أخبار مسرحية

كيف نحول المهرجان إلى نافذة مفتوحة على العالم؟

مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى، هو واحد من أعرق المهرجانات المسرحية فى الوطن العربى، وأكثرها تأثيرًا خلال العقود الأخيرة. ولم يكن ظهوره عام ١٩٨٨ مجرد إضافة إلى خريطة المهرجانات، إنما جاء استجابة لحاجة حقيقية كان يعيشها المسرح المصرى آنذاك.

ففى ثمانينيات القرن الماضى، كانت لغة المسرح فى مصر تنحو إلى الجمود، ويغلب عليها الطابع التقليدى، فى ظل توقف البعثات لعقود، وغياب تجديد الدماء، وافتقاد المسرحيين إلى نوافذ حقيقية تفتحهم على التحولات التكنولوجية والجمالية، وأشكال المسرح الجديدة فى العالم، باستثناء تجارب متناثرة لعدد من الفنانين، من بينهم منصور محمد وهناء عبدالفتاح وأحمد إسماعيل وحسن الجريتلى.

ومن هنا جاء المهرجان التجريبى، الذى اقترح إقامته وزير الثقافة الأسبق فاروق حسنى، وشارك فى تأسيسه فكريًا عدد من كبار الفنانين والنقاد المسرحيين فى ذلك الوقت، ليصبح خلال سنوات قليلة واحدة من أهم نوافذ المسرحين المصرى والعربى على التجارب العالمية.

ولسنوات طويلة، قدّم الدكتور فوزى فهمى نموذجًا استثنائيًا فى رئاسة المهرجان؛ يصعب تكراره، واستطاع من خلاله أن يجعل من «التجريبى» مساحة لاستقدام أحدث وأهم العروض المسرحية، والتعريف بأحدث العناوين المترجمة، وتنظيم السيمنارات والندوات الفكرية التى لم تكن مجرد فعاليات مصاحبة، إنما كانت جزءًا أساسيًا من مشروع المهرجان المعرفى والجمالى.

كان «التجريبى» آنذاك أكثر من مهرجان للعروض؛ كان حالة من الزخم والحراك الفكرى والجمالى، وكان تأثيره الأكبر ينصب على جيلى «شباب هذا العصر» جيل التسعينيات، الذى انفتح على صيغ وأشكال جمالية جديدة، واتجاهات ومفاهيم لم تكن مألوفة جعلت المهرجان جزءًا لا يُنسى من الذاكرة «الفرجوية»، ومكونًا أصيلًا فى الثقافة المسرحية لهذا الجيل.

ولم يتوقف أثر «التجريبى» عند حدود العرض المسرحى؛ فقد امتد إلى تكوين الذائقة نفسها، فبدأت تظهر أشكال وتيارات مسرحية لم تكن حاضرة بالقدر نفسه فى المشهد المصرى، من المسرح الجسدى والرقص الحديث إلى المسرح الصوتى وغيرها من أشكال الأداء الجديدة.

كما كان «التجريبى» أحد مصادر الإلهام الأساسية لجيل من الشباب الذين اتجهوا إلى المسرح المستقل، بحثًا عن لغة لا تشبه بالضرورة ما كان يقدم فى مسارح الدولة، وعن آليات إنتاج أكثر مرونة وحرية.

حتى النقد المسرحى لم يكن بعيدًا عن هذا التحول. فالعروض الجديدة فرضت على النقاد أن يبحثوا عن لغة جديدة، لأن أدوات النقد التقليدية لم تعد دائمًا قادرة على مقاربة عروض تأتى من خلفيات جمالية وفكرية مختلفة، وتطرح أسئلة جديدة حول الجسد والفضاء والصورة والأداء والعلاقة مع الجمهور.

لكن استعادة الماضى لا تعنى الاكتفاء بالحنين إليه. فالمهرجان الذى استطاع فى بداياته أن يكون نافذة على العالم، مطالب اليوم بأن يسأل عن دوره فى إنتاج المعرفة، لا أن يظل مجرد مساحة لاستيراد العروض المتاحة.

وحين عدت من مهرجان «إدنبرة» أغسطس الماضى، كان هذا السؤال حاضرًا بقوة: ألا يجب أن يتحول التجريبى إلى مصنع لإنتاج المعرفة المسرحية، وداعم لمسارات إنتاجية بديلة، ومساحة حقيقية للتشبيك بين المسرحيين فى مصر والعالم؟

وفى هذا السياق، كان لى حوار فى أدنبرة مع كاثى كوستين، مديرة الفنون بالمجلس الثقافى البريطانى، حول أهمية إعادة بناء جسور التشبيك بين المجلس والمهرجان، على نحو يعيد شيئًا من روح التبادل الثقافى التى شهدتها دوراته الأولى. وحين عدت، كنت حريصة على نقل بعض مشاهداتى وتجارب العروض التى شاهدتها إلى الدكتور سامح مهران، وأعضاء اللجنة العليا للمهرجان، لذا سعدت كثيرًا حين علمت بعودة التبادل الثقافى بين المهرجان والمجلس الثقافى البريطانى.

ومن هنا يصبح الحديث عن «التجريبى» اليوم مرتبطًا بالضرورة بطريقة إدارته، وبالرؤية التى يحملها رئيسه الدكتور سامح مهران. فـ«مهران» لا يدير المهرجان بالطريقة التى تجعل رئيسه مركزًا مغلقًا للقرار، إنما اختار منذ توليه المسئولية أن يقدم نموذجًا مختلفًا فى الإدارة، يقوم بدرجة عالية من الشفافية والوضوح، وإتاحة مساحة أكبر للحوار والمشاركة، فضلًا عن حرصه على تمكين المرأة والشباب ضمن فريق عمله دومًا، وهو ما جعله فى أوقات كثيرة عرضة للهجوم والانتقاد، وربما للحملات التى كانت تشتد تحديدًا كلما بدا أنه يخرج عن قواعد الإدارة التقليدية، أو يصر على إعلان مواقفه وقراراته بصورة مباشرة.

وأخيرًا ربما يكون هذا هو التحدى الحقيقى أمام «التجريبى» فى مرحلته الراهنة: كيف يحافظ على ذاكرته وتاريخه وتأثيره، دون أن يتحول هو نفسه إلى مؤسسة تقليدية؟ وكيف يستعيد دوره كنافذة على العالم، بينما يصبح فى الوقت نفسه منصة لإنتاج تجارب مصرية قادرة هى الأخرى على الانفتاح على مختلف الثقافات؟

رشا عبدالمنعم – الدستور

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!