“خلي بالك من نفسك”… أكشن لكن كوميدي
الفيلم يراهن على بطلة لا تنتظر الإنقاذ ويضعنا أمام تساؤل هل يبدأ عصر جديد لأفلام الأكشن النسائية في مصر؟

ملخص
يجمع فيلم “خللي بالك من نفسك” بين أحمد السقا وياسمين عبدالعزيز ولبلبة وميشيل ميلاد ومحمد لطفي وهدى الإتربي وأحمد فهيم، وقام بأدوار الشرف إياد نصار وكريم فهمي وعمرو سعد، وهو من تأليف شريف الليثي وإخراج معتز التوني
في وقت أصبحت بطلات الأكشن جزءاً أساساً من الصناعة السينمائية العالمية، لا تزال السينما المصرية والعربية تتعامل مع هذا النوع باعتباره مغامرة غير مضمونة، وتفضل أن تترك البطولة القتالية للرجل، بينما تُحاصر المرأة داخل أدوار الزوجة أو الحبيبة أو الضحية أو عنصر الإغراء.
وقبل أن نتحدث عن تفاصيل فيلم “خلي بالك من نفسك”، ربما يكون السؤال الأكثر أهمية هو لماذا يبدو وجود امرأة تحمل السلاح وتقود المطاردات في السينما المصرية حدثاً يستحق التوقف عنده؟ ومن هنا تكتسب تجربة هذا العمل أهمية تتجاوز حدود الفيلم نفسه، فهو ليس مجرد فيلم أكشن كوميدي، إنما محاولة لإعادة البطلة إلى قلب المعركة بعد أعوام طويلة من الغياب، حتى وإن جاءت هذه المحاولة داخل إطار تجاري خفيف لا يخلو من الكوميديا والمبالغات.
امرأة مطاردة دائماً
يجمع فيلم “خللي بالك من نفسك” بين أحمد السقا وياسمين عبدالعزيز ولبلبة وميشيل ميلاد ومحمد لطفي وهدى الإتربي وأحمد فهيم، وقام بأدوار الشرف إياد نصار وكريم فهمي وعمرو سعد، وهو من تأليف شريف الليثي وإخراج معتز التوني.
منذ المشاهد الأولى يضع الفيلم المُشاهد أمام معادلة غير معتادة في السينما المصرية، فالبطل علاء البردويلي الذي يقوم بدوره أحمد السقا ليس ضابطاً ولا رجل عصابات ولا شخصاً خارقاً، بل مذيع تلفزيوني مسالم يعيش حياة هادئة، ويحلم فقط بالاستقرار والزواج بعد فشل عدد من العلاقات التي كانت والدته تسعى لإتمامها حتى يتزوج ابنها الوحيد.
يدخل البردويلي عالماً مختلفاً تماماً عندما يلتقي امرأة جميلة وجذابة هي فريدة الشندويلي التي قامت بدورها ياسمين عبدالعزيز، وتنشأ بينهما قصة حب فتقع المرأة القوية في العشق للمرة الأولى وعندما يفكر علاء في إنهاء العلاقة بسبب مشكلة ما تستخدم فريدة كل وسائل التهديد حتى يتمم الزواج مجبراً، وبعد فترة يتقبل وجودها وتسير الأمور بصورة طبيعية وتعلن حملها في أول طفل لهما بعد الزواج، وعندما يرتبط بها عاطفياً بمشاعر حقيقية يكتشف أنها تخفي حياة كاملة لم يكن يتخيلها، فهي تاجرة سلاح محترفة، تملك شبكة من العلاقات الخطرة، وتعيش مطاردة دائمة مع خصوم لا يعرفون الرحمة.
هنا ينجح السيناريو في قلب المعادلة التقليدية للسينما بوجه عام فبدلاً من أن يكون الرجل هو صاحب القوة، تصبح المرأة هي التي تمتلك الخبرة والسلاح والقدرة على المواجهة، بينما يجد الزوج نفسه في موقع الشخص الذي يحتاج إلى الحماية، والغريب أن العمل يصدم المشاهد بتقديم أحمد السقا بعيداً من الأكشن وفي دور رجل ضعيف يحتاج إلى الحماية وتتولى زوجته تلك المهمة.
وهذه المفارقة هي أكثر ما يميز الفيلم، لأنها تكسر واحدة من أكثر الصور النمطية رسوخاً في السينما التجارية، وتمنح البطلة دوراً ظل طويلاً حكراً على الرجال.
بعد هذا التأسيس الجيد للشخصيات والبدايات تحدث الذروة الدرامية بسبب الصراع النفسي الذي ينشأ داخل البطلة بين ماضيها الدموي ورغبتها في بناء أسرة مستقرة، وكان يمكن لهذا الصراع أن يمنح الشخصية عمقاً إنسانياً أكبر، ويحولها من مجرد امرأة قوية إلى شخصية مركبة تعيش صراعاً داخلياً حقيقياً، لكن من البداية كان السيناريو يراهن أكثر على الترفيه والكوميديا الخفيفة التي تعتمد على الإيقاع السريع وخفة الظل، وتبتعد من الشخصيات المركبة والمناطق العميقة الداكنة بالنفس البشرية.
سيطر الإيقاع السريع على معظم مشاهد الفيلم، فالأحداث تتحرك باستمرار، ولا تترك مساحة طويلة للشرح أو التفسير، وهذا منح الفيلم ميزة واضحة، إذ لا يشعر المشاهد بالبطء أو الترهل، وفي الوقت نفسه أفقدت السرعة بعض المشاهد قوتها، لأن هناك عدداً من التحولات تأتي بسهولة أكثر من اللازم، وبعض العقد تحل عبر المصادفات، بينما تظل شخصيات عديدة مجرد أدوات لتحريك الأحداث دون أن تمتلك ملامح حقيقية أو دوافع واضحة.
كذلك، فإن الفيلم لم يمنح الأشرار حضوراً درامياً قوياً، مثل شخصية أبو جبل التي قدمها إياد نصار وشخصيتي محمد لطفي وأحمد فهيم، فلم يشعر المشاهد بأنهم مثلوا خطراً استثنائياً يوازي خطورة البطلة، وهو ما قلل من حجم التوتر في بعض المواجهات المهمة التي تتعلق بمصير الأبطال، وعلى رغم هذه العيوب نجح السيناريو في الحفاظ على توازنه بين الأكشن والكوميديا فلم يسمح لأي منهما بابتلاع الآخر، وهي نقطة تحسب للفيلم.
ليس حكراً على الرجال
ولأن مخرج الفيلم هو معتز التوني المتخصص في الكوميديا بالمقام الأول نجح في تقديم مشاهد الأكشن بصورة بعيدة من الفوضى البصرية التي تعانيها بعض الأفلام، فبدت المطاردات واضحة، وإيقاعها مفهوماً، دون مبالغة في استخدام المونتاج السريع الذي يربك المشاهد، وسيطرت النكهة الكوميدية المصرية على بعض أجواء الحركة والجريمة فخففت من حدتها، وساعدت المؤثرات البصرية ولغة الحوار في إتمام المهمة على وجه مقبول فنياً وجماهيرياً.
غابت ياسمين عبدالعزيز منذ أعوام عن الشاشة الفضية، واكتفت بتقديم عدد من المسلسلات الرمضانية في أثناء الفترة الأخيرة، وفي عدد من تصريحاتها أكدت أنها تبحث عن موضوع يعيدها إلى السينما من بوابة مختلفة تماماً عن أدوارها السابقة مثل “الدادة دودي” و”حاحا وتفاحة” و”أبلة طمطم”، و”الآنسة مامي” و”جوازة ميري” و”أبو شنب” وغيرها من الأعمال، وربما كان الأكشن الكوميدي هو المنطقة التي كانت تحلم بخوضها والرجوع من خلالها، حتى عادت بشخصية فريدة الشندويلي المرأة الرومانسية المحبة لزوجها، وفي الوقت نفسه تاجرة السلاح التي تمرست على الإجرام والشراسة، واتسمت الشخصية بازدواجية حققت أحلام ياسمين بنسبة كبيرة وجعلتها تقدم واحدة من أكثر الشخصيات اختلافاً في مسيرتها السينمائية، لأنها لا تعتمد فقط على الكوميديا التي اشتهرت بها، إنما دخلت منطقة الأكشن بثقة واضحة اعتمدت على خبرة سينمائية طويلة ورغبة ملحة في التجديد.
اللافت أن ياسمين لعبت الشخصية بعيداً من محاولات تقليد بطلات الحركة في السينما الأميركية والعالمية، ولم تقدم نفسها باعتبارها امرأة خارقة لا تُهزم، بل حافظت على الحس المصري الفكاهي وخفة الظل في الأكشن والرومانسية مما جعل الشخصية أكثر قبولاً وجاذبية.
أما أحمد السقا فقد تمرد على نفسه في شخصية علاء البردويلي الزوج الضعيف والمذيع الفاشل، وتخلى في “خللي بالك من نفسك” عن احتكار البطولة، ولم يفرض مساحته على حساب البطلة، ووافق أن يكون الطرف الأقل خبرة داخل العلاقة، وهو اختيار ذكي يمنح الأحداث توازناً، ويؤكد أن البطولة في هذا الفيلم ليست قائمة على المنافسة بين النجمين، إنما على تكامل الشخصيتين.
وتميزت أدوار الفيلم الثانية والفرعية بخفة الظل والتأثير، وبخاصة لبلبة التي أضافت في دور رشا والدة علاء البردويلي بخبرتها وحضورها جرعة من الخفة، دون أن تتحول إلى مجرد فاصل كوميدي، بل تظل جزءاً من البناء العام للأحداث.
قد لا يكون فيلم “خلي بالك من نفسك” مرجعاً في أفلام الأكشن، ولن ينافس أهم التجارب العالمية أو حتى أفضل أفلام الأكشن المصرية، لكن قيمته الحقيقية في أنه أعاد التذكير بنقطة غائبة أو متعمدة النسيان، وهي أن الأكشن ليس حكراً على الرجال، وأن البطولة لا ترتبط بنوع الشخصية بقدر ما ترتبط بمدى جودة كتابتها.
نجلاء أبو النجا – إندبندنت عربية



