رحيل مصطفى الدرقاوي رائد التجريب في السينما المغربية
انطلق من التيار الوجودي ثم انتقل إلى الأفلام الاجتماعية التي تخاطب الجماهير

ملخص
بعد فترة طويلة من المرض، والغياب عن الحياة الثقافية والفنية، غيب الموت أول من أمس المخرج المغربي مصطفى الدرقاوي، رائد التجريب في السينما المغربية. انطلقت أفلامه الأولى من الفلسفة، وتأثرت بالتيارات الأيديولوجية التي هيمنت خلال السبعينيات، ثم انتقل لاحقاً إلى أفلام اجتماعية تراهن على قاعدة جماهيرية كبيرة، دون الوقوع في إغراءات السينما التجارية.
كان المخرج مصطفى الدرقاوي (مواليد 1944 بمدينة وجدة) يرفض أن تكون لأفلامه بداية ووسط ونهاية، إذ لم تكن أعماله تقوم على فلسفة العقدة وحلها. كما أنه كان يعمل على الدوام على تكسير البناء الكرونولوجي الذي يعتمد على تسلسل الأحداث. فالتشويق ليس مهمة مخرج يراهن على التجريب، والتسلية ليست وظيفة الأعمال السينمائية الراهنة التي تقوم على تصور فكري وفلسفي. ثمة دائماً فكرة يجب أن نطرحها، أن نتداولها ونناقشها، بحيث ينطلق النقاش من الفيلم، ويستمر خارج قاعة العرض بصورة جماعية أو فردية. فالسينما عند الدرقاوي حقل أفكار، وهو حقل لا ينتج الورد في الضرورة، فالأشواك هي الأخرى لها وظيفتها في الطبيعة.
يطرح المخرج المغربي أفكاره، باعتبارها إشكاليات، ولا يهرع إلى الخاتمة السعيدة، إذ الحلول السريعة التي يتوقعها المشاهد في نهاية الفيلم. إنه يترك مهمة البحث عن الحلول للمتلقي، وللمجتمع الذي ينتمي إليه. وظيفة السينما عند الدرقاوي هي التنبيه إلى الخطر، وتذكير الإنسان بإنسانيته. وظيفتها أيضاً هي التحذير من طغيان المادة، وتبلد المشاعر وفقدان أشكال التفاعل الإنساني مع ما يقع في هذا العالم.
عمل الدرقاوي في أفلامه على تفكيك السرد الكلاسيكي، والتشويش على راحة المتلقي، وإرباك أفق توقعه. كما أنه راهن، في المستوى التقني، على الصورة باعتبارها مساحة للتوتر، فالكاميرا عنصر أساس لطرح الأسئلة، لا للترفيه على المشاهد. والمشاهد، في عين المخرج المغربي، ليس عنصراً سلبياً أو محايداً في أحسن الأحوال. إن الدرقاوي متطلب في هذا الشأن، فهو يراهن على جمهور نبيه قادر على المشاركة والانخراط في المساحات التأويلية، من أجل تفكيك رموز العمل السينمائي.
سينما التحريض
قبل أكثر من نصف قرن، وعام 1974 تحديداً، حمل الدرقاوي الكاميرا وخرج إلى شوارع الدار البيضاء ليسأل الناس: ما نوع السينما التي يحتاج إليها المغرب الآن؟ كان ذلك بمثابة عصف فكري أو زوبعة ذهنية. فالسؤال في ذلك الزمن الذي يسميه المغاربة “سنوات الرصاص” كان في حد ذاته ثورة على سينما الضحك والتسلية والمهادنة. ومن اللافت أن أحد المتدخلين في الشارع كان هو الكاتب المغربي المعروف محمد زفزاف في شبابه، وقد جاء في تصريحه: “نريد سينما مغربية ملتزمة، تعبر عن مشكلات الجماهير الكادحة”. أكد زفزاف أنه، مثل كثير من مجايليه وحاملي الفكر التطلعي، يرفض سينما الفرجة والتسلية والأشياء الحميمية. وحين طرح عليه سؤال: “ما المشكلات التي ينبغي أن تطرحها السينما الجديدة” أجاب دون تردد: “أول شيء ينبغي أن يطرح هو المشكل السياسي”. ثم شدد على قضايا العمال والمقهورين. كانت طبيعة الأفكار والمضامين المطروحة في هذا الفيلم ذات طابع استشرافي، ثمة دفع مباشر باتجاه الرفع من مستوى الوعي والرغبة في تغيير الواقع.
كان الزمن السبعيني في المغرب صعباً، على مستوى الحريات الفردية والعامة. فالبلاد كانت خارجة للتو من محاولتي انقلاب على النظام السياسي، بالتالي اشتدت الرقابة عقب ذلك على كل شيء، وتم التضييق على حريات التعبير على نحو كبير. وبدا الدرقاوي كما لو أنه زعيم السينما التحريضية. لذلك مُنع الفيلم الذي عمل عنواناً غامضاً “أحداث بلا دلالة”، بعدما عُرض مرتين فحسب، بصورة شبه سرية. كان العرض الأول في مهرجان تطوان، لكن في سياق ضيق لم يتح للجميع مشاهدته، بل اقتصرت هذه المشاهدة على نخبة محدودة. وكانت العرض الثاني داخل قاعة صغيرة بمهرجان خريبكة للسينما الأفريقية.
اختفى الفيلم بعدها لأكثر من 40 عاماً، ثم ظهر عام 2019 في خزانة الأرشيف التابعة لإقليم كتالونيا، وبعدما جرى ترميمه عرض في مهرجان برلين السينمائي. اللافت أن رحلة كانت غريبة بالفعل، فقبل ظهوره في كتالونيا وعرضه في ألمانيا، جرى تحميضه في مدريد، وتحويله من شريط 16ملم إلى شريط 35 ملم في برشلونة. بدأت عملية المونتاج في الدار البيضاء، تم تواصل الاشتغال عليه في بغداد وروما، وجرى إنجاز الترجمة الفرنسية في باريس.
لا يبدو الطابع الفكري لأفلام الدرقاوي غريباً، لمن يعرف سيرته الشخصية. فقد درس المخرج المغربي الفلسفة في شبابه، قبل أن ينتقل إلى فرنسا لدراسة السينما، ثم يتوجه بعد ذلك إلى بولندا ليواصل الدراسة بالمدرسة الوطنية العليا للسينما.
باختياره الفكري النخبوي بدا للدرقاوي أنه يضيق المساحات الفنية على نفسه، ويفقد تدريجاً جمهوراً كان يعتقد أنه سيتنامى ويتضاعف. فالعالم بدأ يتغير منذ الثمانينيات، وصار الفن يبدو أكثر شساعة من الأيديولوجيا، لذلك سعى إلى الانفتاح في أعماله اللاحقة على شرائح مختلفة، بُغية توسيع قاعدة الجماهير، لكن دون الوقوع في الشراك التجارية، أو تسطيح الفن السابع.
بعد “أحداث بلا دلالة” و”رماد الزريبة” في السبعينيات، و”عنوان موقت” و”أيام شهرزاد الجميلة” في الثمانينيات، و”أبواب الليل السبعة” في التسعينيات، خرج الدرقاوي من الخطاب الفلسفي المركب إلى لغة جديدة يمكن أن يفهم معظم الناس محمولاتها. بدا ذلك واضحاً في أفلام من قبيل “غراميات الحاج المختار الصولدي” و”الدار البيضاء باي نايت” مع مطلع الألفية الجديدة. يعري هذا الفيلم الأخير حياة الليل في مدينة هائلة لا ترحم الضعفاء، ولا تقف ماكينتها على أعتاب الكائنات الهشة. وقد حقق هذا العمل إيرادات مهمة وأرقاماً كبيرة في شباك التذاكر.
وفي معظم أفلامه ظلت الفلسفة حاضرة، وإن بصورة متخفية أو متخففة في أفلامه اللاحقة. فالسينما بالنسبة إليه، وسيلة للتفكير، حتى وهي تعرض مشهداً درامياً قد يبدو بسيطاً للمتلقي. فوظيفة الدرقاوي أن يشوش على البساطة وأن يمنحها بعداً إضافياً هو العمق.
عبدالرحيم الخصار – إندبندنت عربية



