كنز نجيب محفوظ المخبوء.. مسرحه كأمثولة فلسفية للوجود

يبقى أدب نجيب محفوظ- مهما تعدَّدت القراءة فيه وتعاظمت أعداد الدراسات حوله- واعدًا بالكثير من الكنوز الجمالية الغنية والأسرار الفنية المدهشة التى لم تُكتشَف بعد. وواحد من مواضع الثراء الجمالى والغنى الفنى هو مسرحه، حيث كتب محفوظ ثمانى مسرحيات، بدأها نشرًا فى صحيفة «الأهرام» بخمس مسرحيات فى الفترة من أكتوبر حتى ديسمبر ١٩٦٧، حتى ضمتها المجموعة القصصية، تحت المظلة، ١٩٦٩، وهى مسرحيات: «يميت ويحيى»، و«التركة»، و«النجاة»، و«مشروع للمناقشة»، و«المهمة»، ثم أعقبها ومسرحية «المطاردة» فى مجموعة الجريمة ١٩٧٣، وأخيرًا مسرحيتا «الجبل»، و«الشيطان يعظ» فى مجموعة الشيطان يعظ ١٩٧٩. وعلى الرغم من مرور ما يناهز الستة عقود من بدء إطلاق محفوظ لنصوص المسرحية إلا أنَّ التعاطى النقدى والتداول القرائى لها وكذلك التنفيذ الفنى لها بتحويلها إلى عروض ممثَّلة على خشبة المسرح لم يعطِ النصَ المحفوظى المسرحي- على تميُّزه الجمالى وفرادته الفنية- بعض حقه، ورُبَّما يرجع ذلك إلى آفة التصنيف الأحادى و«القولَبة» بالتركيز فى منجز الكتَّاب متعددى الإبداع على جانب واحد أو نوع واحد فقط مما أبدعوا فيه، كالتركيز على توفيق الحكيم الكاتب المسرحى دون الروائى والقاص، والتركيز على يوسف إدريس القاص دون المسرحى والروائى.
وومن البادى فى نصوص نجيب محفوظ المسرحية، تبطُّنها بالفلسفة فى أنَّها تطرح أسئلة ميتافيزيقية كبرى، وأنَّها تحمل رؤية للوجود، أى أنَّها تنبثق من تبصُّر فلسفى وموقف لصاحبها من الوجود وقضاياه الكبرى وإشكالياته الكونية العظيمة كقضايا الحياة والموت ومسألة تاريخ الخلق والإنسانية وعلاقة الذات الإنسانية بالألوهة، إضافةً للقضايا الإنسانية المُلِحَّة مثل الصراع الإنسانى كما فى جدلية الحرب والسلام، الحرية والجبرية، العدالة الغائبة والعنف المجتمعى.
ومن القيم التى شاغلت الخطاب المسرحى المحفوظى قيمة الحرية وأولويتها بين غيرها من الحاجات والقيم، كما فى مسرحية «يُميت ويُحيى»:
الفتى: ولكن أليس الملجأ بكل عيوبه أفضل من التسوُّل والتشرُّد؟
الشحاذ: الحرية أفضل من الأمن نفسه
تُجلى رؤية الوجود المحفوظية عبر طرح الجدل الرؤيوى بين «الفتى» و«الشحاذ» حول المفاضلة بين الأمن والحرية ربَّما كخيارين يؤدى اختيار أحدهما إلى نفى الآخر أو تقليص حصة الذات منه، فينحاز »الشحاذ« إلى خيار »الحرية« على حساب »الأمن«، فثمة هامش مسموح من المخاطرة من أجل نيل الحرية، فيتقاطع هذا الطرح المحفوظى مع الفلسفة الوجودية، وتحديدًا عند جان بول سارتر، الذى يرى أنَّ الإنسان «محكوم عليه بالحرية»، فالحرية عند سارتر ليست منحة بل هى كينونة الإنسان ذاته، وأى محاولة للتضحية بها مقابل الأمن هى نوع من «الخداع الذاتى».
وفى مسرحية »النجاة تبدو قيمة «البطولة» أملاً منشودًا للذوات الإنسانية، حلمًا غاربًا يتهيأون لإشراقه من جديد، حيث «المرأة» التى تلوذ بشقة «الرجل» طلبًا للحماية والإيواء من مطاردة الشرطة:
يظل تعلُّق الناس بالبطولة التى أضحت «قديمة» وقد أفل عهدها وولى زمنها، كأنَّها وجوه من وجوه «اليوتوبيا المفقودة»، فبدت البطولة غائبة حاضرة، غائبة عن الواقع الآنى المحايث، حاضرة كطيف يلوح من بعيد عبر الزمن.
ويعود الخطاب المسرحى المحفوظى لتناول مسألة «البطولة» فى مسرحية «مشروع للمناقشة».
تستبعد الرؤية الوجودية المحفوظية فى خطابه المسرحى دور القدر والبطولة الخرافية والوجود الأسطورى للأبطال، ما يؤكِّد على قناعة محفوظية بعدم واقعية أسطورة البطل المُخلِّص الرومانسية أو البطل الذى يبعث به القدر ليقود جماعته ويُخلِّصها. فمحفوظ الذى بدا موضوعيًّا أميل إلى الحلول الواقعية لا يأنس إلى الحلول الخارقة أو إلى تعلُّق الجماهير بأمل بطولى يُخلِّصها، وكأنَّ محفوظ الذى كتب مسرحياته بعد نكسة يونيو ١٩٦٧ قد استوعب عدم جدوى أسطورة البطل المُخلِّص أو الزعيم الفرد التى راودت وعى الشعوب العربية فى عهد حركات التحرُّر الوطنى ونشوء القوميات بقيادة أفراد زعماء تَمثَّلهم الوعى الشعبوى بأمل مُفرِط فى حلول بطولية فردية.
ومن مسرحيات محفوظ التى تتأسس على أمثولة سياسية، «يُميت ويحيى»، حيث تظهر شخصية «العملاق» الذى يعرض على «الفتى» مساعدته فى صدامه مع خصمه الذى يسعى الفتى للثأر من اندحاره أمامه فى عراك سابق، فيعرض العملاق على الفتى وساطته فى حل الصراع بينهما ومع اقتراب الحكاية المسرحية فى «يُميت ويُحيى» من نهايتها يسفر العملاق للفتى عن أنَّ ما يربطه بخصمه وعدوه علاقة قرابة:
الفتى: إنَّه وحش ذميم.
العملاق: إنَّك لا تراه على حقيقته.
الفتى: ألم تسمع قهقهته الساخرة؟
العملاق: هذه طريقته فى المزاح، يا له من شاب خفيف الروح حقًا!
الفتى: ولكنى أعرفه حق المعرفة، من خلال المعرفة والجوار والصراع عرفته.
العملاق: صدقنى إنَّه لا يكشف عن مكنون كنوزه إلا لمن يحبه ويفهمه.
الفتى: بل لا تلين عريكته إلا لمن يشكمه بالتأديب والضرب.
العملاق: أحمد الله على أنَّك لم تتمكن من ضربه.
الفتى: ولِمَ؟
العملاق: كنت سأهرع إلى نجدته.
الفتى: ها أنت تهددنى.
العملاق: للقرابة حقوق.
الفتى: تجلت الحقيقة، فما أنت إلا بلطجى كقريبك.
يسفر هذا المقطع الجدلى بين الفتى والعملاق بجلاء أكثر تحول خطاب العملاق وتغير لغته وانقلاب لهجته فى حواره/ مفاوضاته مع الفتى، بالتدرج من إبداء الرغبة فى مساعدته فى قهر خصمه، أى مستوى التحالف والشراكة ثم تخفيض ذلك بالتنصُّل من عرض التحالف بعرض الوساطة لحل النزاع، حتى يبين عن جوهر علاقته بذلك الخصم وحقيقة ارتباطه به بصلات «قرابة»، وعدم السماح بضربه أو رد الضربة إليه.
وبفحص العلاقات بين عناصر الحبكة الدرامية وشخصيات الحكاية فى مسرحية «يُميت ويُحيى» نجد ثمة توازيًّا أمثوليًّا بينها وحالة الصراع المصرى الإسرائيلى فى ظل حضور الولايات المتحدة الأمريكية المضطلعة بدور الوسيط لحل النزاع والحليف المحابى للخصم/ إسرائيل التى تهرع لنجدتها حال تعرُّض أمنها للتهديد، فالفتى حينما أبدى تهديدًا لخصمه مبينًا على أنَّه لا سبيل للتعامل معه إلا باستخدام القوة لأنَّه لا يراعى علاقات الجوار، كان رد العملاق بانقلاب موقفه من إبداء الرغبة فى الوساطة لحل النزاع إلى إعلان حمايته للخصم والتحالف معه، ردًا لأى هجوم عليه.
وتوظِّف الصياغة المسرحية المحفوظية الأليجوريا المعتمِّدة على مادة ميتافيزيقية تتمثَّل فى تمرُّد بعض المخلوقات على الخالق فى مسرحية «مشروع للمناقشة» فى الصدام بين المؤلف وأعضاء الفرقة المسرحية، وفى صدارتهم الممثل حول مساحة الحرية والالتزام للفرقة فى الامتثال للمؤلف أو الخروج عليه:
المؤلِّف: (فى غضب) لست أهلاً لمناقشتى.
(محادثًا نفسه) تعب وعذاب وها هى النهاية، من يدرى بمتاعب الخلق إلا من يعانيه؟ ثم لا يكفيه ذلك فتتمرد عليه مخلوقاته، وأى تمرد! تعيب خلقه، تعيبه بكل جهل وقحة، تذكره بعمله القديم كأنَّه عاجز عن تكرار نفسه، تتهمه بالكسل وهى الخامة العاجزة عن تفهُّم الجديد، وتبين مزاياه، هل يكمل الخلق إذا جاء على هوى المخلوق؟ وقد تدرجت معهم من البسيط إلى المعقَّد وها هم ينعتون البسيط بالجلال والمعقَّد بالتفاهة، عقول قاصرة فكيف يمكن أن يتموا الرحلة الطويلة معى؟!
الممثِّل: (مخاطبًا نفسه أيضًا تجنبًا للخصام) الخلق شيء عظيم أما الغرور فلا عظمة له، لسنا مخلوقات ولكنَّنا شركاء، هو يعرف ذلك وإن أنكره حين الغضب، المسرحية لا تحيا وحدها، يلزمها مخرج وممثلون ونقاد وجمهور، ما قيمة النصر بغير هؤلاء؟ هل تبقى الراوية هى هى إذا تغيَّر المخرج؟ الحق أنَّنا خالقون أيضًا، وهو مخلوق لنا بمعنى من المعانى، وجميعنا معذَّبون بالخلق، والجزاء ليس عادلاً، إنَّنا نعيش فترة ثم نختفى كالفقاعات، أما كلماته فتبقى على مدى الأيام..
يأخذ الصراع والصدام بين المؤلَّف والممثَّل فى رفع درجة التوتر الدرامى، لأنَّه أخذ فى التطوُّر من حدث بدأ بسيطًا بمطالبة كل عنصر من عناصر العملية الإبداعية من أفراد الفرقة المسرحية بأن يلبى له المؤلَّف متطلباته ليؤدى دوره بالصورة التى يريدها لنفسه، فى مقابل رفض المؤلَّف الصارم أى تدخلات فى عمله. غير أنَّ ثمة إشارات عديدة عبر هذه المبادلة الحوارية تجلى استلهامًا لمسألة ميتافيزيقية وهى مسألة الخلق وعلاقة المخلوقات بالخالق، ما يؤسس تناظرًا استعاريًّا وتوازيًّا أليجوريًّا بين حالة الجدل بين المؤلَّف والممثِّل حول العلاقة المتبادلة بين المؤلِّف من ناحية وعناصر العملية الفنية من ناحية أخرى، فى مقابل الجدل الميتافيزيقى حول علاقة الخلق بالخالق، وتعكس رؤية الممثل للفرق بين المؤلِّف ودونه من أعضاء الفرقة الفنية وعناصر العملية الإبداعية: (وجميعنا معذَّبون بالخلق، والجزاء ليس عادلاً، إنَّنا نعيش فترة ثم نختفى كالفقاعات، أما كلماته فتبقى على مدى الأيام) أزمة ميتافيزقية للإنسانية وهى الفناء والموت، فى مقابل خلود كلمات الخالق/ المؤلف وأبديتها، فى ترشيح استعارى وتمدد أليجورى فى التشكيل الأمثولى لهذه المسألة المعقدة والعلاقة بين المؤلَّف وعناصر العملية الفنية، فتستعير الصياغة المسرحية المحفوظية أمثولة الخلق والخلود الإلهى والفناء الإنسانى لتؤسس هذه الموازاة الاستعارية والتكوين الأليجورى الذى يتجاوز الموقف الدرامى فى منظومة أحداثه وسطحها الدلالى إحالةً إلى منظومة استعارية تقيم تناظرًا دلاليًّا وتنسج شبكة أخرى من الدلالات غير المباشرة.
د.رضا عطية – المصري اليوم



