شهادات المخايلين تضيء افتتاح مهرجان خيال الظل الأول
الفن يُواصل حضوره بوصفه أحد أعرق الفنون الشعبية العربية، متمكنا عبر قرون طويلة من المحافظة على مكانته باعتباره فنًا يجمع بين الحكي والموسيقى والتمثيل والارتجال

يواصل فن خيال الظل حضوره بوصفه أحد أعرق الفنون الشعبية العربية، إذ استطاع عبر قرون طويلة أن يحافظ على مكانته باعتباره فنًا يجمع بين الحكي والموسيقى والتمثيل والارتجال، ويمنح “المخايل” دورًا مركزيًا بوصفه الفنان القادر على تحريك الدمى وإحيائها بالصوت والحركة والخيال. ومن هذا المنطلق انطلقت فعاليات اليوم الأول من مهرجان خيال الظل الأول الذي تنظمه فرقة ومضة بالتعاون مع بيت السناري، تحت شعار “مسرح النموذج الحضاري”، ويهدف إلى إعادة تقديم هذا الفن التراثي في سياق معاصر، مع التأكيد على قيمته الحضارية والثقافية.
واستهلت فعاليات اليوم الأول بافتتاح معرض استعادي لدمى خيال الظل للفنان محمد رايق، الذي قدم نماذج متنوعة من الدمى، ضمت قطعًا يعود تاريخ بعضها إلى قرون مضت، إلى جانب نماذج حديثة تعكس تطور هذا الفن واستمرار حضوره.
وأعقب افتتاح المعرض تقديم عرض “التمساح”، وهو استعادة لبابة “التمساح” الشهيرة التي ظلت تقدم على مدار قرون مع تحديثات تتناسب مع كل عصر. وشارك في بطولة العرض فنانو خيال الظل: علي أبو زيد سليمان، ومصطفى الصباغ، ومحمود السيد، وصلاح بهجت، بينما تولى إعداده وإخراجه الدكتور نبيل بهجت.
وشهدت الفعاليات ندوة الافتتاح التي حملت عنوان “الخيال والمخايل”، حيث تناولت د.نجوى عانوس مفهوم الخيال وعلاقته بالحضارة المصرية القديمة، مؤكدة تفرد المبدع المصري ووعيه المبكر بأهمية الخيال بوصفه أحد مكونات الحضارة. كما تحدث الدكتور فهر محمود شاكر عن مفهوم الخيال في الأدب العربي، موضحًا أنه شكّل عنصرًا محوريًا في الشعر العربي، وامتد تأثيره إلى الفكر والفلسفة الصوفية، كما يتجلى في أعمال ابن الفارض وابن عربي، مؤكدًا أن مفهوم الخيال ظل ولا يزال أحد المفاهيم المركزية في الأدب العربي.
كما تحدث كل من الدكتور إبراهيم سلام والفنان محمد رايق عن تجربتيهما في العمل مع فرقة ومضة، بينما شهدت الندوة تكريم الدكتورة نجوى عانوس تقديرًا لجهودها في حفظ التراث.
وفي محور خاص بعنوان “شهادات المخايل”، قدم أعضاء فرقة ومضة شهادات حية عن تجربتهم مع فن خيال الظل.
وقال الفنان علي أبو زيد سليمان إن تجربته مع خيال الظل لم تكن مجرد تجربة فنية، بل كانت تجربة إنسانية ووطنية منحته شعورًا عميقًا بالانتماء إلى وطن يمتلك تاريخًا وثقافة وشعبًا مبدعًا بالفطرة منذ بداية الخليقة، وهو ما فتح أمام الفرقة أبواب العالم لاستقبال هذا الفن بحفاوة جعلت الاستمرار فيه واجبًا. وأضاف أن لخيال الظل سحرًا خاصًا يجعله يشعر بأنه يمتلك مفاتيح عالم لا يعرف كثيرون أسراره، حيث تبدو الدهشة واضحة في أعين الجمهور منذ لحظة إضاءة الشاشة وحتى نهاية العرض، عندما يقترب بعض المشاهدين من خلف الشاشة لاكتشاف سر ما رأوه.
وأوضح أن المخايل ينبغي أن يتقن جميع تفاصيل العرض، من تصنيع الدمى والشاشة، إلى تنفيذ الإضاءة وكافة متطلبات العرض، مشيرًا إلى أن رحلته مع خيال الظل بدأت منذ ما يقرب من عشرين عامًا عبر ورشة تدريبية أشرف عليها الدكتور نبيل بهجت، وضمت كبار المتخصصين في هذا الفن، حيث تعلم على أيدي كنوز بشرية حية، قبل أن ينطلق معهم في عروض فرقة ومضة. وأكد أنه اجتهد من أجل إبقاء دور المخايل حيًا في الثقافة العربية والمصرية، وأن الفرقة كانت مدرسة وقلعة وحصنًا يحمي هذا الفن، إذ جمعت الخبرة الفنية والأكاديمية في شخص مؤسسها الذي أفنى عمره في الحفاظ على الفنون التراثية. وأضاف أن معظم ذكرياته الشخصية تشكلت خلف الشاشة، حيث عاش يبدع في تلك المساحة الصغيرة التي تبهر الجماهير، معربًا عن سعادته باختياره هذا الطريق للتعبير والإبداع وحمل ملامح الوطن وتفاصيله.
وقال الفنان مصطفى عبد العزيز الصباغ إن لقب “المخايل” هو أعز الألقاب إلى قلبه، فعلى الرغم من تخرجه في قسم المسرح، فإنه ارتبط منذ البداية بفن خيال الظل ومارسه أثناء الدراسة. وأضاف أن الدكتور نبيل بهجت فتح أمامه آفاق هذا الفن من خلال محاضراته، ثم أتاحت له الورش التدريبية لقاء كبار المبدعين، وهو ما غيّر نظرته إلى الفن وفتح أمامه أفقًا جديدًا للتعبير، حتى أصبح خيال الظل جزءًا من حياته.
وأوضح أن المخايل يحتاج إلى مهارات متعددة، من بينها التحكم في الصوت وطبقاته، والقدرة على الغناء والارتجال، بل والتأليف أحيانًا، مشيرًا إلى أن صوت المخايل يحمل بصمة صاحبه في ذاكرة الجمهور، لذلك يعرفهم الناس من خلال أصواتهم أكثر من وجوههم. كما أكد أن العمل الجماعي والانسجام بين أعضاء الفريق يمثلان أحد أهم أسباب نجاح عروض خيال الظل.
وأشار إلى مشاركته في معظم عروض فرقة ومضة، التي انشغلت بتأصيل فني خيال الظل والأراجوز أكاديميًا وفنيًا، والعمل على استعادتهما بكل السبل، مؤكدًا أن تنمية مهارات المخايل تعتمد على الالتزام بمشروع الفريق والعمل الجماعي. وأضاف أن فرقة ومضة استطاعت خلال السنوات الماضية أن تصبح الفرقة الوحيدة المتخصصة في هذا المجال، وأن تنطلق بفن محلي إلى العالمية، لتغدو نموذجًا يحتذى في الإنتاج الفني والثقافي. وأكد أن ومضة لم تكن مجرد فرقة، بل تجربة في الاستعادة والإحياء والحياة، مشيرًا إلى أنه استلهم مؤخرًا بعض نماذج خيال الظل في إقامة معرض مستوحى من تصميم دمى خيال الظل، كما قدم عروض حكي قصيرة للأطفال تعتمد على هذا الفن، موضحًا أن للمخايل عالمًا سحريًا يبدأ بمجرد إضاءة الشاشة، حيث ينتقل خلال العرض من العالم الواقعي إلى عالم الخيال والسحر والبهجة، ولذلك يبقى لقب “المخايل” أحب الأسماء إليه، ويظل الخيال أجمل العوالم في نظره.
وقال الفنان محمود سيد حنفي إن انضمامه إلى فرقة ومضة للمشاركة في عروض خيال الظل والأراجوز، التي أسسها الدكتور نبيل بهجت للحفاظ على الفنون التراثية من الاندثار، شكّل محطة مهمة في حياته، إذ فتح أمامه باب شغف لم ينقطع، كان قد ترسخ بداخله منذ طفولته عندما اعتاد مشاهدة عروض مولد السيدة زينب، باعتباره أحد أبناء هذا الحي الذي تزخر أجواؤه بالمظاهر الشعبية المصرية الأصيلة.
وأضاف أن هذا الشغف دفعه إلى دراسة التمثيل والإخراج بجامعة حلوان، ثم جاءت ورش فرقة ومضة وعروضها لتكون مدخله الحقيقي إلى عالم الدمى، حيث ساعدته على تجاوز صعوبات الأداء التي تتمثل في الاستغناء عن أدوات الممثل التقليدية، كالإيماءات وتعبيرات الوجه والجسد، ليعتمد بدلاً منها على حركة الدمية والصوت.
وأوضح أن التنوع داخل الفرقة، الذي يجمع بين الفنانين الشعبيين والمتخصصين أكاديميًا، ساعدهم على تقديم موضوعات متعددة بخيال الظل، شملت التراث، والتربية، والفانتازيا، والقضايا الاجتماعية والسياسية. كما أشار إلى تعاونهم مع فرق أجنبية من الصين والولايات المتحدة وإيطاليا والمكسيك وغيرها، وإلى مشاركة فنانين من دول مختلفة في عروضهم، مؤكدًا أنهم قدموا عروضًا وورشًا في أكثر من ثلاثين دولة، كما جابوا الشوارع والحدائق والمدارس والمكتبات والمراكز الثقافية والقرى والجامعات والمسارح والأوبرا وغيرها من الأماكن داخل مصر، ومثلوا مصر في العديد من المحافل الدولية.
وأكد أن المخايل فنان شامل يرتكز عليه عرض خيال الظل، موضحًا أن العمل خلف الشاشة يقوم على تشابك أيدي المخايلين وتوحدهم مع الدمى في الحركة، لتنشأ بينهم لغة خاصة يصنعها الإبداع والحب.
وقال الفنان صلاح بهجت إن أول ما يدركه الإنسان من ذاته هو ظله، ذلك الآخر المنبثق منه، ولذلك فالظل عالم من السحر والحياة. وأضاف أن علاقته بخيال الظل بدأت منذ البدايات الأولى لفرقة ومضة، عندما كانت تقدم عروضها التجريبية في الأزقة والحارات، ثم من خلال الورش المتعاقبة التي كوّنت أجيالًا جديدة من المخايلين حتى أصبحت الفرقة على ما هي عليه اليوم.
وأوضح أن ومضة بدأت حلمًا لمؤسسها يؤكد أن لدينا ما يستطيع أن يعبر عنا، ثم تحولت إلى مدرسة فتحت أبوابها للراغبين في التعلم من مختلف الجنسيات. وأشار إلى أن العمل خلف الشاشة يتطلب أداء مهام متعددة في الوقت نفسه، من الأصوات والحركات والهمهمات، لتخرج مع الضوء لوحات تمثيلية يغيب فيها الممثل ويحضر ظل الدمى.
وأضاف أن المخايل يجب أن يعرف جميع أسرار العرض، حتى يتمكن من إنقاذه إذا تعرضت إحدى الدمى للتلف أثناء الأداء، مؤكدًا أنه يقوم بأدوار عديدة تصب جميعها في نجاح العرض، الذي يشبه مباراة يتحرك فيها كل شيء ثم يعود إلى سكونه بعد النهاية. ورأى أن خيال الظل يمنح الفنان فرصة للاختباء خلف الستار كي يضحك ويلعب ويقول ما يريد، فهو حياة أخرى داخل الحياة، وبمجرد أن يلمس المخايل الدمى يصبح شخصًا مختلفًا، فيتحول إلى طفل أو رجل أو شيخ أو حتى حيوان بحسب الشخصية التي يؤديها.
وأكد أن خيال الظل فتح أمامهم مساحات واسعة من الإبداع، وأتاح لهم اكتشاف مناطق جديدة داخل الفن والحياة والوجود، كما فتح أمامهم أبواب العالم، حيث قدموا هذا الفن في دول عديدة وأدخلوا البهجة إلى الأطفال والكبار، وأسهموا في إحيائه وصنعوا من خلاله حياتهم. واختتم حديثه بالتأكيد على أن للمخايل أدواته ورؤيته وفلسفته التي تجعله مؤثرًا رغم اختفائه خلف الشاشة، وأن الخيال بالنسبة إليه فلسفة وجود ومنطق للحياة وصحبة دائمة للأمل.
وفي ختام فعاليات اليوم الأول، أكد د.نبيل بهجت، مدير ومؤسس المهرجان، أهمية مفهوم “النموذج الحضاري”، مشيرًا إلى أن الصراع الأساسي في العالم هو صراع تثبيت النموذج، ولذلك فإن من الضروري الاحتفاء بنماذجنا الحضارية والثقافية. وأضاف أن علينا الخروج من لحظة الهزيمة إلى فضاء الإبداع والتألق، محذرًا من التقليد الأعمى حتى لا ينطبق علينا قول ابن خلدون: “المهزوم مولع بتقليد الغالب”، مؤكدًا أن النهضة الحقيقية لن تتحقق إلا بالانطلاق من تراثنا، لا من تراث الآخرين، لأن “لدينا ما يستطيع أن يعبر عنا”.
محمد الحمامصي – MEO



