أخبار مسرحية

علي الشوابكة: المسرح بحاجة لمشروع وطني يضمن استدامته

محاضرة "المسرح الأردني: تحديات الحاضر ورؤية المستقبل"، واقع الحركة المسرحية في الأردن

بحثت محاضرة “المسرح الأردني: تحديات الحاضر ورؤية المستقبل”، واقع الحركة المسرحية في الأردن، والتحولات التي شهدتها خلال العقود الماضية، إلى جانب التحديات التي تواجه استمرار تطورها، والحاجة إلى وضع رؤية وطنية تضمن للمسرح دورا فاعلا ضمن المشروع الثقافي للدولة.

استعرض الدكتور علي الشوابكة، خلال المحاضرة التي نظمها مركز تعلم واعلم للأبحاث والدراسات في رابطة الكتّاب الأردنيين، مسيرة المسرح الأردني ومنجزاته، مؤكدا أنه استطاع بناء تجربة ثقافية راسخة على المستويين العربي والدولي، بفضل جهود المؤسسات والمبدعين والفرق المسرحية، إلا أن هذا المنجز يحتاج إلى دعم مؤسسي مستدام يحوله إلى مشروع ثقافي طويل الأمد.

وتناول الشوابكة، خلال المحاضرة التي أقيمت في رابطة الكتّاب الأردنيين أول من أمس وأدارها الدكتور أحمد ماضي، عددًا من القضايا المرتبطة بمستقبل المسرح الأردني، من أبرزها أهمية تعزيز الأمن الثقافي، وتطوير السياسات المسرحية، وتوسيع حضور المسرح في المؤسسات التعليمية والمجتمع. وتطرق المحاضر إلى تحديات التمويل والنقد والتوثيق والتسويق، داعيًا إلى تبني إستراتيجية وطنية تمتد حتى عام 2035، تقوم على الشراكة بين مختلف المؤسسات الثقافية والتعليمية والرسمية والقطاع الخاص.

وأكد أن المسرح يمثل أكثر من مجرد نشاط فني، فهو مساحة للحوار وبناء الوعي وتعزيز الهوية الوطنية، مشددًا على أن الاستثمار فيه هو استثمار في الإنسان والمجتمع ومستقبل الدولة.

وفي مستهل المحاضرة، أكد الدكتور علي الشوابكة أن المسرح يُعدّ أحد أبرز روافد الثقافة الوطنية، لما يمتلكه من قدرة على الجمع بين الفكر والجمال، والإبداع والحوار، فضلًا عن دوره في التربية والتنوير.

وأوضح أن المسرح لم يعد في العصر الحديث مجرد وسيلة للترفيه، بل أصبح أداة فاعلة في بناء الإنسان، وتعزيز الهوية الوطنية، وترسيخ قيم المواطنة، وصناعة الوعي المجتمعي.

وأضاف المحاضر أن المسرح الأردني نجح، على مدى عقود من العمل المتواصل، في ترسيخ تجربة ثقافية راسخة على المستويين العربي والدولي، وأسهم في تقديم أسماء بارزة في مجالات التأليف والإخراج والتمثيل والنقد.
وشارك المسرح الأردني في مهرجانات عربية وعالمية حقق خلالها حضورا مميزا. وأكد أن هذه الإنجازات تعكس تجاوز المسرح الأردني مرحلة التأسيس، ليغدو منجزا ثقافيا يمتلك إرثًا وتجربة جديرين بالبناء عليهما.

وأشار الدكتور علي الشوابكة إلى أن التحولات الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة تستدعي إعادة النظر في السياسات الثقافية، وتعزيز مكانة المسرح ضمن المشروع الثقافي للدولة، ليكون ركيزة في التنمية الشاملة، لا نشاطًا موسميًا أو هامشيًا.

وأكد أن الحديث عن المسرح الأردني لم يعد يقتصر على كونه فنًا، بل يمتد إلى كونه ركيزة من ركائز الأمن الثقافي الوطني، لما يؤديه من دور في صون الهوية الوطنية، وتعزيز الانتماء، ومواجهة التطرف وخطابات الكراهية، وبناء مواطن يمتلك القدرة على الحوار والتفكير النقدي. وشدد على أن دعم المسرح ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه استثمارًا، وليس مجرد دعم لقطاع ثقافي.

وتناول الشوابكة واقع المسرح الأردني، مشيرًا إلى أن المملكة تمتلك تجربة مسرحية راسخة أسهمت في بنائها المؤسسات الرسمية والأهلية، والجامعات، والفرق المسرحية، والمهرجانات، إلى جانب جهود المبدعين. وأضاف أن العقود الماضية شهدت تطورًا ملحوظًا في مجالات التأليف والإخراج والسينوغرافيا، مع تنامي حضور المرأة والشباب في الحركة المسرحية، فضلًا عن نجاح المسرح الأردني في تمثيل المملكة في المحافل العربية والدولية.

وأكد المحاضر أن هذا المنجز، على أهميته، لا يزال بحاجة إلى مشروع وطني متكامل يضمن استدامته، ويحوّل الإنجازات الفردية إلى سياسة ثقافية طويلة الأمد.

واستعرض الشوابكة أبرز التحديات التي تواجه المسرح الأردني، وفي مقدمتها محدودية الدعم المالي والاعتماد على التمويل الموسمي، وغياب مجلس وطني أعلى يتولى رسم السياسات المسرحية والتنسيق بين المؤسسات، إلى جانب ضعف إدماج المسرح في التعليم المدرسي والجامعي، ومحدودية فرص العمل أمام خريجي أقسام المسرح.

وأشار كذلك إلى تراجع النقد المسرحي وضعف حركة النشر والتوثيق، ومركزية النشاط المسرحي في العاصمة على حساب اللامركزية الثقافية، فضلاً عن محدودية مساهمة القطاع الخاص في الاستثمار الثقافي، وغياب مواسم مسرحية منتظمة تضمن استمرارية الإنتاج والعروض، وضعف التسويق الإعلامي للعروض المسرحية وبناء جمهور دائم، إضافة إلى الحاجة لمواكبة التحول الرقمي والاستفادة من التقنيات الحديثة.

وتناول الشوابكة العلاقة بين المسرح والأمن الثقافي، مؤكدًا أن الأمن الثقافي لا يقل أهمية عن الأمن الاقتصادي أو الاجتماعي، لما يؤديه من دور في حماية منظومة القيم والهوية واللغة والذاكرة الوطنية.

وأوضح أن المسرح يسهم في تعزيز الأمن الثقافي من خلال ترسيخ قيم المواطنة والانتماء، ونشر ثقافة الحوار وقبول الآخر، ومواجهة التطرف والعنف الفكري، وصون الهوية الوطنية في ظل العولمة، إلى جانب تنمية الحس الجمالي والوعي النقدي، وبناء شخصية الأطفال والشباب. مؤكدا على أن الاستثمار في المسرح هو “استثمار في الإنسان، وفي استقرار المجتمع، وفي مستقبل الدولة”. واستعرض الشوابكة رؤية مستقبلية للمسرح الأردني حتى عام 2035، مقترحًا إطلاق مشروع وطني يرتكز على عدد من المحاور، أبرزها: إنشاء مجلس وطني أعلى للمسرح، وإعداد استراتيجية وطنية تمتد حتى عام 2035، وإنشاء صندوق وطني لدعم الإنتاج المسرحي، إلى جانب إدماج المسرح في المناهج والأنشطة التعليمية، وتوفير برامج للتشغيل والتأهيل لخريجي الفنون المسرحية.

كما دعا إلى دعم الكاتب المسرحي وحركة النشر والترجمة، وإعادة الاعتبار للنقد المسرحي والبحث الأكاديمي، وتعزيز التعاون مع المؤسسات العربية والدولية، وفي مقدمتها الهيئة العربية للمسرح، إضافة إلى توظيف التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي في التوثيق والإدارة والتدريب والتسويق.

وشملت المقترحات أيضًا تفعيل اللامركزية الثقافية بما يضمن وصول المسرح إلى جميع المحافظات، وتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في الصناعات الثقافية والمسرحية، وإنشاء مرصد وطني لتوثيق الحركة المسرحية الأردنية وإصدار تقارير سنوية حولها.

وتناول الشوابكة دور المؤسسات الثقافية في النهوض بالمسرح، مؤكدًا أن تطوير هذا القطاع يتطلب شراكة حقيقية بين وزارة الثقافة، ووزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي، والجامعات، والبلديات، ونقابة الفنانين، والقطاع الخاص، ومؤسسات المجتمع المدني.

ودعا رابطة الكتّاب الأردنيين إلى توسيع دورها في رعاية النص المسرحي، وتشجيع التأليف، وتنظيم ملتقيات نقدية، وإطلاق جوائز سنوية، وتوثيق التجربة المسرحية الأردنية، بما يعزز مكانتها شريكًا رئيسًا في تطوير المشهد المسرحي. وأكد أن المسرح الأردني أثبت قدرته على الاستمرار والإبداع رغم التحديات، إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من إدارة النشاط المسرحي إلى بناء مشروع وطني متكامل، يجعل المسرح جزءًا أصيلًا من استراتيجية الدولة في التنمية الثقافية وتعزيز الأمن الثقافي.

ورأى الشوابكة أن الثقافة ليست ترفًا، وأن المسرح ليس نشاطًا هامشيًا، بل مدرسة للمواطنة، ومنبر للحوار، وفضاء للإبداع، وأداة فاعلة في حماية الهوية الوطنية وبناء الإنسان.

وخلص إلى أن مستقبل المسرح الأردني يبدأ بالإيمان بأن الاستثمار في الثقافة هو استثمار في المستقبل، وأن كل دينار يُنفق على المسرح ينعكس على المجتمع أضعافًا في صورة وعي وانتماء وإبداع واستقرار.

عزيزة علي – الغد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!