‘إنغليزي دي يا مرسي؟’ تعلن موت المعنى
إفِّيه من مسرحية مدرسة المشاغبين (1971) يعدّ أحد أشهر الإيفيهات الكوميدية في تاريخ المسرح العربي، ويأتي مرتجلاً من الفنان يونس شلبي في حواره مع الفنان سعيد صالح

إفِّيه “إنغليزي دي يا مرسي؟” من مسرحية مدرسة المشاغبين (1971) هو أحد أشهر الإيفيهات الكوميدية في تاريخ المسرح العربي، وجاء مرتجلاً من الفنان يونس شلبي (منصور) في حواره مع الفنان سعيد صالح (مرسي الزناتي).
كانت المعلمة “عفت عبد الكريم” (سهير البابلي) تحاول تعليم “المشاغبين” الفلسفة والمنطق. ونطق “مرسي” جملة إنغليزية مشوَّهة تماماً وبلكنة غريبة ومضحكة لا علاقة لها باللغة. التفت إليه “منصور” بذهول ودهشة وسأله باهتمام كبير: “إنغليزي دي يا مرسي؟”، ليرد مرسي باستهزاء وسخرية قائلا: “لأ .. دي فيومي!”
الإفيه يجسد الفجوة التعليمية، حيث يظن الطالب أنه يتحدث لغة أجنبية بينما هو يخترع كلمات جديدة لا علاقة لها باللغة.
الاعتماد على لغة الجسد، ونظرة الذهول من يونس شلبي مقابل ثقة سعيد صالح الجاهلة. يؤكد السخرية من ضعف مستوى التعليم واللغات الأجنبية لدى طلاب المدارس الحكومية في تلك الفترة.
تحوَّل الإفيه إلى جملة دارجة يستخدمها المصريون حتى اليوم للسخرية من أي شخص يتحدث بلغة غير مفهومة أو يفتي في أمر لا يعرفه.
الإفيه يبدأ من “المُدخل” (المنطوق المشوه لمرسي الزناتي)، حيث استخدم فونيمات (أصوات) عربية بلكنة مشوَّهة لمحاكاة الإنغليزية.
سؤال منصور “إنغليزي دي يا مرسي؟” يمثل جملة اعتراضية هدمية. بنيويًّا، الجملة تتكون من (مبتدأ محذوف تقديره “هل هذا” + خبر “إنغليزي” + نداء “يا مرسي”).
الابتداء باللغة المنكورة (إنغليزي) يضع “الأداة المشوهة” في مركز الوعي فورًا، والنداء يحدد المسؤول عن هذا التشويه.
السؤال هنا ليس استفهاميًّا لطلب المعرفة والحقيقة، بل هو “استفهام إنكاري تهكمي” يقطع التدفق اللغوي ليعلن موت المعنى.
يتبنى الإفيه الفلسفة التفكيكية (الدريدية). مرسي يخلق “لغة موازية” لا وجود لها في الواقع. هو يظن أنه يمتلك الحقيقة واللغة، بينما يكشف سؤال منصور عدمية هذا الادعاء.
المشهد يتماشى مع مسرح العبث (ألبير كامو). والمحاولة اليائسة لتعليم طلاب يرفضون النظام والتعلّم هي محاولة “سيزيفية” (نسبة إلى صخرة سيزيف). عبثية الإجابة والرد تعكس غياب المعنى والجدوى في المنظومة التعليمية التقليدية.
مرسي يمارس آلية الإنكار والتسامي الوهمي. وهو يعلم في لاوعيه أنه جاهل باللغة، ولكنه يواجه زملاءه في الفصل بـ “التظاهر بالمعرفة” لحماية أناه والسيطرة والفتونة داخل الفصل.
السؤال يفرغ التوتر النفسي لدى المشاهد الناتج عن رهبة “الامتحان” أو “اللغة الأجنبية” الصعبة، ويحول الخوف من المجهول إلى ضحك تحرري من سلطة المعرفة.
عُرضت المسرحية في توقيت حساس تاريخيًّا (بداية السبعينيات). حيث كانت هناك صدمة جيلية وفقدان للثقة في الشعارات الكبرى والخطاب الرسمي الأبوي.
الإفيه يعبر عن “الانقطاع التاريخي”؛ مع العلم والتعليم، كانت هناك المعلمة عفت (سهير البابلي) التي تمثل الجيل القديم المتمسك بالنظام واللغة الكلاسيكية، بينما يمثل مرسي الزناني ومنصور عبدالمعطي وبهجت الأباصيري، وبقية المشاغبين، جيل “الضياع الحاضر” الذي لا يملك ترف الالتزام بالقواعد.
الإفيه يلتقط لحظة التحول من زمن الانضباط إلى زمن عشوائي. والكلمات غير المفهومة التي نطقها مرسي باللغة الإنغليزية (لغة التحضر والعلم) تدل على الجهل، والادعاء، والتمرد.
الإرسال السيميائي لم يقتصر على الكلمة؛ فنظرة عين يونس شلبي (منصور) المندهشة، وحركة يده المستنكرة، مقابل ملامح سعيد صالح الواثقة الصارمة، شكلت “شفرة بصرية” تضاعف من سخرية العلامة اللغوية.
إفيه يونس شلبي أحدث “خرقاً لأفق التوقع”؛ فالزميل المشاغب هو مَن صحَّح أو فضح زميله، وليست المعلمة، وبطريقة هزلية تخالف “وقار” العملية التعليمية.
جملة “إنغليزي دي يا مرسي؟” تركت مساحة للمشاهد ليتذكر فيها كل تجاربه الشخصية مع الفشل الدراسي، أو مع أشخاص يدعون المعرفة في حياته اليومية، مما جعل المتلقي شريكًا في إنتاج دلالة الإفيه وتحويله إلى إسقاط حياتي مستمر.
أحمد فضل شبلول – MEO



