أخبار مسرحية

زهراء المنصور كتبتُ حكاية الفنان القدير خليفة العريفي؛ فسافرت من ذاكرته إلى تاريخ المسرح البحريني

في المسرح حكايات تظل معلقة في ذاكرة أصحابها، وأخرى تنتظر من يعيد اكتشافها ويمنحها فرصة جديدة للحياة. وبين الذاكرة والوثيقة، وبين حكاية الفنان وتاريخ المؤسسة، خاضت الناقدة والباحثة البحرينية الدكتورة زهراء المنصور رحلة بحثية في تجربة الفنان خليفة العريفي، أثمرت كتابها “خليفة العريفي.. حكاية مسرحية”، الصادر بالتزامن مع مهرجان البحرين المسرحي الخامس، الذي تحمل دورته اسم العريفي.

في هذا اللقاء الخاص، تستعيد المنصور بدايات المشروع الذي انطلق من وعد شخصي للفنان خليفة العريفي، وتكشف تفاصيل اشتغالها على تجربته المسرحية، والأسئلة النقدية التي رافقت البحث، من علاقة الفنان بالمؤسسة إلى إشكاليات التوثيق وغياب تسجيلات العروض، وصولاً إلى رؤيتها لمستقبل كتابة تاريخ المسرح البحريني.

من وعد شخصي إلى حكاية مسرحية

بدأت الحكاية بوعد شخصي قطعته المنصور للعريفي، بعد إنجاز كتابها عن الفنان محمد ياسين. ومع مرور الوقت، أخذ الوعد يتسع حتى تحول إلى مشروع بحثي استغرق أكثر من عام، قادها إلى تتبع تجربة فنية متعددة المسارات، امتدت بين التأليف والإخراج والتمثيل، وارتبطت بتاريخ مسرح أوال وتحولات الحركة المسرحية في البحرين.

منذ البداية، واجهت المنصور سؤالاً يتعلق بطبيعة الكتابة ومسارها: كيف يمكن الاقتراب من تجربة خليفة العريفي؟ اختارت القراءة النقدية التي تحاور خيارات الفنان وتضع أعماله في سياقاتها الفنية والتاريخية، وتبحث في علاقته بالمؤسسة التي احتضنت جانباً مهماً من مسيرته. وقد أتاح هذا الاختيار للكتاب أن يتجاوز حدود السيرة الفردية نحو قراءة جانب من تاريخ المسرح البحريني.

الفنان والمؤسسة.. سؤال الإنصاف

تتوقف المنصور عند علاقة العريفي بمسرح أوال باعتبارها إحدى القضايا الأساسية لفهم تجربته. فالمؤسسة المسرحية فضاء تتشكل داخله التجارب عبر العمل الجماعي وتبادل الخبرات وتراكم المحاولات. ومن هنا تبرز حساسية الباحثة تجاه نسب الأعمال وأدوار المشاركين فيها، وحرصها على تحديد إسهام العريفي في كل محطة، سواء في الكتابة أو التمثيل أو الإخراج.

هذه المسألة تفتح سؤالاً مهماً حول كتابة التاريخ المسرحي: كيف ننصف الفنان ونحفظ في الوقت نفسه حق الجماعة التي شاركته صناعة التجربة؟ سؤال رافق المنصور خلال البحث، ودفعها إلى مراجعة الطريقة التي تُستعاد بها تجارب الرواد، خصوصاً حين تختزل الذاكرة تاريخ المؤسسات في أسماء محددة، أو تجمع الأعمال تحت اسم فنان من دون التمييز بين أدواره الفعلية فيها.

“تعالوا ننتظر”.. حين يصبح الانتظار قدراً

وفي قراءتها لمسرحية “تعالوا ننتظر”، التي كتبها خليفة العريفي وشارك في تمثيلها، وأخرجها الفنان طاهر محسن، تستعيد المنصور عملاً شاهدته في وقت سابق وكتبت عنه، قبل أن تعود إلى نصه وتجربته خلال إعداد الكتاب.

تستوقفها ثيمة الانتظار، بما تحمله من دلالات إنسانية وثقافية تتصل بفكرة الخلاص والمخلص المنتظر. فالشخصيات تعيش في حالة ترقب دائم، وتؤجل حياتها على أمل أن يأتي من يغير واقعها. ويمنح حضور القبر في قلب المكان هذه الفكرة قسوتها الدرامية؛ إذ تقف الشخصيات أمام صورة الموت فيما تواصل انتظار الحياة.

تقرأ المنصور هذا الانتظار باعتباره حالة تكشف تعطيل الفعل الإنساني، حين يتحول الأمل في الخلاص إلى وسيلة لتأجيل مواجهة الواقع. وتجد في العمل سؤالاً يستحق الوصول إلى الجمهور الواسع: ماذا يحدث حين يصبح الانتظار جزءاً من المشكلة؟ وكيف يستطيع الإنسان استعادة قدرته على الفعل بدلاً من تعليق حياته على حلول تأتي من الخارج؟

هذه القراءة تكشف اهتمام المنصور بوظيفة المسرح الفكرية والاجتماعية، وقدرته على تحريك الأسئلة داخل المتلقي، وإبقائها حاضرة بعد انتهاء العرض. فالقيمة الحقيقية للتجربة المسرحية تتواصل في أثرها على وعي الجمهور وفي قدرتها على مساءلة الأفكار التي تحكم علاقته بالعالم.

الذاكرة والوثيقة.. رحلة البحث عن الغائب

وفي جانب آخر من البحث، واجهت المنصور تحديات تتصل بتوثيق تجربة العريفي في رأس الخيمة، إلى جانب عروض مسرحية لم تتوافر لها تسجيلات مصورة. كانت الوثائق الصحفية والأرشيفية تساعد في تتبع النشاط المسرحي وتنوع الأعمال وحركة الفرق، فيما بقيت بعض التفاصيل الفنية خارج حدود المادة المتاحة.

تقول المنصور إن الباحث يحتاج إلى معرفة اللحظة التي ينبغي أن يتوقف فيها عن الاستنتاج. فالحديث عن جماليات الإخراج وحركة الممثلين وتشكيلات الفضاء المسرحي يحتاج إلى مشاهدة أو تسجيل أو شهادات كافية. ومن هنا حرصت على الفصل بين الوقائع التي تثبتها الوثائق والأحكام الفنية التي تحتاج إلى أدلة أخرى.

وتحضر الذاكرة في الكتاب مصدراً أساسياً من مصادر البحث، خصوصاً ذاكرة خليفة العريفي نفسه، إلى جانب المواد الأرشيفية والصحفية والنصوص المسرحية. وتصف المنصور المسافة بين الذاكرة والوثيقة بأنها المجال الذي يبدأ فيه البحث الحقيقي؛ فالذاكرة تستعيد الحكاية من داخلها، فيما تمنح الوثيقة فرصة النظر إليها من زاوية أخرى، ويعمل البحث على وصل المحطات ووضعها في سياقاتها الفنية والتاريخية.

وتكشف هذه التجربة عن واحدة من المشكلات التي تواجه الباحثين في المسرح العربي، وهي هشاشة الأرشيف وغياب تسجيلات عدد من العروض التي شكلت مراحل مهمة في تاريخ الحركة المسرحية. فكم من تجربة بقيت حاضرة في ذاكرة الفنانين والجمهور، وكم من عمل يحتاج إلى جهد بحثي يعيد اكتشافه ويحفظ أثره للأجيال المقبلة؟

خليفة العريفي.. ذاكرة أربعة عقود من المسرح

وقد انتقلت هذه الأسئلة إلى فضاء النقاش خلال الندوة التي احتضنتها قاعة المحاضرات في متحف البحرين الوطني، مساء الجمعة 6 نوفمبر 2026، ضمن فعاليات مهرجان البحرين المسرحي الخامس. وشاركت فيها الدكتورة زهراء المنصور والدكتور راشد نجم، بإدارة الأستاذ جاسم العالي، وحضور الفنان خليفة العريفي وعدد من المسرحيين والمثقفين.

واستعرضت المنصور مسار إنجاز الكتاب والتحديات التي رافقت البحث، فيما تناول راشد نجم الجهد النقدي والتوثيقي للإصدار، مشيراً إلى تعدد إسهامات العريفي في التمثيل والإخراج والكتابة، وحضوره في الأدب والصحافة والإذاعة. كما أشاد بدور الفنان موسى حسن في إثراء الكتاب بالمواد الأرشيفية المصورة والصحفية.

واستعاد خليفة العريفي محطات من تجربته الفنية، متحدثاً عن اهتمامه بالشخصية الكوميدية، ودراسته المسرح في الكويت لمدة أربع سنوات، ثم انتقاله إلى رأس الخيمة، وعلاقته بمسرح أوال الذي ارتبط به جانب واسع من أعماله، مؤكداً استمرار شغفه بالمسرح.

وقد جاء إصدار الكتاب ثمرة مشروع بحثي مستقل، حظي بدعم مسرح أوال واتحاد المسرحيين البحرينيين في مرحلة النشر، فيما ساهمت هيئة البحرين للثقافة والآثار في تصميمه.

حكاية مفتوحة على أسئلة جديدة

في نهاية هذه الرحلة، تتوقف المنصور عند فكرة ترى فيها خلاصة تجربتها: الكتابة عن الفنان محاولة لفهم حكايته، وليست امتلاكاً لها. ولهذا لم تتعامل مع الكتاب باعتباره الصورة النهائية لتجربة خليفة العريفي، وإنما دعوة إلى قراءات أخرى تقترب من مسيرته ومن تجارب مسرحية بحرينية ما زالت تنتظر البحث والتحليل.

لقد بدأ المشروع بوعد لصديق، وانتهى إلى قراءة في تاريخ المسرح. وبين الوعد والكتاب اتسعت الحكاية لتشمل الفنان ومؤسسته وذاكرته، وتعيد طرح سؤال حفظ التجارب الثقافية وكتابتها. وربما هنا تكمن القيمة الأعمق لهذا الإصدار؛ في قدرته على جعل سيرة فنان مدخلاً لاكتشاف ذاكرة مسرحية تستحق أن تُقرأ وتُحفظ وتصل إلى الأجيال الجديدة.

زهراء غريب – اليمامة الجديدة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!