الدراما و«الذكاء الاصطناعي».. بين الجدوى والتحديات والمحاذير
الخوارزمية تنافس الإنتاج البشري في سباق البقاء على الشاشة

قبل سنوات، كان الذكاء الاصطناعي يظهر في الدراما غالباً في هيئة آلة خارقة تتمرد على صانعها، أو روبوت يهدد الإنسان ويتطلع إلى السيطرة على العالم، أما اليوم فقد تغيرت الصورة، ودخل الذكاء الاصطناعي إلى البيت، والعمل، والعلاقات والذاكرة، والصحة، وصناعة القرار، بل ومجال الإنتاج الفني، وأصبح السؤال: كيف ستؤثر التقنية الجديدة على طبيعة الإنتاج الدرامي والدور البشري في صناعتها.
هذا التحول أصبح واضحاً في عدد متزايد من المسلسلات التي أنتجتها المنصات العالمية الكبرى في السنوات القليلة الماضية، وقدمت أدوات إنتاج آلية بديلة للعنصر البشري؛ فهل أصبحت «مسلسلات الذكاء الاصطناعي» جنساً درامياً قائماً بذاته، ولماذا يزداد حضورها كلما اقتربت تقنيات الذكاء الاصطناعي من حياتنا اليومية، وهل ستحل مكان الفنان الإنسان، ممثلاً ومخرجاً ومصوراً؟
أضائنا على المسألة من خلال استطلاع آراء عدد من المتخصصين، إذ أكدوا خطورة العملية في حال لم تكن هناك محاذير واحتياطات تضمن صون الإبداع البشري التقليدي في المجال، بوصفه البوصلة والبطل.
وفي الصدد، تقول الفنانة هيفاء حسين، إن التوسع في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في الإنتاج الفني قد يؤدي، مع مرور الوقت، إلى تراجع نسبي في حضور الفنانين الحقيقيين داخل بعض الأعمال، لكنها تشدد أيضاً، على أن الحكم النهائي على حجم هذا التأثير ما يزال مبكراً، وسيعتمد على مستوى التطور الذي ستصل إليه هذه التقنيات خلال السنوات المقبلة.
وتضيف: «إن هذه التقنية الجديدة قد تضعف نوعاً ما وجود الفنانين في الأعمال الفنية»، مشيرة إلى أن السؤال الأساسي سيكون حول قدرة الشخصيات الاصطناعية على الظهور والتفاعل بطريقة تجعل الجمهور يتعامل معها كما يتعامل مع الممثل الحقيقي. وتوضح أن التطور التقني وحده قد لا يكون كافياً لحسم المنافسة بين الممثل الحقيقي ونظيره المصنوع بالذكاء الاصطناعي، لأن العلاقة بين الجمهور والفنان تقوم على ما هو أبعد من جودة الصورة أو القدرة على محاكاة الملامح والحركة، وتتابع: «الجمهور يحتاج إلى أن يرى بشراً حقيقيين يتفاعلون معه في طرح مشاكله، ويلامسون مشاعره».
وتبين هيفاء حسين أن التحدي أمام الشخصيات الاصطناعية لن يقتصر على مدى قدرتها على التشبه بالإنسان من الناحية البصرية، بل سيمتد إلى قدرتها على بناء علاقة وجدانية حقيقية مع المشاهد. وتستطرد: «إذا لم تكن الشخصيات حقيقية، ستكون هناك مسافة كبيرة بينها وبين الجمهور، وبالتالي لن يكون تأثيرها في المتابع بالقوة نفسها». كما ترجح هيفاء أن يظل الجمهور، في نهاية المطاف، متمسكاً بالممثلين الحقيقيين إذا عجزت الشخصيات المصنوعة بالذكاء الاصطناعي عن تحقيق ذلك الارتباط الإنساني، قائلة إن النتيجة قد تكون «العودة إلى الوجوه الحقيقية في الأعمال الفنية».
أداة مساعدة
بدوره، أكد أحمد محمد الكتبي مدير إذاعة وتلفزيون نور دبي، وهو صانع محتوى بالذكاء الاصطناعي، أن دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى صناعة المحتوى المرئي لا يشكل بالضرورة تهديداً للعاملين في مجالات التصوير والإخراج والإضاءة والإنتاج، إذ يوفر أدوات جديدة يمكن أن تسهم في تطوير الصناعة وتسريع عمليات إنتاج المحتوى، من دون أن تلغي الأساليب التقليدية أو تحل محل العنصر البشري بصورة كاملة.
وقال: إن النظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره تقنية ستستولي على وظائف العاملين في المجال ليس دقيقاً، ويتابع: هي أدوات مساعدة، وليست بالضرورة أدوات تأخذ وظيفة أحد.
وضرب مثالاً بالتطور الذي شهدته صناعة الرسوم المتحركة، لافتاً إلى أن الانتقال من الرسوم ثنائية الأبعاد إلى ثلاثية الأبعاد، ثم إلى تقنيات وأساليب أحدث، لم يؤدِ إلى اختفاء الأنماط السابقة، وإنما أضاف خيارات جديدة أمام الفنانين وصناع المحتوى.
ورأى أن هذه التقنيات قد تجد مساحة أكبر على الأقل في المرحلة الحالية، في المحتوى السريع المخصص لمنصات التواصل الاجتماعي وبعض المواد الإخبارية والرقمية، نظراً إلى قدرتها على اختصار الوقت والجهد في إنتاج الصورة والفيديو.
محاكاة الإنسان
ورداً على سؤال حول إذا ما كان المحتوى المنتج بالذكاء الاصطناعي يفتقد «اللمسة الإنسانية» والمشاعر التي يقدمها الإنسان الحقيقي، أشار إلى أن التطور الذي تشهده النماذج الحالية جعل قدرتها على محاكاة البشر أكبر بكثير من السابق. وقال: «النماذج الحالية أصبحت واقعية جداً، وهناك نماذج تحاكي الإنسان في الكلام والحركة»، لافتاً إلى أن التطور المتسارع في تقنيات التزييف العميق «Deepfake» يقدم مثالاً على مدى قدرة التقنيات الجديدة على الوصول إلى مستويات عالية من المحاكاة.
وحول قدرة الشخصيات والمشاهد المنتجة بالذكاء الاصطناعي على تحقيق ملايين المشاهدات، وما إذا كان ذلك قد يؤثر مستقبلاً في متابعة المسلسلات والأعمال المصورة تقليدياً، استبعد أن يؤدي نجاح هذا النوع من المحتوى تلقائياً إلى إزاحة الدراما التقليدية، موضحاً أن منصات التواصل شهدت، حتى قبل انتشار الذكاء الاصطناعي، محتويات بسيطة أو غريبة تحقق أرقام مشاهدة كبيرة، من دون أن يعني ذلك أنها تستطيع أن تحل محل الأفلام والمسلسلات.
مجالات واسعة
أكد الفنان بدر حكمي أن التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي سيفتح مجالات واسعة أمام صناعة الدراما والمحتوى المرئي، لكنه استبعد أن يؤدي ذلك إلى الاستغناء عن الممثل الحقيقي أو إلغاء الدور الإنساني في العملية الإبداعية، مشدداً على أن المشاعر والأداء الإنساني يظلان من العناصر التي يصعب على التكنولوجيا تعويضها بالكامل.
وأشار إلى الانتشار المتزايد لشخصيات ومحتويات مصنوعة بصورة كاملة أو شبه كاملة بواسطة الذكاء الاصطناعي على منصات التواصل الاجتماعي، مبيناً أن هذه التقنيات يمكنها أن تقدم نتائج متطورة ومقنعة، «لكنها في النهاية لن تكون مثل الشخص الحقيقي»، لافتاً إلى أن هناك دائماً جانباً إنسانياً وعاطفياً يصعب اختزاله في المنتج الصناعي.
وأضاف: إن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يؤدي دوراً مهماً بوصفه أداة مساندة للإنسان، لا بديلاً عنه، فهو يدعم، ولكن لا يلغي الإنسان، إذ إن العنصر البشري سيظل حاضراً في عملية التنفيذ وصناعة العمل، مهما تطورت الأدوات التقنية.
ورأى حكمي أن المجالات الإنتاجية ستكون من أكثر القطاعات استفادة من الذكاء الاصطناعي، خصوصاً في العمليات الفنية المساندة، وأردف: ستكون التقنية داعمة في كثير من الأمور، وستسهم في تسهيل عدد كبير من المهام المرتبطة بإنتاج المحتوى، وتسريع بعض مراحل العمل أو توفير أدوات جديدة أمام صنّاع المحتوى.
فادية هاني – البيان



