بكل ثبات وثقة، وانهمار دموعها فى صمت موجع خوفًا من انهيار الأم، وجسدت غُضية أحمد طارق المعاناة النفسية لكليهما بلا بهرجة مفتعلة، وصمتت داليا علاء الدين فى الماكياج والملابس المناسبة للشخصيات فى بساطة معبرة، خاصة فى فستان الراقصة المعبرة عن الابنة، والتى اكتست ملابسها خيوطًا مقطوعة كما لو كانت ماريونيت تمزقت خيوطها، خاصة أنها تتناسب مع طبيعة الحركة الناعمة التى رسمها أحمد مرعى فى رقصاته بهدوء يتناسب مع فكرة تسلل الموت خلسة، وبالطبع كل التحية لبراعة واحترافية الراقصتين هيام سراج وفاطمة نبيل.

باسم صادق – الأهرام



