عبدالكريم الحجراوي… من خشبة غائبة في القرية إلى جائزة الدولة في الرواية
الناقد والروائي المصري يتحدث عن رحلته من قرية في الأقصر إلى فضاء المسرح العربي، ويكشف رؤيته للنقد والتراث ومواجهة التطرف ومستقبل مشروعه الإبداعي

بين القرية المصرية التي لم تعرف خشبة المسرح، وقاعات جامعة القاهرة التي فتحت أمامه أبواب النقد والبحث، تشكّلت تجربة الدكتور عبدالكريم الحجراوي بوصفها رحلة متعددة الوجوه، يتجاور فيها الناقد والباحث مع الروائي والمبدع. ورغم حضوره البارز في المشهد المسرحي العربي وإصداره عددًا من الكتب المتخصصة، ظل الإبداع يسكن مشروعه، حتى أعادته رواية «سيرة هشة ليوم عادي» إلى الواجهة، متوجًا بفوزه بجائزة الدولة التشجيعية في الآداب، فرع الرواية.
في هذا الحوار، يعود الحجراوي إلى البدايات الأولى لعلاقته بالمسرح، ويتحدث عن أثر الدراسة الأكاديمية والتجربة الحياتية في تشكيل وعيه، وحدود العلاقة بين الفن والألم، ومسؤولية النقد في زمن الانطباعات السريعة. كما يناقش حضور التراث والسيرة الشعبية في المسرح العربي، ودور الفن في مواجهة العنف والتطرف، وإسهامات المؤسسات الثقافية والهيئة العربية للمسرح في صناعة حراك يتجاوز حدود المهرجانات.
ويكشف الحجراوي عن الوجه الإبداعي الذي ظل طويلًا خلف مشروعه النقدي، وعن التحول الذي أحدثته جائزة الدولة في أولوياته المقبلة، وما وضعته على عاتقه من مسؤولية تجاه القارئ. وبين قلقه من الاستسهال وعدم احترام الجمهور، وتفاؤله بجيل جديد من المسرحيين الشباب، يقدم رؤية تجمع بين خبرة الباحث وحساسية المبدع وإيمان الإنسان بأن المسرح لا يكتفي بتفسير الواقع، بل يمتلك القدرة على تغييره.
كيف تشكلت علاقتك الأولى بالمسرح؟
ولدت في قرية من قرى محافظة الأقصر في جنوب مصر، تقع على الضفة الشرقية من النيل، قرية فقيرة حتى بداية الألفية لم تكن بها مدارس حديثة، إذ تلقيت تعليمي في المرحلتين الابتدائية والإعدادية في فصول مبنية من الطوب اللبن، ولم يكن بها مسرحًا من الأساس، لكن في نهاية العام الدراسي كان يجري الإعداد لمسرحية فكاهية أقرب إلى الاسكتشات، وكنا نتظرها بشغف وكان المدرسين ونحن في المرحلة الابتدائية يسمحوا لنا بالانتقال إلى المدرسة الإعدادية لمشاهدة هذه العروض، وعلى بساطتها كانت تصنع الحدث وتكون مثار حديث الجميع في القرية، وفي المرحلة الثانوية مع أنها كانت في مدرسة تعد من أفضل مدارس الثانوية على مستوى المحافظة “مدرسة فاطمة الزهراء الثانوية المشتركة” لم يكن هناك مسرحًا أو فرقة مسرحية بها، ومع انتقالي إلى الجامعة بدأت علاقتي مع المسرح، خاصة المسرح الشعري لصلاح عبدالصبور وأحمد شوقي وكانت بي رغبة جارفة لمعرفة أصول هذا الفن، واتخذت قراري وقتها أن أتخصص في مجال النقد المسرحي في جامعة القاهرة على يد الأستاذ القدير أحمد شمس الدين الحجاجي رحمه الله وهو ما كان ولذلك أسباب تتعلق برغبتي في كتابة المسرح الشعري.
إلى أي مدى أسهمت دراستك الأكاديمية في تشكيل وعيك النقدي مقارنة بالتجربة الحياتية؟
الدراسة الأكاديمية أهم ما يميزها هو تعليمك التفكير المنهجي واحترام الأسس والضوابط، تنظيم الأفكار كيف تناقش الأفكار وتحللها بدلًا من القبول بشكل تلقائي، البحث والتحقق للتمييز بين الرأي والمعلومة وبين المصادر القوية والضعيفة، الصبر والانضباط لأنها تحتاج إلى الاستمرار والعزلة لأوقات طويلة، كما أن الموضوعات المدروسة تجعلك قادر على فهم المجتمع، كما أنك تجعلك تشعر بالتواضع لأنك تدرك مهما تعلمت فهناك ما هو أكثر لتتعلمه وأن الحياة أقصر بكثير من أن تقرأ وتعرف كل ما تريده، لكن في الوقت نفسه الدراسة الأكاديمية غير كافية، فالتجربة الحياتية والحكمة العملية وفهم الناس …إلخ كلها مهمة جدًا.
بعيدًا عن الأكاديمية، من هو د. عبدالكريم الحجراوي عندما تنطفئ أضواء المسرح؟
هذا سؤال صعب جدًا، فمعرفة الإنسان لنفسه أمر شديد الصعوبة، لأن فيها فصل بين الذات والموضوع فقانون الهوية عند أرسطو هو والإنسان لا يستطيع في ظني أن يعرف نفسه دون أن الآخر، أنا أحب اللون الأزق وفلان يحب الأخضر بهذا المثال البسيط يعرف الإنسان بعض الحقائق عن نفسه، ولكنها تظل غير ثابتة لأن الإنسان تتبدل موافقه حسب تبدل السياق لذا يصعب عليك أن تعرف من تكون بشكل حقيقي في ظل هذه الدينماينة تتغير أفكارنا، حتى أشكالنا، ففي كل مرحلة عمرية نكون أشخاص غير الذين كنا فيما يشبه مثال المركب التي يجري تغيير لوحًا منها كل عام فبعد تغيير كل الألواح يحق لنا أن نقول أن هذه هي السفينة التي صنعت أم أنها جديدة تمامًا؟!

ما أكثر لحظة شعرت فيها أن المسرح غيّر شيئًا حقيقيًا في الإنسان؟
في ظني المسرح منذ نشأته هو أداة لتغيير الإنسان، ففي المسرح الأرسطي أو الكلاسيكي القديم، وفكرة التطهيير الذي يصنعه تهدف بالأساس إلى جعل الإنسان أن يكون أفضل، تلك الفكرة التي سيعترض عليها بريخت في المسرح الملحمي الذي سيرى في التطهير وسقطة البطل ما هو إلا دعوة إلى تدجين الإنسان وتحذيله عن الثورة من أجل استقرار الطبقات الاجتماعية، فكان هدف مسرحه أن يغيير الإنسان ويدفعه إلى الثورة على واقعه. وإذا أتينا إلى النموذج العربي فقد أدركت حركة يوليو 1952 في مصر هذا الدور للمسرح ودشتنه من أجل التوعية الناس بأفكار الحركة وأرسلت البعثات إلى الخارج من أجل اكتساب الخبرات ثم العودة والتبشير وحث الناس على الإيمان بأهداف الحركة.
هل ترى نفسك ناقدًا أم مفكرًا مسرحيًا يتجاوز حدود النقد التقليدي؟
في الحقيقة أرى نفسي مبدعًا بصورة أكبر وإن كانت كتبي العشرة المنشورة حتى الآن 7 منها في النقد المسرحي، حين أعدت أطروحتي للماجستير كان الهدف الأساسي من هذه الخطوة وهو التعرف على الأسس العليمة لهذا الفن ولم يدر بخلدي أن أكون ناقدًا مسرحيًا، وفوجئت أن هذا الفن هو أصعب الفنون كتابة وأن العيب فيه يكون واضحًا للجميع ولا يمكن التعمية عليه، ويحتاج إلى خبرة ودربة طويلة وفي المقام الأول الموهبة هي الأساس.
ما تعريفك للنقد الحقيقي في زمن تتحول فيه الكتابة أحيانًا إلى انطباعات سريعة؟
النقد له أشكال وصور مختلفة، ونحن في حاجة إلى جميع أشكاله. هناك النقد الأكاديمي المعمق الذي نجده في رسائل الماجستير والدكتوراه والأبحاث العلمية المحكمة، وهناك النقد القائم على الدعاية، سواء السلبية أو الإيجابية للعرض، وهو ما نجده عادة في الصحف أو على وسائل التواصل الاجتماعي. وهناك أيضًا النقد الانطباعي الذي يظهر غالبًا في نشرات المهرجانات، وهو مهم أيضًا، خاصة إذا جاء من ناقد لديه خبرة وباع طويل. المهم في كل هذه الأشكال أن يحكم الناقد ضميره قبل أن يكتب أي كلمة، سواء كانت مدحًا أو قدحًا، وأن يبتعد عن المصالح الضيقة.

أنت معروف بحضورك في النقد والبحث المسرحي، بينما جاءت جائزة الدولة عن عمل روائي.. ماذا تمثل لك الكتابة الروائية إلى جانب مشروعك النقدي والمسرحي، وهل تكشف «سيرة هشة ليوم عادي» عن وجه آخر في تجربة عبدالكريم الحجراوي؟
نعم، أظن أن الجائزة كشفت عن الوجه الإبداعي الذي كنت أريد أن يعرفني الناس به. فقد قدمت إلى القاهرة مبدعًا، شاعرًا تحديدًا، ثم اتجهت إلى دراسة النقد المسرحي في جامعة القاهرة من أجل التعرف إلى هذا الفن بصورة علمية، وكان هدفي في البداية أن أكتب المسرح الشعري. لذلك لم يكن النقد بالنسبة لي ابتعادًا عن الإبداع، وإنما كان أحد الطرق التي قادتني إليه.
وكما أخبرتك، كنت حريصًا على أن أتقدم إلى جائزة الدولة بعمل إبداعي وليس نقديًا. وعندما كتبت أول رواية رأيت أنها جديرة بالنشر، تقدمت بها إلى الجائزة، والحمد لله فازت بإجماع آراء اللجنة. وقد عبّرت حيثيات الجائزة عن بعض ما كنت أطمح إليه في هذه الرواية، إذ رأت اللجنة أنها نجحت في رسم صورة بانورامية للقرية المصرية في تحوّلاتها المختلفة، ورصد تفاصيل الواقع المعيش للقرية وسكانها، وأنها تقدم تجربة فنية ثرية تتجلى فيها مرثية سردية لزمن يتآكل، وتجمع بين حساسية الحداثة السردية وعمق الذاكرة الشعبية والتراثية.
لذلك أرى أن «سيرة هشة ليوم عادي» لا تكشف وجهًا آخر في تجربتي بقدر ما تكشف عن جانب كان موجودًا طوال الوقت، لكنه ظل خلف مشروعي النقدي والمسرحي، حتى جاءت الرواية لتضعه في الواجهة.
ما حدود العلاقة بين الفن والألم؟
أعتقد أن العلاقة بين الإبداع والألم علاقة وثيقة، فالألم كثيرًا ما يكون مصدرًا للكتابة ومحركًا لها. والكتابة بالنسبة لي نوع من العلاج؛ فأنا عادة لا أكتب إلا تحت وطأة الألم، لأن الكتابة وحدها قادرة على إيقاف هذا الألم، أو على الأقل منحه شكلًا يمكنني من فهمه والتعايش معه.
ربما لهذا لا أرى الكتابة مجرد تعبير عما أشعر به، وإنما محاولة لفهم هذا الشعور والخروج منه. حين أكتب عن الألم، لا أكون فقط في مواجهته، وإنما أحاول أن أحوله إلى شيء يمكن النظر إليه وتأمله، وربما احتماله.

كيف قرأت تحولات العنف في المسرح العربي، خاصة في الأعمال التي تناولت الجماعات المتطرفة؟
رصدت هذه التحولات في كتابي «صدمة التوحش: صورة داعش في المسرح العربي»، الذي حللت فيه مجموعة من النصوص المسرحية التي تناولت ظاهرة الجماعات المتطرفة، منها نصوص للشيخ الدكتور سلطان القاسمي، حاكم الشارقة، وإسماعيل عبدالله، وغانم غنام، ومحمد أبو العلا السلاموني.
ومن خلال هذه النصوص وجدت أن المسرح العربي لم يتعامل مع العنف والإرهاب باعتبارهما مجرد ظاهرة سياسية أو أمنية، وإنما حاول تفكيك جذورهما والكشف عن آثارهما على الإنسان والمجتمع. والملاحظ أن المسرح يقف دائمًا في مواجهة العنف والإرهاب، ويحاول أن يؤدي دوره التنويري والتوعوي في إنقاذ الشباب وتحصين العقول من هذا الوباء الذي يأتي على الأخضر واليابس.
وأعتقد أن أهمية المسرح هنا أنه لا يكتفي بإدانة العنف، وإنما يمنحنا فرصة لفهم كيف تتشكل هذه الظاهرة، وكيف يمكن مواجهتها بالفكر والفن، لأن مواجهة التطرف لا تكون أمنيًا فقط، وإنما تبدأ أيضًا من الوعي وتحصين الإنسان.
هل أصبح المسرح العربي اليوم أقرب إلى الجمهور أم أبعد عنه؟
في ظل وجود السوشيال ميديا وعصر الشاشات أعتقد أن الجمهور أصبح أبعد بسبب سهولة حصوله على وسائل الترفيه دون أن يتحرك من مكانه.
لماذا يعود التراث بقوة في مشروعك النقدي؟
أعتقد أن السبب يعود إلى أن المسرح العربي ولد وهو مرتبط بالتراث الشعبي. فمنذ البدايات ارتبطت تجربة مارون النقاش بـ«ألف ليلة وليلة»، كما ارتبطت تجربة أخيه نقولا النقاش بالسير الشعبية، وحتى الدعوات إلى تأسيس مسرح عربي كان جانب كبير منها يعتمد على التراث الشعبي، سواء الأدبي منه أو الفرجوي. لذلك أرى أن العلاقة بين المسرح العربي والتراث علاقة وثيقة وممتدة منذ نشأة المسرح نفسه، وليست علاقة طارئة أو استدعاء للماضي. وهذا ما حاولت أن أرصده في عدد من كتبي ودراساتي، ومنها «المسرحية الشعرية العامية في مصر»، و«تجليات السير الشعبية في المسرح العربي»، و«معجم المسرح السيري»، إلى جانب مجموعة من الكتب والدراسات والمقالات التي تناولت حضور التراث في المسرح العربي وتحولاته.

كيف يمكن توظيف السيرة الشعبية دون الوقوع في فخ التكرار أو التقديس؟
رصدت في كتابي «تجليات السير الشعبية في الوطن العربي»، وكذلك في «معجم المسرح السيري»، أشكال معالجة السير الشعبية في المسرح العربي، ووجدتها تتحرك في أربع فئات رئيسية.
الفئة الأولى هي النقل، وفيها يكتفي أصحابها بتحويل السرد إلى حوار مسرحي. والثانية هي التحوير أو التعديل، حيث يعتمد المؤلفون على شخصيات السير الشعبية، لكنهم يعدلون في الأحداث التي جاءت في السيرة من أجل إسقاطها على الواقع.أما الفئة الثالثة فهي التبديل، ويكون التأثر بالسير فيها أقل مباشرة من الفئتين السابقتين؛ إذ يقوم المؤلف بإدماج بطل السيرة في الحياة المعاصرة. وفي هذه الفئات الثلاث يظل هناك خيط واضح يربط بين السيرة الشعبية والعمل المسرحي المتحول عنها، مهما اختلفت درجة التأثر بها.
أما الفئة الرابعة فهي التمثيل أو المماثلة، وفيها لا يشير المؤلف إلى السيرة الشعبية التي يستلهمها، ولا تحضر شخصياتها بصورة مباشرة، لكن يظهر تشابه بين العمل المسرحي وأحد أحداث السيرة. فعلى سبيل المثال، قد يستحضر المؤلف شخصًا أسود البشرة في مجتمع معاصر، يجعله يحب فتاة بيضاء من علية القوم، ويحاول هذا البطل أن يثبت أنه جدير بحبها؛ فنحن هنا أمام استعادة لقصة عنترة وعبلة، من دون استحضار الشخصيات أو الحكاية بصورة مباشرة. لكن هذا النوع من التأثر بالسير الشعبية يظل في جانب كبير منه احتماليًا، ويختلف رصده من باحث إلى آخر، ولذلك استبعدت هذه الفئة من النصوص التي جمعتها في «معجم المسرح السيري» وكتاب «تجليات السير الشعبية»، لصعوبة حصرها بصورة دقيقة.
وعادة ما يكون استدعاء السير الشعبية مسرحيًا نوعًا من الإسقاط على الواقع السياسي والاجتماعي، إذ توجد رسائل مضمرة يريد المؤلف أو المخرج إيصالها إلى الجمهور، وتختلف هذه القضايا باختلاف العصر. ففي بداية القرن العشرين، استدعى شكري غانم شخصية عنترة مسرحيًا لمقاومة الاحتلال العثماني للبلاد العربية، بينما استدعاها يسري الجندي في السبعينيات لمقاومة التطبيع مع الكيان الصهيوني.
لذلك لا أرى أن العودة إلى السيرة الشعبية تعني تكرارها أو تقديسها القيمة الحقيقية تبدأ عندما تتحول السيرة من مادة موروثة إلى أداة لقراءة الحاضر.
كيف تقيّم دور المؤسسات الثقافية العربية في دعم المسرح؟
دعم المسرح يختلف من دولة عربية إلى أخرى، ولا يمكن وضع المؤسسات الثقافية العربية كلها في مستوى واحد. وإذا نظرنا إلى التجربة الإماراتية، فأرى أن هناك سخاءً واهتمامًا شديدين بالمسرح مقارنة بكثير من الدول العربية، خاصة من الشيخ القاسمي، الذي يولي المسرح عناية خاصة لا تتوقف عند حدود الإمارات أو الدول العربية، وإنما تمتد إلى المستوى العالمي.
وهذا ليس غريبًا على فنان وكاتب مسرح وإنسان من طراز فريد، وحاكم لديه وعي استثنائي بأهمية الثقافة والفن قلّ نظيره في التاريخ العربي. وأعتقد أن ما يميز التجربة الإماراتية هو أنها لا تنظر إلى دعم المسرح باعتباره تمويلًا لعروض أو مهرجانات فقط، وإنما باعتباره جزءًا من مشروع ثقافي أوسع، وهو ما انعكس على حضور المسرح الإماراتي والعربي في المشهد الثقافي بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة.
إلى أي مدى استطاعت الهيئة العربية للمسرح خلق حراك مسرحي عربي حقيقي يتجاوز حدود المهرجانات؟
أرى أن الهيئة العربية للمسرح كان لها دور مهم في إرساء ودعم الحركة المسرحية العربية، بقيادة حاكم الشارقة، وأمانة إسماعيل عبدالله، من خلال دعم المسرحيين، والاهتمام بالشباب، وإتاحة مساحات للمسرح في عدد من البلدان العربية التي لم تكن تملك حضورًا مسرحيًا قويًا، فضلًا عن تحويل المسرح إلى مجال للتواصل والتفاعل بين التجارب العربية المختلفة.
وأنا أعتبر نفسي أحد أبناء الهيئة العربية للمسرح؛ فقد كانت من المؤسسات التي قدمتني ناقدًا مسرحيًا إلى الوطن العربي. عندما نشرت كتابي «المسرحية الشعرية العامية في مصر: دراسة تحليلية»، ثم دُعيت للمشاركة البحثية في مهرجان المسرح العربي بالقاهرة عام 2019، كانت تلك هي الانطلاقة الحقيقية لي مع عالم المسرح، ليس على المستوى المحلي فقط، وإنما على المستوى العربي.
لذلك فإن علاقتي بالهيئة ليست علاقة باحث يتابع دورها من بعيد، وإنما تجربة شخصية عشت أثرها، وأعتقد أن الهيئة لها أثر مستمر في مسيرة المسرحيين، بما تتيحه من فرص للبحث والتجريب والتواصل بين الأجيال والتجارب العربية.

فوزك بجائزة الدولة التشجيعية في الآداب، فرع الرواية، عن روايتك «سيرة هشة ليوم عادي»، يمثل محطة بارزة في مسيرتك الإبداعية والثقافية.. ماذا يعني لك هذا الفوز، وإلى أي مدى تراه تتويجًا لمسيرة سابقة وبداية لمرحلة جديدة؟
أعتبر فوزي بجائزة الدولة التشجيعية من أجمل اللحظات التي عشتها في حياتي؛ فهي حلم تمنّيته منذ سنوات وسعيت إليه، والتكريم من بلدك ومن الدولة المصرية له مذاق خاص. وكنت حريصًا على أن أحصل عليها عن عمل إبداعي وليس نقديًا، لأنني عادةً ما أتردد كثيرًا في نشر أعمالي الإبداعية مقارنة بالأعمال الأخرى.
لدي أكثر من عشرة أعمال بين الروايات والمجموعات القصصية والمسرحيات والأعمال الشعرية، لم أدفع بها إلى النشر حتى الآن. وحتى «سيرة هشة ليوم عادي» ظللت أكتب فيها خمس سنوات، قبل أن أدفع بها إلى الناشر، وظللت حتى اللحظة الأخيرة أعدل فيها وأضيف إليها، إلى أن طالبني الناشر في المراجعة الأخيرة بألا أُجري تعديلات كثيرة حتى يلحق العمل بالمطبعة ويشارك في معرض القاهرة الدولي للكتاب.
لذلك لم تكن الجائزة بالنسبة لي مجرد تكريم لعمل كتبته، وإنما كانت أيضًا تأكيدًا على أن هذا التردد الطويل في النشر، وهذه السنوات التي قضيتها في الكتابة والمراجعة وإعادة بناء العمل، لم تذهب هباءً.
حظي فوزك بالجائزة بتفاعل واحتفاء لافتين داخل الوسطين المسرحي والثقافي.. كيف قرأت ردود الفعل التي أحاطت بهذا الفوز، وهل فاجأك حجم المحبة والتقدير الذي عبّر عنه زملاؤك والمسرحيون والمثقفون؟
نعم، وهذا فاجأني كثيرًا، ودفعني إلى التساؤل عن سر هذه الحفاوة من المسرحيين، من الخليج إلى المحيط. كانت سعادة حقيقية لمست صدقها، وجعلتني أشعر أنني أنتمي إلى عائلة، وغيرت نظرتي إليهم.
ظل سؤال يشغلني طوال الأيام الماضية: ما سر هذه الحفاوة التي غمرني بها المسرحيون؟ وما سر حرصهم على التعبير عن فرحتهم بكل الصور الممكنة؛ بالمكالمات والرسائل، والكتابة على صفحاتهم، والتهنئة كلما التقوني في مسرح أو حتى في الطريق، فيوقفونني ليشاركوني فرحتهم، سواء كانت بيننا معرفة مباشرة أم لم تكن؟
واليوم أحمد الله أنني أنتمي إلى هذه العائلة؛ عائلة علّمها المسرح الدفء والمشاركة والتعاون، وأن يكون أفرادها بشرًا حقيقيين، يفرحون لنجاح غيرهم كما لو كان نجاحهم هم.
في النهاية، لم أستطع أن أقبض على سبب بعينه يفسر سر فرحتهم، لكن ما أعرفه الآن أنني لم أعد أرى سنواتي في النقد المسرحي أرضًا يبابًا. صحيح أنها لم تمنحني ما كنت أرجوه في وقتها، لكنها منحتني ما هو أبقى؛ صنعت لي رأس مال إنسانيًا ومعنويًا لم أدرك قيمته إلا في اللحظة التي احتجت إليه فيها.
هل غيّرت جائزة الدولة شيئًا في نظرتك إلى تجربتك ومسؤوليتك تجاه ما تكتبه، وهل تشعر بأن ما بعد الجائزة يفرض عليك سقفًا أعلى من التوقعات والطموحات؟
سأخبرك بسر لم أبح به للعلن من قبل. عندما كنت أنظر إلى كتبي، كنت أشعر أحيانًا بشيء من الغيظ، وكنت أرى أن الناقد قد استولى على المبدع، مع أن النقد نفسه يحمل جانبًا من الإبداع.لذلك اتخذت قرارًا بيني وبين نفسي بأن تكون الأولوية في الفترة المقبلة لمشروعي الإبداعي. واستشرت في ذلك الدكتور عبدالرحمن الشرقاوي، أستاذ الأدب المقارن بجامعة القاهرة والمقيم في اليابان، فأيد هذا القرار وشجعني عليه. ثم جاءت الجائزة لتؤكد لي أن هذا هو الطريق الذي ينبغي أن أمضي فيه، وعلى الأقل في الفترة المقبلة ستكون الأولوية للرواية والقصة. أما الجائزة، فقد وضعت على كتفي حملًا كبيرًا؛ لأنني لم أعد أكتب فقط بدافع الرغبة الشخصية، وإنما أصبحت أشعر بمسؤولية تجاه ثقة القراء وتجاه ما ينتظرونه مني. وأهم ما أتمناه ألا أخون هذه الثقة، وأن أقدم دائمًا ما أراه جديرًا بأن يُقرأ ويستحق ما حصلت عليه من تقدير.
ما النصيحة التي تقدمها للجيل الجديد من النقاد؟
أهم نصيحة أقدمها للجيل الجديد من النقاد هي الاهتمام باللغة؛ فمن دون لغة سليمة لن تكون قادرًا على التعبير عن أفكارك وإيصالها، مهما كانت هذه الأفكار عظيمة. والناقد لا يستطيع أن يكتفي بالقراءة في المسرح فقط، وإنما عليه أن يمتلك اطلاعًا واسعًا على مختلف الفنون، كالفنون التشكيلية والرسم والنحت والسينما وغيرها، لأن المسرح في النهاية فن مركب يستفيد من جميع هذه الفنون ويتفاعل معها. وأعتقد أن الناقد الحقيقي يجب أن يمتلك ثقافة موسوعية، وأن يظل في حالة تعلم مستمر؛ يقرأ ويشاهد ويبحث ويكتسب أدوات جديدة، لأن الناقد الذي يتوقف عن التعلم تتوقف قدرته على قراءة الفن قراءة حقيقية.
بعد كل هذه الرحلة مع المسرح والنقد.. ما الذي يقلق د. عبدالكريم الحجراوي على المسرح العربي؟
شاهدت في الأيام الأخيرة فعاليات المهرجان القومي للمسرح المصري، وأستطيع أن أقول إن لدي الآن ثقة كبيرة في مستقبل المسرح، خاصة مع المخرجين المسرحيين الشباب والعروض التي قدمتها الفرق المستقلة والجامعية. لديهم شغف حقيقي بالمسرح، ويعملون فيه وينفقون عليه من جيوبهم الخاصة، ومع ذلك يقدمون فنًا حقيقيًا واحترافيًا بالمعنى الحقيقي للكلمة.
لذلك أنا متفائل جدًا بالمستقبل، وأرى أن ما يقدمه هؤلاء الشباب يمنحنا أسبابًا حقيقية للتفاؤل. وإذا كان السؤال عما يقلقني في المسرح العربي عمومًا، فهو الاستسهال وعدم احترام الجمهور. فالجمهور يستحق أن نقدم له عملًا نحترم عقله وذائقته ووقته، والمسرح الذي لا يحترم جمهوره يفقد أحد أهم شروط وجوده واستمراره.
المشهد الفني



