Uncategorized

«كلباء.. مهرجان يصنع المسرحي قبل أن يحتفي بالعرض»

بعض المشاريع تعرف غايتها منذ خطوتها الأولى ، فلا تهدر أعوامها في البحث عن هوية ، ومهرجان كلباء للمسرحيات القصيرة واحد منها ، نشأ وفي داخله تصور واضح عن المسرح الذي يريده ، وعن الإنسان الذي ينبغي أن يخرج من تجربته أكثر وعيا مما دخل إليها .

ومن يعرف الشارقة يصعب عليه أن يقرأ مهرجان كلباء منفصلا عن الأصل الذي أنجبه ، ثمة وصية ثقافية ممتدة في الإمارة ، وضع ملامحها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي ، حتى غدا العلم جزءا من تربية المكان نفسه ، الكتاب حاضر في تكوين الإنسان ، والمسرح في ذاكرته ، والفن في وعيه ، وحملت دائرة الثقافة هذا النهج إلى المدن والمشاريع ، فصار لكل مكان تجربته وخصوصيته ، واتخذ المسرح في كلباء مسارا يقوم على فكرة دقيقة : الاشتغال على المسرحي قبل الاحتفاء بعرضه .

ويبقى بعد مغادرة الجمهور سؤال يكشف قيمة هذا المسار :

ماذا بقي في المسرح ؟

في كلباء تبدأ الإجابة منذ دخول المنتسب دورة «عناصر العرض المسرحي» ، حيث يمر بمساحات التمثيل والإخراج والسينوغرافيا وغيرها ، على أيدي أصحاب تجارب محلية وعربية ، ثم يحمل ما اكتسبه إلى العرض ، الممثل يعود إلى جسده وصوته ، والمخرج يدخل النص من طبقاته الداخلية ، والسينوغرافيا تعيد تعريف الخشبة أمامه ، فيفهم أن الحركة قرار ، وأن الجملة المكتوبة ليست نهاية المعنى ، وأن الضوء واللون والصوت والفراغ شركاء في بناء الصورة  ، حتى «الميزانسين» يخرج من كونه مصطلحا يردده صاحبه ليوحي بأنه يعرف المسرح ، إلى ممارسة تكشف له علاقة الجسد بالفضاء والحركة والتكوين ، وما تصنعه المسافة بين ممثل وآخر من معنى .

قيمة الورشة هنا تظهر في امتدادها إلى الخشبة ، ثمة ورش جانبية تقام إلى جوار مهرجانات مختلفة ، تمضي ساعاتها داخل قاعة التدريب ثم ينتهي أثرها عند الباب ، في كلباء يتعلم المنتسب ، ويجرب ، ويعرض ، ثم يعود إلى عمله بالنقد والمراجعة ، حتى يصبح الخطأ نفسه جزءا من التكوين .

وهذا المنهج يمتد أيضا إلى الطريقة التي تُقرأ بها الأعمال وتُقيّم .

وحين يكون التأهيل جزءا من فلسفة المهرجان ، تتسع مهمة لجنتي الاختيار والتحكيم ، وقد كشفت توصيات لجان سابقة عن هذا المعنى حين تجاوزت إعلان النتائج إلى ملاحظات تمس الصوت والإلقاء ، والحاجة إلى الدراماتورج ، وفهم فلسفة النص ، وتوزيع الاختصاصات بين عناصر العمل ، عندها يصبح الحكم قراءة تضع أمام المشارك ما نجح فيه ، وما يحتاج إلى مراجعة ، وما يستطيع حمله إلى تجربته التالية .

لهذا أضع مهرجان كلباء بين أهم المهرجانات المسرحية في دولة الإمارات ، فإقامة موعد سنوي بعروضه وندواته وجوائزه ليست الامتحان الأصعب للمهرجانات ، أمّا أثر المهرجان في تكوين المسرحي نفسه ، فذلك باب لا تزدحم عنده الأسماء .

ويظهر امتداد هذا الأثر في أيام الشارقة المسرحية ، الموعد الأبرز للمسرح الإماراتي ، حيث وجدت عروض خرجت من كلباء طريقها إلى برنامج «الأيام» ، ووصول تلك العروض إلى «الأيام» يحمل معنى أبعد من تشجيع تجربة ناجحة ، فهو اعتراف بالطريق الذي سبقها ، وبما راكمه أصحابها من فهم وأدوات قبل بلوغ تلك الخشبة .

يمنح المهرجان الموهبة ما تستطيع أن تبني فوقه تجربة أخرى ، ثم أخرى ، ويجعل المنتسب أكثر إدراكا لما يفعل حين يقف أمام الجمهور ، وفي كلباء تأخذ وصية سلطان الثقافية شكلا يمكن رؤيته فوق الخشبة : شاب يعرف لماذا يقف عليها ، وكيف يتحرك فوقها ، وما الذي يريد أن يقوله منها .

تنتهي العروض في موعدها كل عام ، وتطوى صفحة الجوائز ، ويبقى ما صنعه المهرجان مقيما في أصحابه :

في جسد ممثل تغير وعيه به ، وفي عين مخرج تغيرت طريقة نظرها إلى النص ، وفي موهبة دخلت المسرح بالرغبة ، وخرجت منه بأدوات تعرف كيف تستخدمها.

وبهذا يقاس عمر المهرجان ، بما يظل حيا في المسرح بعد انتهاء موعده.

محمد بن يعروف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!