«الناجون» يتأملون الصدمة.. و«كتاب الموتى» يبحث عن الاسم المفقود
العرضان المصريان يتأهبان لمنافسات «التجريبى 33»..

حين تُطفأ الأنوار ويُفتح ستار المنافسة الرسمية فى الدورة الثالثة والثلاثين لمهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى فى الأول من سبتمبر، سيكون للمسرح المصرى موعد جديد مع مواجهة فنية مفتوحة أمام جمهور ونقاد وضيوف قدموا من مختلف أنحاء العالم بحثًا عن التجارب الأكثر جرأة وابتكارًا.. وبين عرض يفتش فى ذاكرة الناجين من الحروب والكوارث والأسئلة التى تتركها الصدمة خلفها، وآخر يستدعى «كتاب الموتى»
ليعيد طرح سؤال الهوية والاسم والمعنى فى زمن الالتباس، تتقدم التجربتان المصريتان إلى ساحة المنافسة وهما تحملان رؤيتين مختلفتين، لكنهما تلتقيان عند الرغبة فى مساءلة الإنسان ومصيره.. هكذا يدخل «بماذا يحلم الناجون؟» و«كتاب الموتى.. الاسم المفقود» من بوابة العروض المستقلة إلى سباق التجريبى 33، ممثلين للمسرح المصرى فى دورة تراهن على التجريب كأداة لاكتشاف أسئلة جديدة أكثر من كونه مجرد بحث عن إجابات شافية.
يأتى عرض «بماذا يحلم الناجون» إخراج سماح حمدى كتجربة بصرية وأدائية تستكشف مفهوم النجاة وآثار الصدمة النفسية، من خلال مزيج من الأداء الحى والفيلم والسينوغرافيا التفاعلية.
وترى المخرجة سماح حمدى أن صور الناجين من حرب غزة لاتمثل مجرد خلفية بصرية لعرض «بماذا يحلم الناجون؟»، بل تشكل نقطة انطلاق أساسية لفهم الحالة الإنسانية التى يتناولها العمل، فبين الأنقاض والوجوه المثقلة بالفقد والانتظار، وجد العرض مادته الأكثر صدقًا فى طرح سؤال النجاة وما يرافقها من جراح لا تُرى ولا تندمل.
وأوضحت أن العمل ينشغل بما يحدث للإنسان بعد عبوره لحظة الخطر، حين يصبح مطالبًا بمواصلة الحياة رغم الخسائر التى تركتها الحرب وراءه، وأضافت أن الناجى لا يخرج من التجربة كما دخلها؛ إذ تتغير نظرته إلى العالم وإلى نفسه، ويجد نفسه فى مواجهة أسئلة جديدة تتعلق بالهوية والذاكرة والمعنى.
وأكدت «حمدي» أن مشاهد الناجين فى غزة ألهمت الكثير من المفردات البصرية والسينوغرافية فى العرض، لما تحمله من قدرة استثنائية على التعبير عن التمسك بالحياة وسط الدمار، مشيرة إلى أن العمل يسعى إلى تحويل هذه الصور إلى تجربة مسرحية تلامس الوجدان وتدفع الجمهور للتفكير فى الثمن الإنسانى للحروب، وفى الأحلام التى يحاول الناجون إنقاذها كما يحاولون إنقاذ حياتهم.
ويعتمد العرض على لغة أدائية وبصرية تضع المتلقى داخل عالم تتجاور فيه الذاكرة مع الأمل، والفقد مع الرغبة فى الاستمرار، ليظل السؤال مفتوحًا أمام الجميع: بماذا يحلم الناجون.

أما عرض «كتاب الموتى ــ الاسم المفقود» فهو فكرة وإخراج عزت إسماعيل، وبمشاركة شيرين حجازى فى تصميم الرقصات، ويقدم العرض معالجة معاصرة مستلهمة من الرحلة المصرية القديمة عبر العالم الآخر، فى صياغة حركية وبصرية تعيد قراءة الموروث فى سياق فنى معاصر.
وأكد المخرج عزت إسماعيل أن العرض لا يتعامل مع النص المصرى القديم بوصفه وثيقة تاريخية أو أثرًا من الماضي، بل بوصفه خزانًا للأسئلة الكبرى التى مازالت تشغل الإنسان حتى اليوم، وقال إن العمل يحاول استنطاق أحد أهم النصوص المؤسسة للوعى المصرى القديم، والبحث فيما يحمله من أفكار حول الهوية والذاكرة والرحلة الإنسانية بين الحضور والغياب.
وأوضح أن العرض ينطلق من فكرة «الاسم المفقود» باعتبارها استعارة معاصرة لحالة الإنسان الذى يسعى إلى اكتشاف ذاته وسط عالم سريع التحول، مشيرًا إلى أن النصوص والرموز الفرعونية تتحول داخل العرض إلى مفردات بصرية وحركية تفتح باب التأويل أمام المتلقي، وتدفعه إلى إعادة النظر فى علاقته بماضيه ووجوده.
وأضاف إسماعيل أن التجربة لا تسعى إلى استعادة التاريخ بقدر ما تحاول محاورته، إذ يلتقى المسرح بالرقص والموسيقى والصورة فى بناء عالم بصرى يستحضر روح الحضارة المصرية القديمة، ويعيد طرح أسئلتها فى سياق إنسانى معاصر، وأشار إلى أن العرض يراهن على قوة الصورة والرمز أكثر من السرد المباشر، ليصنع رحلة مسرحية تتأرجح بين الذاكرة والواقع، وبين ما اندثر ولايزال حيًا فى وجدان الإنسان.
واختتم قائلاً إن «كتاب الموتى ــ الاسم المفقود» هو دعوة للتأمل فى ما يبقى من الإنسان بعد مرور الزمن، وكيف يمكن للذاكرة أن تصبح جسرًا يربط الماضى بالحاضر، ويمنح الأسئلة القديمة حياة جديدة فوق خشبة المسرح.
باسم صادق – الأهرام



