أخبار مسرحية

أنا وأسئلتي والمونودراما وكل يوم في شأن ( 2 )

يبدو لي أنه يتعذر على الطارق أبواب الظاهرة المونودرامية وخلفياتها الفكرية في مسرحنا العربي قراءة ملامحها بشكل استباري وعميق ودقيق، وذلك للأسباب التالية: ندرة المرجعيات أو المصادر النظرية التي تعنى بهذه الظاهرة من مكتباتنا ومن مراكز البحوث والدراسات العربية حد الغياب. 

غياب البيانات التأسيسية التي تستجلي معطيات وآفاق هذه الظاهرة. محدودية المؤسسات المسرحية (فرق / مراكز / اتجاهات) التي تعنى بشكل خاص بفن المونودراما في أغلب أقطارنا العربية.

اضطراب المنحى التراكمي لظاهرة المونودراما في مسرحنا العربي الأمر الذي يتعذر معه إقرار وجود حقيقي وفاعل لهذه الظاهرة. 

ندرة بل غياب الورش المسرحية التي تعنى بفن المونودراما في مسرحنا العربي. 

ندرة الوقوف النقدي التطبيقي على أهم التجارب المونودرامية في مسرحنا العربي الأمر الذي يتعذر معه تبين الرؤى الفلسفية أو الفكرية التي تنطلق منها هذه التجارب أو تتعضد بها. 

أجدني في غمرة هذه الندوة والغيابات كمن يستجدي البحث عن لون فني أزال تراثنا المسرحي العربي آخر ما تبقى له من اثر.. 

وان كان هناك ثمة أمر «غريب» فيختزل في تجارب مونودرامية متباعدة غير حاضرة الفعل والروح والمدى، وربما غير مؤثرة وممتدة، تجارب كتجارب د. سعدي يونس في العراق الذي شاهدت له أول عرض مونودرامي في حياتي عام 1976 وأنا على مقاعد النقد المسرحي بأكاديمية الفنون المسرحية بالكويت، ورفيق علي أحمد في لبنان وزيناتي قدسية وندى حمصي في سوريا وقاسم بياتلي في إيطاليا وعبدالحق الزروالي في المغرب وسامية غزمور في فلسطين وزهير النوباني في الأردن وهاشم فلاح من العراق وشاهد التجربة الفنان غنام غنام، ومن بعدهم تجارب مونودرامية أخرى حداثية عنت بالجسد وبالفضاء المسرحي في مختلف أبعاده وآفاقه الجمالية والسينوغرافية، كتجارب المخرج التونسي وليد الدغسني مع الممثلة الرائعة أماني بلعج وممثل الجسد الخلاق أسامة كشغاط، والمخرج الجزائري هشام بوسهيلة مع الممثلة الساحرة الحربائية الرائعة سعاد جناتي التي أخذني حضورها الساحر الحربائي في مونودرامتيها مايا وميرا.

ولعلني أتبين أولى الإشكالات في ملامح ظاهرة المونودراما ذاتها، حيث استفحل الخلط بين الراوي أو الشاهد على التجربة أو السارد في المسرح الجماعي وبين المونودراما كفن مسرحي يقتضي جهدًا فنيًا أدائيًا تقنيًا خاصًا به، فنلحظ أن أغلب المؤدين لفن المونودراما يتوشحون بروح الراوي وإن تجسدوا في بنات أحداثه، إذ الراوي يظل هو المسيطر والأحداث لا تأتي إلا من قبيل العرض العارض أو في هيئة جملة اعتراضية أو هوامش استشهادية، وكان من المفترض أن تكون هي روح الفعل في الأداء ويكون الراوي هو المسيطر على فضاء العرض والتلقي يكاد حضور الحدث غائبًا أو مغيبًا أو متماهيًا في شخص المؤدي لا في شخصيات العرض الذي يتجسده، وهنا يصبح المؤدي أشبه بجهاز التسجيل كما يكون أداؤه برانيًا لا يصدر عن ذاكرة حفرية ولا عن مخيلة قادرة على تحريك خلايا الأحداث الكامنة في النص المؤدى.

وهنا نلحظ الكم الاستعاني الاستعاري الهائل الذي يلتاذ إليه المؤدي من أجل تدشين شخصيته، وكما لو أن الجسد عاجز عن الاضطلاع بمهمات هذا الكم، أو كما لو أن فن المونودراما لا يتحقق فعلاً وروحًا إلا بالالتياذ لهذا الكم الاستعاني الاستعاري..  طبعًا لا بأس في أن يلجأ المؤدي لهذا الكم إذا كان قادرًا على خلق حياة فاعلة وخلاقة في جنباتها وفي روحها، واستطاع أن يجعل منها شخصيات أخرى يجري معها حوارًا وصراعًا ويهيئ منها فضاءً عاجًا بالحيوية ومتسعًا لبيئة خلقية تفاعلية بينه وبين مادة فضائه وبين فضاء التلقي، ولكن ما نطمح إليه – وهو ليس حـُكم قيمة – يكاد يكون غير متحقق، فالمساحة الجمالية التي ينبغي أن يستغل المؤدي فيها جسده كاملاً يلتهمها حكي الراوي وتتجاهلها فترات التحول من شخصية إلى أخرى، ومن زمنٍ إلى آخر وهنا نلحظ التمزق النسيجي لفضاء الأداء المونودرامي، والفراغ الذي يرهق روح فضاء العرض، وكما لو أن المؤدي يرسل أصواتًا متناثرة متباعدة في أفضية مختلفة ومتعددة لا تنسجم في فضائها المقترح ولا تحفر عميقًا في منطقتها ولا تؤسس وتهيئ لحضورها في الفضاء المُعد لها، وإن حدث وأخلصت لصوت الراوي فهي قد تمأزقت في الأداء التقليدي السائد وهنا يكون الأداء وفضاء التلقي رهينين لحالة أفقية ليس بإمكانها أن تتجاوز منطقة التناثر والتباعد الصوتي للمؤدي، وهنا نتبين الإشكال جليًا في أسس تعاطي فن المونودراما في مسرحنا العربي، حيث التوجه إلى الراوي بوصفه مدخلاً أدائيًا أساسيًا في فن المونودراما لا بوصفه مفردة مسرحية لها إمكانيات فنية متباينة كما للمفردات المسرحية الأخرى في النص والعرض. 

فإذا كان التاريخ يشفع لثيسبيس الممثل الأول اضطلاعه بدور الراوي وذلك لعدم وجود ممثل مصاحب له آنذاك ولأسباب يغفرها التاريخ له فما الذي يشفع لممثل مونودراما هذا العصر؟

يوسف الحمدان – الأيام البحرينية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!