«إيزيس لمسرح المرأة».. رحلة النفاذ من الحائط الشفاف
«جواهر».. الصداقة طوق النجاة فوق أمواج المشاعر السلبية

انتهت هذا الأسبوع فاعليات الدورة الرابعة لمهرجان إيزيس الدولى لمسرح المرأة برئاسة عبير لطفى، التى حملت اسم الفنانة القديرة سناء جميل، وضمت برنامجا تجاوز حدود العروض المسرحية إلى ورش تدريب، وشهادات شخصية، وحوارات فكرية عن إبداع النساء وتجاربهن داخل المشهد المسرحي، وكرمت هذه الدورة الفنانة سماح أنور، السوبرانو د. نيفين علوبة، الشاعرة كوثر مصطفى، والناقدة الكبيرة د. سامية حبيب، وقد شارك فى المهرجان عدة عروض متميزة، منها «شنب البنات» اخراج عزة حسن، «أصابع الياسمين» من الإمارات، «تحت الجلد» من إيطاليا، والعرض الفلسطينى الأردنى السويسرى «أصوات عميقة»، ومن مصر «تصبحين على خير يا ماما»، و«حقائب» و«غرفة تخصها وحدها» وغيرها.
قد يكون أجمل ما فى المهرجان هو ابتعاده عن فكرة التسابقية، وبالتالى صار على المبدعين أن يستمتعوا بتقديم أفضل ما لديهم دون تهافت على الجوائز، باستثناء جائزة واحدة هى امتاع الجمهور ونيل رضاه، ولهذا جاء المهرجان أكثر حميمية وودا بعيدا عن مشاحنات التنافس والترقب والتوتر، وجاء العرض البريطانى Chunky Jewellery أو جواهر ضخمة ليقدم واحدة من أنبل العلاقات وقدرتها على تجاوز صعاب الحياة، وهى الصداقة..
العرض الذى قدمته فرقة Barrowland Ballet من اسكتلندا يرصد قصة صديقتين تعيشان باستمرار حالة استدعاء دائم لأهم اللحظات الفاصلة فى حياتهما والتى تركت لديهما آثارا نفسية سلبية، وتحاولان معا تجسيد مختلف المواقف المؤلمة التى انتقصت من سلامهما النفسي، لتقدم كل منهما للأخرى الدعم الإنسانى اللازم لتجاوز هذه الأزمة أو تلك، وإذا كان صناع العرض قد بنوا أحداثهم على فكرة اللعبة المسرحية التى تكشف وتعرى المشاعر وتجعل المتلقى دائما فى حالة وعى وانتباه بفضل تكرار الدخول والخروج المستمر من حياتهما الآنية إلى المواقف المستدعاة، فإن خفة ظل الممثلتين وقدراتهما الأدائية الحيوية والمرحة والمتميزة هى ما منحت هذا العمل حيويته وإنسانيته، فاستطاعتا بفضل التأرجح بين التراجيديا والكوميديا جذب تفاعل الجمهور وتعاطفه معهما.

استغلت بطلتا العرض حالة الفضاء المتحرر من قيود الديكور فى مسرح روابط لتستخدما بعض الستائر البيضاء والموتيفات البسيطة التى تساعد فى الإيحاء بأماكن أحداث المواقف المستدعاة، لذلك لم يكن على الجمهور أن يبذل جهدا كبيرا فى تخيل تلك الأماكن بقدر تفاعله الإنسانى مع مشاعر هاتين السيدتين، وهما ما نجحتا فيه ببراعة، خاصة بقدرتهما على استغلال التناقض الجسمانى بينهما، فإحداهما بدينة إلى حد ما والأخرى نحيفة، ولكنهما تعطيان خفة ظل لافتة، تذكرنا بالثنائى الانجليزى الشهير ستان لوريل وأوليفر هاردى أو لوريل وهاردى اللذين كانا يفجران المواقف الكوميديا بفعل المقالب بينهما، بينما فى حالة عرضنا المعاصر نجد ممثلة بدينة ولكنها رشيقة خفيفة الوزن والظل، تملك حضورا طاغيا وقدرة لافتة على الرقص والغناء بصوت رومانسى بديع، وممثلة أخرى ذات حضور مغاير تمتاز بقوة الأداء وتغيير انفعالاتها وتعبيرات وجهها بسرعة واحترافية فائقتين، لذلك كنا نتفاعل معهما ونرى ذواتنا الإنسانية الضعيفة فى مختلف المواقف التى مرتا بها مثل هجران الزوج، فقد الآباء أو الأمهات، عذابات الحمل والولادة، وما إلى ذلك من مواقف قد نكون قد مررنا بها سواء سيدات أو أزواجا مع زوجاتهم، وهو ما يضعنا أمام مرآة أنفسنا لاستدعاء واحدة من اهم اسباب استمرار الإنسانية وهى قدرة كل منا على تقديم الدعم لشريك حياته أو لصديقه أو لرفيق دربه، فلكل منا سقطاته النفسية التى تحتاج إلى من يأخذ بيده لتجاوز محنه وآلامه.

وفى ظنى أن أهم ما نجح فيه المهرجان هو قصدية إلقاء الضوء على كيفية تجاوز المرأة ما تمر به من صعاب فى سبيل تحقيق التوازن النفسى وتحقيق الذات التى تعينها على الاستمرارية، وقد بدا هذا واضحا فى تنوع موضوعات العروض المقدمة أو حتى على مستوى جلسات المحور الفكرى التى قدمت نماذج ملهمة ومضيئة تركت بصمات مؤثرة فى الفن والحياة.
باسم صادق – الأهرام



