أخبار مسرحية

‘مجنون ليلى’ مسرح غنائي حركي متوتر

علامة فارقة في تاريخ الموسيقى والمسرح الغنائي العربي، تنجح فيها الفنانة أسمهان بصوتها الأوبرالي الفريد في تجسيد لوعة وشجن شخصية ليلى لتصنع مع الموسيقار محمد عبد الوهاب قمة التجديد الموسيقي في تلك الحقبة

يعتبر أوبريت “مجنون ليلى” علامة فارقة في تاريخ الموسيقى والمسرح الغنائي العربي، حيث نجحت الفنانة أسمهان بصوتها الأوبرالي الفريد في تجسيد لوعة وشجن شخصية ليلى (حبيبة قيس)، لتصنع مع الموسيقار محمد عبد الوهاب (1902 – 1991) قمة التجديد الموسيقي في تلك الحقبة.

تم تقديم هذا الأوبريت في فيلم “يوم سعيد” (1939)، وهو مأخوذ عن مسرحية أمير الشعراء أحمد شوقي (1868 – 1932) “مجنون ليلى”، ولحَّنه عبد الوهاب برؤية تعبيرية غير مسبوقة. وقد اختصر مسرحية شوقي الطويلة ليركز فقط على المشهد الحواري بين قيس وليلى لزيادة الشحنة العاطفية.

يتنقل العمل بسلاسة بين الغناء المنفرد (الصولو)، والحوار الغنائي الثنائي (الدويتو)، والمقاطع الجماعية (الكورال). واستطاع عبدالوهاب أن يطوّع المقامات العربية ويدمجها بتوزيع أوركسترالي مستوحى من الموسيقى الكلاسيكية العالمية لخدمة الحالة النفسية للشخصيات.

وقد أعطى حضور أسمهان الصوتي بُعدًا أسطوريًّا للأوبريت، فقد امتلكت صوتًا يجمع بين الدفء الشرقي والقدرة على أداء التلوينات الأوبرالية الغربية (السوبرانو)، مما مكَّنها من مجاراة قفزات عبد الوهاب اللحنية المعقدة. ونجحت في الانتقال بصوتها بين التمنع والكبرياء العذري في بداية اللقاء، وبين الانكسار واللوعة عند وداع قيس. 

لم تكتفِ أسمهان بالجمال الأدائي النمطي، بل كانت تمثل بصوتها، حيث يشعر المستمع بخفقات قلب ليلى وخوفها من عيون الوشاة. وقد بدأت الغناء بنبرة دافئة وهادئة تتماشى مع سكون الليل والأجواء الصحراوية. ومن خلال المواجهة والملامة استمعنا إلى حوار غنائي سريع الإيقاع يمثل صدمة اللقاء وفرحته مع الخوف. وقد تلوَّن صوت أسمهان بالاضطراب والحدة العاطفية، وهي تعاتب قيس على مجيئه ومخاطرته. ثم يندمج الصوتان في مناجاة الحب. وقد أظهرت أسمهان قدرات جبَّارة في “الهارموني” والتناغم الصوتي مع عبد الوهاب دون أن يطغى صوتٌ على الآخر.

شكَّل هذا العمل منعطفًا تطويريًّا نقل الأغنية الحوارية العربية من الإطار التقليدي القائم على “الرد والمحاكاة” إلى إطار “المسرحة الموسيقية” الشاملة. ورغم أن أسمهان شاركت بصوتها فقط دون الظهور السينمائي في هذا المشهد (حيث مثلت الدور ممثلة أخرى هي فردوس حسن)، فإن بصمتها الصوتية هي التي خلَّدت الأوبريت وجعلته مرجعًا أساسيًّا في معاهد الموسيقى حتى يومنا هذا.

تتعامل أسمهان مع قصيدة أحمد شوقي ليس كمجرد نص مغنّى، بل كبنية لغوية حركية ودلالية، نلاحظ فصاحة المخارج والتمطيط الدلالي، فأسمهان تلتزم بالنطق السليم للحروف الفصيحة، وتستغل “حروف المد” (الألف، الواو، الياء) لشحن الكلمة ببعد عاطفي. وتظهر عبقريتها اللغوية في مقطعها الأول “قيسُ ابن عمي عندنا!”. تنطق همزة الاستفهام المقدرة والمنغومة بنبرة تجمع بين الدهشة الممزوجة بالفرح والخوف الشديد. 

يتضح لنا أن الأوبريت مبنيٌّ على هيكلية (التوتر والاحتواء). يبدأ عبد الوهاب (قيس) بجمل لحنية متوترة، متقطعة، وعالية الطبقة تعكس جنونه واختراقه للحدود السكنية للقبيلة. ثم تأتي أسمهان (ليلى) بجمل دائرية عريضة لامتصاص هذا التوتر وإعادة التوازن البنيوي للحوار الموسيقي. ثم تنتقل من تلقي لحن قيس المشحون، لترد عليه بقفزات مقامية رصينة (مثل التحول المرن نحو مقام النهاوند) لتأكيد وعي ليلى بالواقع مقابل ضياع قيس.

تلتحم الأصوات في الدويتو المشترك وتحاول أسمهان السيطرة على اندفاع عاطفتها. صوتُها يرتجف ليعكس الصراع الأنثوي الداخلي، والرغبة في الارتماء في حضن الحبيب، والرعب من سكاكين القبيلة. ويمثل صوتها في الأوبريت “فلسفة الوعي بالقيود الأرضية”، بينما يمثل صوت عبد الوهاب “فلسفة التمرد واللامبالاة المطلقة”. ليلى بصوتها تذكِّر بالحدود، وبالوشاة، وبالأهل؛ إنها الصوت الفلسفي الذي يدرك أن الإنسان كائن مشروط بمجتمعه ولا يمكنه الانفلات التام دون دمار.

إن الاندماج الصوتي الفائق في المقاطع الثنائية يطرح فكرة فلسفية؛ فالوجود الحقيقي للحب لا يتحقق إلا بالاندماج الروحي (الهارموني الصوتي)، حتى لو كان هذا الوجود مستحيلاً على أرض الواقع.

وقد لاحظنا أن أسمهان تدخل بمقاطعها الغنائية متأخرة بجزء من الثانية عن النبض الإيقاعي الأساسي. هذا التلاعب الزمني يعطي إيحاءً نفسيًّا بالتردد والوَجل، وكأن قدميها تعجزان عن السير نحو قيس. وبما أن حوارهما سري ومحفوف بالمخاطر، فإن أداء أسمهان يتسم بالسرعة والتدفق الكثيف في المقاطع الفردية، ليعكس زمن “اللقاء المسروق” الذي قد ينتهي في أي لحظة بطعنة خنجر.

وعندما يشتد الحوار، ترفع أسمهان صوتها إلى الطبقات الأوبرالية الحادة. سيميائيًّا، هذا الصعود الحاد ليس استعراضًا مسرحيًّا، بل هو “شفرة استغاثة” غير مشروطة، تترجم عجز ليلى كأنثى محاصرة بيئيًّا واجتماعيًّا. 

في الفيلم نلاحظ أن صوت أسمهان يغني، وجسد ممثلة أخرى يتحرك على الشاشة، مما يعزِّز سيميائيًّا مفهوم “تغييب المرأة”؛ ليلى موجودة كأثر روحي وصوتي طاغٍ، لكن جسدها وحريتها مكبلان ومصادران تمامًا.

ولعلنا قد لاحظنا أن اللقاء لا يحدث في “الحِمى” (المرعى أو الفضاء المفتوح المشترك)، بل يحدث داخل عقر دار ليلى، وفي حيزها الخاص المحرم، مما يرفع وتيرة الخطر والذعر النفسي إلى درجاتها القصوى. ونلاحظ أن أسمهان تنطق كلمة “عندنا” بنبرة مشدودة ومفاجئة، حيث تضغط على النون والالف المدّية الأخيرة كمن يضع خطًّا أحمر تحت رمز الخطر الأكبر. الكلمة هنا ليست مجرد ظرف مكان، بل هي إعلان عن انتهاك حرمة الخلوة.

اللقاء “عندنا” (في بيتها) يفجر لدى ليلى حالة من الهلع الفوري تترجمه أسمهان بصوت يرتجف ويفقد وقاره الكلاسيكي سريعًا ليتحول إلى نبرة استعطاف حادة. 

إن النطق السريع والضيّق والهزَّاز في أداء أسمهان يجسد الخوف من “الداخل” (الأهل، الأب، الإخوة) وليس من الوشاة البعيدين في الصحراء. إنها تعيش في هذه اللحظة رعب “الموت غسلاً للعقد القَبَلي” إن كُشف أمرهما.

كلمة “عندنا” تقطع التدفق اللحني الهادئ الذي بدأ به عبد الوهاب. هنا، وبسبب هذا التحديد المكاني الصادم، تجبر أسمهان البناء الموسيقي على التحول من “أغنية مناجاة روتينية” إلى “مسرح غنائي حركي متوتر”، حيث تقصر الجمل الموسيقية وتصبح أشبه بضربات القلب المتلاحقة. 

في الفضاء السيميائي البدوي، الصحراء تعني الحرية والجنون (فضاء قيس)، بينما “البيت / الخيمة” يعود لسلطة القبيلة وقمع المرأة (فضاء ليلى). صرخة أسمهان “عندنا” هي إعلان سيميائي عن صدام الفضائين، وعن وقوع قيس في الفخ، وتحول الحبيبة إلى شريكة في “جرم” الوجود معًا في مكان محظور.

في جملة عبد الوهاب (سَجَى اللَّيْل)، تُمطّ الألف في “سجى” لتوحي لغويًّا وبصريًّا بامتداد الظلام اللانهائي في الصحراء. بينما تضع أسمهان نبرة صوتها على الحروف الحلقية والشديدة (مثل القاف والضاد) لتأكيد معاني، وعندما يتحرك عبد الوهاب بجمل لحنية سريعة ومنكسرة تجسد جنون قيس، تأتي أسمهان بجمل لحنية عريضة ومستقرة، لتصنع توازنًا بنيويًّا يحمي العمل من الفوضى التعبيرية.

إن صوت أسمهان يمثل “المرساة” التناغمية التي تسمح لعبد الوهاب بالانتقال إلى توزيعات أوركسترالية غربية دون أن تفقد الأغنية هويتها الشرقية الأصيلة. 

ونستطيع أن نقول إن أداء أسمهان هو دراسة سيكولوجية عميقة لامرأة تعيش صراعًا مدمرًا بين “الأنا الأعلى” و”الهوى”؛ صراع الواجب والرغبة حيث تجسد ليلى الممزقة بين شرف القبيلة (الأنا الأعلى) وحب قيس (المرتد في اللاشعور). 

هنا تبدأ أسمهان مقاطعها بنبرة جافة وصارمة تخفي وراءها كبرياءً مزيفًا، سرعان ما يتشقَّق هذا القناع في نهاية الجملة ليتحول إلى (اهتزاز صوتي). ونلاحظ أن الانتقال المفاجئ من الغناء الجهير إلى الهمس الخافت يصور بدقة البارانويا (الخوف المرضي) التي تعيشها ليلى من عيون الوشاة ورعاة القبيلة.

يرتفع صوت أسمهان بالأوبريت من مجرد حكاية حب بدوية إلى قضية وجودية وإنسانية عامة. ومن خلال مثالية الحب العذري (أفلاطونية الصوت) نلاحظ النبرة الملائكية الحالمة في الطبقات الحادة (السوبرانو) التي تجرد ليلى من جسدها الأرضي، وتحولها إلى “فكرة” أو “مشتهى عصي على اللمس”. وذلك تماشيًا مع فلسفة الحب الوجودي الصوفي حيث الحبيبة هي رمز للمطلق.

تحمل قفلات أسمهان الغنائية نبرة استسلام حزينة؛ صوتها يدرك مسبقًا أن الفاجعة قادمة، وهي تغني بروحانية شخص يرى مصيره المحتوم ويسير إليه طواعية، ما يؤكد (فلسفة التسليم بالقدر).

لقد تلاعبت أسمهان بالزمن النفسي للمستمع، عازلة إياه عن الزمن الواقعي. وعندما تشكو لوعتها، تُبطئ الأداء وكأنها توقف الزمن، لتجبر المستمع على تذوق ثقل الدقيقة وركود لحظات الحرمان العاطفي.

إن الدمج بين الشعر الجاهلي القديم، والتوزيع الحديث، والصوت الأوبرالي، ينقل المستمع إلى “زمن لا زمني”، فتصبح مأساة ليلى وقيس حدثًا عابرًا للعصور يحدث في “الآن الدائم”.

ونستطيع أن نقول إن صوت أسمهان تحول إلى شبكة من العلامات والرموز التي تحمل دلالات ثقافية واجتماعية: [الدال: السكتة الحنجرية] ◄ [المدلول: الاختناق/ الكبت] ◄ [الرمز الثقافي: قمع المرأة]. وتوظيف أسمهان لقطع الصوت الفجائي ليس حيلة تقنية فحسب، بل هو رمز سيميائي لـ “الخنق” أو “المنع”، يجسد القيود المجتمعية التي تكتم أنفاس المرأة العربية في ذلك العصر.

ونظراً لأن أسمهان غنّت الأوبريت بصوتها فقط في الفيلم، بينما قامت فردوس حسن بالتمثيل الصامت (دوبلاج بصرى)، فإن صوتها سيميائيًّا يعمل كـ “صوت شبحي منفصل عن الجسد”، هذا الانفصال يعزز دلالة أن ليلى أصبحت مجرد طيف أو وهم يسكن عقل قيس المجنون. 

كلمات أوبريت “مجنون ليلى”:

قيس: ليلى

ابو ليلى: من الهاتفُ الداعى؟ أقيسَ أرى

ماذا وقوفُك والفتيانُ قد ساروا

قيس: ما كنتُ يا عمُ فيهم

أبو ليلى: أين كنت اذن؟

قيس: في الدار حتى خلت من نارِنا الدارُ

ما كان من حطبٍ جزلٍ بساحتنا

أودى الرياحُ به والضيفُ والجارُ

ابو ليلى: ليلى .. انتظر قيس، ليلى

ليلى: ما وراء أبي؟

أبو ليلى: هذا ابنُ عمِك ما فى بيتِهم نارُ

ليلى: قيس ابنُ عمي عندنا يا مرحبا يا مرحبا

قيس: مُتِعتِ ليلى بالحياةِ وبلغتِ الأربَ

ليلى: عفراء

عفراء: مولاتي

ليلى: تعالى نقضي حقًّا وجبا

خذي وعاءً واملئيه لابن عمي حطبا

قيس: بالروح ليلى قضت لي حاجةً عرضت

ما ضرَّهَا لو قضت للقلبِ حاجاتِ

كم جئتُ ليلى بأسبابٍ ملفقةٍ

ما كان أكثر أسبابي وعلاتي

ليلى: قيس

قيس: ليلى بجانبي كلُ شىءٍ إذن حضر

ليلى: جمعتنا فأحسنت ساعةٌ تَفضل العمُر

قيس: أتجدين؟

ليلى: ما فؤادي حديدٌ ولا حجر

لكَ قلبٌ فسله يا قيس ينبئكَ بالخبر

قد تحمّلتُ في الهوى فوقَ ما يحملُ البشر

قيس: لستُ ليلايَ داريا كيف أشكو وأنفجر

أشرح الشوقَ كلَّه أم من الشوقِ أختصر

ليلى: نبئني قيس ما الذي لك في البيدِ من وطر

لك فيها قصائدٌ جاوزتَها إلى الحضر

أترى قد سلوتَنا وعشقتَ المها الأُخر

قيس: غرتِ ليلى من المَهَا والمَهَا منك لم تغر

لست كالغيدِ لا.. ولا قمرَ البيدِ كالقمر

(النار تكاد تصل إلى كم قيس)

ليلى: ويح عيني ما أرى

قيس: ليلى

ليلى: خذ الحذر

قيس: ربَّ فجرٍ سألته هل تنفستِ في السَحر

ورياحٍ حسبتُها جرَّرت ذيلَك العطِر

وغزالٍ جفونه سرقت عينَك الحوَر

ليلى: ويح قيسٍ تحركت راحتاه

قيس: ليلى

ليلى: وما شَعر

أبو ليلى: قيس .. امضِ قيس امضِ 

جئت تطلبُ نارا .. أم ترى جئت تشعلُ البيتَ نارا

قيس: سجا الليل حتى هاج لي الشعرُ والهوى 

وما البيدُ إلا الليل والشعر والحبُّ

ملأتَ سماءَ البيد عشقًا وأرضَها 

وحُمّلتُ وحدي ذلك العشق يا ربُّ

ألمّ على أبياتِ ليلى بيَ الهوى 

وما غيرَ أبياتى دليلٌ ولا ركبُ

وباتتْ خيامى خطوةً من خيامِها 

فلم يشفنِ منها جوارٌ ولا قربُ

إذا طافَ قلبي حولها جُنَ شوقُهُ 

كذلك يطفي الغُلَةَ المنهلُ العذبُ

يحنُّ إذا شطَّتْ ويصبو إذا دنتْ، 

فيا ويح قلبي كم يحنُّ وكم يصبو!

رابط الأوبريت على يوتيوب

أحمد فضل شبلول – MEO

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!