رندا الأسمر تفتح ذاكرة المسرح اللبناني.. من «ربيع بيروت» إلى «أنصاف النجوم» والجيل الجديد

حين تتحدث رندا الأسمر عن المسرح، لا يبدو الأمر وكأنها تستعيد مهنة اختارتها قبل سنوات طويلة. المسرح حاضر في حديثها كجزء من حياتها وذاكرتها، وحين تمر على الأسماء والتجارب التي صنعت رحلتها، يصبح الكلام أقرب إلى استعادة مرحلة من تاريخ المسرح اللبناني نفسه، لا مجرد سرد لمحطات ممثلة تنقلت بين الخشبة والشاشة.
في لقائها ضمن برنامج «ما بتقطع»، تفتح الممثلة والأكاديمية اللبنانية أكثر من باب. تتحدث عن تجربتها، وعن «ربيع بيروت» وما يحمله بالنسبة إليها من ذكريات، وعن جيل من كبار المسرحيين عرفتهم وعملت معهم. ثم تنتقل إلى الحاضر، إلى الوسط الفني كما تراه اليوم، وإلى النجومية والاحتراف و«أنصاف النجوم»، وصولًا إلى الجيل الجديد وما يحتاجه كي يصنع لنفسه مكانًا حقيقيًا في المهنة.
الحلقة، المنشورة في 29 أغسطس 2026، تظهر رندا الأسمر في مساحة تعرفها جيدًا: ممثلة عاشت المسرح من الداخل، وأكاديمية تلتقي يوميًا تقريبًا بجيل جديد يريد أن يجد طريقه إلى الفن، وامرأة خاضت تجربة العمل الثقافي في بلد لم تكن ظروفه يومًا سهلة على المسرح وأهله.
المسرح الذي بقي حاضرًا
يصعب اختصار تجربة رندا الأسمر في عدد من الأدوار أو الأعمال. فالمسرح ظل حاضرًا في مسيرتها حتى عندما قلّ ظهورها على الشاشة.
عملت مع أسماء صنعت جزءًا مهمًا من ذاكرة المسرح اللبناني والعربي؛ ريمون جبارة، ومنير أبو دبس، ونضال الأشقر، وجواد الأسدي، وشكيب خوري، وجوزيف بو نصار. ومع السنوات، اتسعت التجربة. لم تعد ممثلة فقط، بل دخلت إلى التدريس الجامعي والعمل الثقافي وإدارة المهرجانات، وأصبحت علاقتها بالمهنة أوسع من دور تؤديه أمام الجمهور.
وتعرّفها قاعدة «Who Is She» التابعة للجامعة اللبنانية الأميركية بوصفها ممثلة وأستاذة جامعية ومنتجة تنفيذية ومديرة لمهرجان «ربيع بيروت»، الذي ارتبطت به منذ انطلاقه عام 2009.
وهذا مهم لفهم الطريقة التي تتحدث بها عن الفن اليوم. عندما تنتقد ظاهرة ما، أو تتوقف عند مستوى الممثلين الجدد، فهي لا تراقب المشهد من بعيد. عاشت زمنًا مختلفًا للمهنة، ثم وجدت نفسها لاحقًا تدرّس جيلًا دخل الفن في ظروف مختلفة تمامًا.
من هنا تأتي المقارنة بين الأمس واليوم بصورة طبيعية في حديثها.
«ربيع بيروت».. أكثر من محطة في السيرة
لـ«ربيع بيروت» مكان خاص في تجربة رندا الأسمر، ولهذا يأخذ حضوره في الحديث معنى يتجاوز كونه مهرجانًا فنيًا.
انطلق المهرجان عام 2009 بمبادرة من الإعلامية الراحلة جيزال خوري، في إطار مؤسسة سمير قصير، حاملًا ذاكرة الصحافي والكاتب سمير قصير، ومقدمًا مساحة للمسرح والموسيقى والفنون والثقافة بمشاركات لبنانية وعربية ودولية.
الأسمر عاشت هذه التجربة من الداخل، وتولت إدارة المهرجان منذ بداياته. لذلك لا تتحدث عنه كعنوان تضيفه إلى سيرتها، بل كجزء من سنوات طويلة من العمل ومحاولات الاستمرار وسط أزمات سياسية واقتصادية وأمنية متلاحقة.
وفي عام 2018، عند إطلاق الدورة العاشرة، كانت حاضرة إلى جانب جيزال خوري في تقديم برنامج جمع المسرح والموسيقى وفنون الأداء، واستضاف تجارب من لبنان وخارجه.
وربما تختصر تجربة «ربيع بيروت» شيئًا من علاقة رندا الأسمر بالثقافة نفسها. فالفن، في بلد مثل لبنان، لا يستطيع دائمًا انتظار اللحظة المناسبة. لو انتظر الفنانون انتهاء الأزمات كي يبدأوا، فقد لا يبدأون أبدًا.
حين تصبح النجومية أسهل
من الذاكرة ينتقل الحديث إلى الحاضر، وهنا تصبح الأسئلة أكثر حساسية، خصوصًا عند الوصول إلى ما يصفه عنوان الحلقة بـ«أنصاف النجوم».
المصطلح وحده يفتح بابًا واسعًا للنقاش.
لقد تغيّرت صناعة النجومية. يستطيع فنان شاب اليوم الوصول إلى جمهور كبير خلال فترة قصيرة، وقد تمنحه مواقع التواصل شهرة تسبق تجربته الفنية نفسها. بينما تنتمي رندا الأسمر إلى جيل كان الطريق أمامه أبطأ؛ دراسة وتدريب وخشبة وتجارب متراكمة قبل أن يصبح الاسم معروفًا.
وملاحظاتها حول المهنة ليست وليدة هذا اللقاء. ففي حوار مع «الشرق الأوسط» في أغسطس 2025، تحدثت عن حاجة المسرح إلى جيل جديد وجدي، وعن الفراغ الذي تركه غياب عدد من كبار المسرحيين. كما أشارت إلى تراجع بعض أساسيات المهنة وإلى غياب النقد الموضوعي الذي كان الفنان ينتظر رأيه ويحسب له حسابًا.
واللافت أن هذه الهواجس رافقتها منذ وقت أبكر. ففي حوار يعود إلى عام 2008، توقفت عند اختلاط الأدوار في الوسط الفني، وانتقال المغني إلى التمثيل والممثل إلى الغناء، في وقت كانت فيه فكرة التخصص أكثر حضورًا.
تغيّر الزمن، وتغيّرت معه وسائل الوصول إلى الجمهور، لكن السؤال بقي تقريبًا كما هو: متى يصبح الشخص فنانًا فعلًا؟
فالشهرة شيء، وبناء مسيرة تستطيع الصمود شيء آخر.
بين جيلين
هذه، ربما، واحدة من أكثر النقاط التي تمنح تجربة رندا الأسمر خصوصيتها.
هي عرفت جيلًا من كبار المسرحيين وعملت معه، وفي الوقت نفسه ليست بعيدة عن الشباب الذين يدخلون المهنة اليوم. تلتقي بهم في التدريس وفي المسرح، وتعرف عن قرب طموحاتهم والطريقة التي ينظرون بها إلى الفن.
وقد وصفت نفسها سابقًا بأنها تقف بين جيلين.
العبارة دقيقة. فهي تحمل معها ذاكرة مرحلة كان فيها للتدريب وزن مختلف، وللمخرج حضوره، وللنقد مكانته. وفي المقابل، ترى جيلًا يعيش زمنًا يستطيع فيه ممثل شاب أن يصبح معروفًا خلال أشهر، وربما أسرع من ذلك.
لذلك لا تأتي رسالتها إلى الشباب من موقع من يحن إلى الماضي ويرفض كل جديد. المسألة عندها أبسط وأكثر جوهرية: ماذا يمتلك الممثل قبل أن يطلب من الجمهور أن يؤمن به؟ ماذا قرأ؟ كم تدرب؟ وهل يعرف شيئًا عن تاريخ المهنة التي يريد أن ينتمي إليها؟
والأهم: هل يريد فعلًا أن يكون ممثلًا، أم يريد أن يكون مشهورًا؟
قد لا يبدو الفارق كبيرًا في البداية، لكنه يظهر مع الوقت.
ليس المهم أن تبقى ظاهرًا
مسيرة رندا الأسمر نفسها تقول شيئًا عن هذه الفكرة.
لم تحاول البقاء على الشاشة بأي ثمن، ولم تعتبر كل فترة غياب مشكلة تستدعي قبول أي عمل. وسبق أن أوضحت أنها لم تبتعد عن الدراما بقرار نهائي، لكن ما يعرض عليها لا يتوافق دائمًا مع ما تبحث عنه، فيما منحها المسرح والتدريس وإدارة المهرجانات حياة مهنية لا تعتمد على عدد مرات ظهورها أمام الكاميرا.
وهذه فكرة تستحق التأمل، خصوصًا في زمن أصبح فيه «الحضور» هدفًا بحد ذاته.
يمكن للفنان اليوم أن يكون أمام الجمهور طوال الوقت؛ مسلسل، مقابلة، مهرجان، صورة، فيديو ومنشور جديد كل يوم. لكن كثرة الظهور لا تعني بالضرورة أن يبقى شيء منه في ذاكرة الناس.
وفي المقابل، هناك من يغيب طويلًا ثم يعود بدور واحد يذكّر الجمهور بسبب بقائه كل هذه السنوات.
لذلك ربما لا يكون السؤال: كم مرة ظهر الفنان؟
بل: ماذا ترك عندما ظهر؟
ذاكرة لا تتوقف عند الماضي
أحد أجمل ما في حديث رندا الأسمر أنه لا يحوّل الماضي إلى مكان مثالي لمجرد أنه مضى.
هناك أسماء كبيرة وذكريات ومرحلة مختلفة من المسرح اللبناني، بالتأكيد، لكن الحديث لا ينتهي عند المقارنة بين «زمن جميل» وحاضر أقل قيمة. ما يشغلها في النهاية هو ما سيأتي.
من سيحمل المسرح بعد هذا الجيل؟ كيف ستتغير المهنة؟ وهل يستطيع الفنان الجديد الاستفادة من سرعة العصر من دون أن يقع في أسر الشهرة السريعة؟ وكيف يحافظ المسرح اللبناني على ذاكرته من دون أن يعيش داخلها؟
أسئلة كثيرة يفتحها اللقاء، من «ربيع بيروت» إلى المسرح والتعليم والنجومية والجيل الجديد.
وفي قلب كل ذلك تقف رندا الأسمر في موقع تعرفه جيدًا؛ تحمل معها ذاكرة جيل عملت إلى جانبه، وفي الوقت نفسه تراقب جيلًا آخر يتشكل أمامها.
ولهذا لا تبدو الحلقة في النهاية حوارًا عن رندا الأسمر وحدها.
هي أيضًا حوار عن المسرح اللبناني؛ عن ذاكرته، وما بقي منه، وعن الجيل الذي سيقرر شكل حكايته المقبلة.
أما التفاصيل والذكريات والمواقف بصوت رندا الأسمر نفسها، فتبقى في الحلقة المرفقة.
المشهد الفني



